كيفية إنقاذ 150,000 شخص في عرض البحر الأبيض المتوسط

"من فضلك يا سيدي، أرجوك! هذا أمر خطير جداً. محركي تعطل ولدي أطفال ونساء حوامل". جاء هذا النداء اليائس من زورق مطاطي مكتظ بـ112 شخصاً كانوا قد انطلقوا من الساحل الليبي أملاً في الوصول إلى أوروبا.
 
 
يتم استقبال المكالمة على بعد مئات الأميال في الطابق السفلي من أحد مباني روما، وهو مليء بالخرائط والرسوم البيانية والهواتف. من هذا المبنى الحكومي، الذي يقع بين المباني الإدارية الحديثة والعمارة التي تعود إلى عصر الفاشية، يعمل مركز تنسيق الإنقاذ البحري التابع لخفر السواحل الإيطالي. إنها عملية مستمرة طوال العام وقامت بتنسيق أكثر من 930 عملية إنقاذ بحري في عام 2015، وإنقاذ أكثر من 150,000 شخص. لا توجد أيام عطلة، وفي يوم عيد الميلاد، تم انقاذ 751 شخصاً من ستة زوارق مختلفة.
 
وعلى الرغم من نجاح غالبية العمليات، فإن قوارب الإنقاذ لا تصل إلى الجميع في الوقت المناسب. ففي العام الماضي، توفي 3,771 شخصاً أو أصبحوا في عداد المفقودين أثناء محاولة عبور البحر الأبيض المتوسط، 77 بالمائة منهم في وسط البحر المتوسط بين ليبيا وإيطاليا، وهو طريق الهجرة الأكثر دموية في العالم. ويعني استمرار عدم الاستقرار في ليبيا يعني أن هذا البلد غير قادر على تنسيق مهمات البحث والإنقاذ الخاصة به، مما يجعل السلطات الإيطالية مضطرة للتدخل.

 

نداء الاستغاثة

 
ويواجه القائمون على تنسيق الإنقاذ من روما مهمة هائلة. فعادة ما يقوم المهاجرون بالاتصال بمركز العمليات مباشرة، وذلك باستخدام هاتف يعمل بالاقمار الصناعية يوفره لهم المهربون مع إرشادات محدودة حول كيفية استخدامه. وغالباً ما يفتقر المتصلون المصابون بالذعر للمعرفة أو المهارات اللغوية اللازمة لنقل المعلومات الحيوية.
 
ويقول سيرجيو لياردو، الموظف المسؤول عن المركز: "إنهم لا يتكلمون الإنجليزية دائماً. في بعض الأحيان، يتحدثون العربية، ولكن اللغة العربية غير مفهومة بالنسبة لنا". يتحدث أعضاء فريقه الإيطالية والإنجليزية والفرنسية. وقد اعتُبر تدريس اللغة العربية للموظفين مهمة صعبة للغاية بسبب تعدد اللهجات، كما أن العديد من أولئك الذين يأملون في إنقاذهم لديهم لغاتهم الأصلية الأخرى.
 
وعند استقبال مكالمة، يحاول مشغلو الهواتف استخلاص ثلاث معلومات رئيسية: موقع القارب كما يوفره الهاتف الذي يعمل بالأقمار الصناعية؛ وما إذا كان هناك أشخاص على متن القارب بحاجة ماسة إلى المساعدة، مثل المرض الشديد أو الحمل في المرحلة المتأخرة؛ ونوع وحالة القارب الذي يستخدمونه. ويمكن أن يتطلب الأمر أكثر من مكالمة هاتفية واحدة لتحديد موقع القارب، وبعد ذلك يتم وضع علامة "X" حمراء على خريطة تفاعلية وتبدأ مهمة الانقاذ.
 

جهد جماعي

 
وعلى الرغم من أن خفر السواحل الإيطالي يتولى تنسيق عملية الإنقاذ، إلا أن العديد من الوكالات الأخرى تشارك فيها. ويمكن أيضاً رؤية سفنهم على الخريطة البحرية، ومن بينها السفن التابعة لوكالة الحدود في الاتحاد الأوروبي، فرونتكس، والسفن التجارية المارة عبر البحر الأبيض المتوسط. كما تدير المنظمات الإنسانية، مثل المنظمة الخيرية الطبية أطباء بلا حدود ومحطة المساعدة البحرية للمهاجرين (MOAS) التي تتخذ من مالطا مقراً لها، سفن إنقاذ يمكن اللجوء إليها، على الرغم من أن منظمة أطباء بلا حدود قد أنهت الآن عملياتها في منطقة البحر الأبيض المتوسط بعد ثمانية أشهر من العمل في عرض البحