كل ما تحتاج لمعرفته عن الحصار في سوريا

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

في الوقت نفسه الذي دخلت فيه الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية قرية مضايا السورية المحاصرة يوم الاثنين، في وقت بات متأخراً جداً لإنقاذ أولئك الذين تضوروا جوعاً حتى الموت، دخلت قوافل الإغاثة أيضاً إلى منطقتي الفوعة وكفريا المحاصرتين.

ولم يأت التوقيت صدفة، إذ كان الاتفاق الذي تم التوصل إليه الأسبوع الماضي للسماح بوصول المساعدات إلى مضايا، التي تحاصرها القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد، بما في ذلك مقاتلو حزب الله، بمثابة مقايضة بين الأطراف المتحاربة أكثر من كونه لفتة إنسانية: فالمجموعة المسلحة داخل مضايا تحاصر الفوعة وكفريا.

وكون أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تتفق عليها الأطراف المتحاربة لإنقاذ ما يقدر بنحو 42,000 مدني في مضايا، الذين يقال إنهم كانوا يتناولون الماء الممزوج بالتوابل وأوراق الشجر، يشير إلى تعقيدات إيصال المساعدات الإنسانية عبر هذا الحصار.

وتجدر الإشارة إلى أن تلك القرية الصغيرة التي تقع على الحدود اللبنانية ليست حالة معزولة. ففي السنة الخامسة للحرب في سوريا، واعتماداً على من تسأل، يوجد ما بين 393,700 و 2 مليون شخص يعيشون تحت الحصار وبحاجة ماسة إلى المساعدة. وفي الوقت الذي يتم فيه إيصال مواد الإغاثة بالشاحنات إلى مضايا، سعت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) للبحث عن المعلومات المتوافرة بشأن الحصار، وتبين لها أنه لا توجد أجوبة سهلة حتى لأبسط الأسئلة.

ما هو الحصار؟

ووفقاً لتعريف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تعتبر المنطقة تحت الحصار إذا كانت محاصرة من قبل أطراف مسلحة مما يترك أثراً مستمراً يتمثل في عدم القدرة على إدخال المساعدة الإنسانية بانتظام، وعدم قدرة المدنيين والمرضى والجرحى على الخروج من المنطقة بانتظام".

ووفقاً لأوتشا، يوجد هناك 4.52 مليون شخص يعيشون في مواقع "يصعب الوصول إليها" في سوريا، بما في ذلك 393,700 شخص في 15 بقعة محاصرة.

ولكن أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة حول الحالة الإنسانية في سوريا لا يشمل مضايا كواحدة من تلك المناطق، ولكن ما يثير الحيرة أنه يدرج الفوعة وكفريا في القائمة. وقد تلقت جميع المدن الثلاث مساعدات من الأمم المتحدة في شهر أكتوبر.

ولم يستجب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا لطلب شبكة الأنباء اللإنسانية (إيرين) بأن يشرح لها المعايير التي يحدد بناء عليها ما هي المناطق التي يعتبرها محاصرة وتلك التي لا يعتبرها غير محاصرة.

وهذه ليست المرة الأولى التي تقود فيها الحقائق على أرض الواقع إلى التشكيك في تعريف الأمم المتحدة لماهية الحصار. ففي يوليو 2015، رفعت الأمم المتحدة في هدوء مخيم اليرموك الفلسطيني من قائمة المناطق المحاصرة، رغم أنها لم تستطع في ذلك الوقت تقديم الإغاثة لمدة أربعة أشهر.

انظر: الأمم المتحدة تقرر أن مخيم اليرموك لم يعد محاصراً


ويُقدر بيير بوليه ديباريو، مدير برنامج منظمة أطباء بلا حدود في سوريا، عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت "درجات مختلفة" من الحصار في البلاد بما يتراوح بين 1.8 و 2 مليون شخص.

وقد طبق مشروع مرصد الحصار، وهو مشروع مشترك بين معهد سوريا البحثي ومنظمة باكس غير الحكومية، معايير الأمم المتحدة بدقة على البيانات التي جمعها الباحثون على أرض الواقع، وتوصل إلى أن عدد السكان المحاصرين في سوريا يصل إلى قرابة 1.1 مليون شخص.

هل تدخل المساعدات الإنسانية في نهاية المطاف؟


وسواء كانت المنطقة محاصرة أو "يصعب الوصول إليها"، يواجه العاملون في المجال الإنساني عقبات كبيرة في إيصال المساعدات إلى المناطق التي يحاصرها المقاتلون، التي كثيراً ما تكون محاطة بأسلاك شائكة وألغام. ولكن لا توجد منطقة محاصرة مغلقة بإحكام.

فهناك الطريق الرسمي لإدخال المواد الغذائية والطبية ومواد الإغاثة المتنوعة الأخرى – وهو الذي سلكته الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهذا يتطلب القيام بالعملية الشاقة المتمثلة في طلب إذن الدخول، الذي عادة ما يتم رفضه.

وفي بيان لها الأسبوع الماضي، قالت الأمم المتحدة أنها نجحت في الحصول على موافقة على 10 بالمائة فقط من طلباتها في العام الماضي لإدخال قوافل مساعدات إلى مناطق محاصرة أو يصعب الوصول إليها.

وفي السياق ذاته، قال باول كرزيسيك، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن العقبات والتأخيرات هي جزء من تكلفة العمل في سوريا.

وأوضح قائلاً: "ليس لدينا مساحة كبيرة من الحرية في هذه الدولة فيما يتعلق بما يمكن أن نفعله، سوى الاستمرار في طلب الحصول على موافقة للدخول واستمرار التفاوض وإجراء الاتصالات وتقديم الطلبات ... هذا أحد أكبر التحديات التي نواجهها".

وتابع بقوله: "إنه خيار ... يمكنك أن تعمل عبر الحدود... أن يكون مقرك في مكان آخر وتقوم بتهريب المساعدات إلى الداخل. أما بالنسبة لنا، فإننا نختار أن نكون هنا وأن نتابع عملنا بقدر الإمكان ... ليس عبر تقديم إمدادات لمرة واحدة ولكن بشكل منتظم".

وحتى عندما تنجح المنظمات في إدخال القوافل الرسمية المشتركة بين الوكالات، مثل تلك التي دخلت إلى مضايا هذا الأسبوع، إلا أن الأمم المتحدة تقول أن حكومة الأسد تقوم بشكل دوري بأخذ بعض الإمدادات، مثل المعدات الجراحية، على سبيل المثال.

ولكن هناك بدائل غامضة، تلجأ إليها المنظمات في بعض الأحيان مثل أطباء بلا حدود، التي تدعم مركزاً طبياً في مضايا، وتقول أن 28 شخصاً قد لقوا حتفهم جوعاً هناك منذ بداية شهر ديسمبر.

وتوضيحاً لذلك، قال ديباريو من منظمة أطباء بلا حدود: "علينا أن نجد طرقاً، طرقاً سرية، لتقديم المساعدة إلى المستشفيات [في المناطق المحاصرة]"، لكنه رفض الخوض في التفاصيل حتى لا يعرض "هذه الشبكات للخطر".

"ولكن مع تزايد شدة الحصار" تصبح أساليب حرب العصابات هذه "أكثر صعوبة".

هل تصل المساعدات إلى الذين يحتاجون إليها؟

وحتى عندما تصل المساعدات الإنسانية أحياناً، ليس هناك ضمان من أنها ستكون كافية أو أنها ستصل الأشخاص الذين يحتاجون إليها حقاً.

وفي هذا الصدد، تقول فاليري سزيبالا، مديرة معهد سوريا، أن اتفاق الوصول لمرة واحدة مثل ذلك الذي تم التوصل إليه بخصوص مضايا هو أشبه بعملية ترقيع.

وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "حتى إذا دخلت قافلة المساعدات ... فإنها لن تحتوي أبداً على ما يكفي جميع السكان، وتنفد الإمدادات التي يتم توزيعها في غضون أسبوع أو أسبوعين".

"ولن يعتبر اتفاق [مضايا] منقذاً للأرواح حقاً إذا اقتصر على شحنة مساعدات واحدة فقط ثم يتم ترك الأشخاص المحاصرين في الوضع نفسه، لأن النظام لن يسمح بدخول شحنة مساعدات أخرى الشهر المقبل".

وتسري شائعات بأن الجماعات المسلحة قد تستولي على مثل هذه المعونات بسهولة.

وهذه شكوى مدينة دير الزور الشرقية، حيث تدور معارك بين الموالين لتنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية والموالين لنظام بشار الأسد منذ عام. يوجد هناك قرابة 180,000 مدني تحت الحصار، يحيط بهم تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية ولا تسمح حكومة الرئيس الأسد بوصول المعونة إليهم أيضاً.
وقال جلال الحمد، مدير مرصد العدالة من أجل الحياة في دير الزور، وهي منظمة دولية تقدم تقارير عن المدينة، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن المدنيين لم يستفيدوا من المساعدات الأخيرة، التي جاءت عن طريق أحد المطارات الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وقال أن الكثير من المواد الغذائية قد وجدت طريقها إلى السوق السوداء، حيث أجبر المدنيون على شرائها بأسعار مرتفعة، مؤكداً أن "المدنيين المحاصرين لم يحصلوا على أي من المساعدات".

ووصف الحمد الحياة داخل الأحياء المحاصرة للمدينة بأنها مزرية.
وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "تعتمد بعض الأسر على حزمة واحدة فقط من الخبز كل يوم، وآخرون يأكلون العشب الذي ينمو خارج ديارهم. يقومون بغليه ثم أكله".

وفيما يتعلق بالوقود، فإنه إما باهظ الثمن بحيث لا يستطيعون شراءه أو غير موجود بالأساس، ومع دخول فصل الشتاء ارتفعت أسعار الحطب.

"وبالتالي فإنهم يقطعون الأشجار، ويحرقون ملابسهم وأحذيتهم [للتدفئة]".

ويقول الحمد أن مبلغ الرشوة الذي يتعين على الشخص أن يدفعه لكي يتمكن من مغادرة الأراضي الخاضعة لسيطرة الأسد يصل إلى حوالي 1,000 دولار.
وأضاف أن "المدنيين يبيعون بيوتهم وأثاثهم... لجمع المال للمغادرة". ويقوم البعض الآخر بفعل الشيء ذاته لشراء المواد الغذائية، وينامون في ظروف صعبة.

إذاً هل تستحق هذه الاتفاقات كل هذا العناء؟


في ظاهر الأمر، تُعد الاتفاقات الرامية إلى إغاثة المدنيين الذين يتضورون جوعاً في المدن المحاصرة سليمة أخلاقياً وضرورة إنسانية.

مع ذلك، عندما نتعمق قليلاً، تصبح المسألة أكثر إرباكاً. فالاتفاق الذي وقع الأسبوع الماضي بشأن مضايا لم يكن الأول من نوعه، كما أن النمط الآخذ في الظهور يثير قلق بعض المراقبين.

ففي شهر سبتمبر، نجح المفاوضون في تأمين إجلاء الجرحى من المقاتلين الموالين للأسد وأسرهم من الفوعة وكفريا مقابل المقاتلين والمدنيين السُنّة من مدينة الزبداني. 

في الوقت نفسه، كانت قوات الأسد وحزب الله قد شددت من قبضتها بالفعل على قرية مضايا، التي كانت تأوي وقتئذ العديد من سكان الزبداني السابقين، وهكذا جهزوا المسرح للمرحلة المقبلة من مقايضة الحصار المريع الذي بدأ يبدو مثل عملية نقل للسكان الشيعة مقابل السنة.

من جهتها، تقول سزيبالا، من معهد سوريا، أن هذه الاتفاقات الانتقامية تُعد بمثابة مكافأة فعلية للسلوك السيء دون تقديم أي إغاثة طويل الأجل للمدنيين.

"من وجهة نظرنا، الأمر لا يقتصر على مضايا فقط...لدينا نمط ممنهج من الحصار وتجويع المدنيين من قبل الحكومة السورية الذي قبلته الأمم المتحدة ووكالات الإغاصى. سوف تكون هناك مضايا أخرى إذا لم تكن هناك أي عواقب".

أما ديباريو من منظمة أطباء بلا حدود فقد أعرب عن قلقه من أن ما جرى يعتبر سابقة تم فرضها، وهي أن تصبح كل منطقة محاصرة ورقة مساومة، لا تُمنح الإغاثة إلا عندما يتم استغلالها استراتيجياً.

"الأطراف المتحاربة المختلفة ترى أنه كلما استطاعت أخذ السكان رهائن، كان بإمكانها التفاوض والتوصل إلى اتفاق".

وقد شهدت المناطق المحاصرة الأخرى نمطاً مماثلاً. وهناك تقارير عن أن ضاحية المعضمية في دمشق- التي أدرجت من قبل الأمم المتحدة في السابق من بين المناطق المحاصرة ولكن تم رفعها من القائمة في عام 2014 بعد واحدة من عدة هدنات- تتعرض لحصار خانق بشكل متزايد مرة أخرى.

وهذا الأمر يقلق الحمد الذي يرى أن معاناة دير الزور تشبه مضايا تماماً.

"لا شك أن... [تقديم المساعدات] ليس كافياً ... إنه يكسر الحصار لكنه لا يرفعه. سيتم فرض الحصار مرة أخرى، وسينفد الطعام. وسيعود الجوع ومعه تعود المعاناة مرة أخرى".

"نحن ننتظر أحد أمرين: معجزة ترفع الحصار أو الموت".

as/ag-ais/dvh

"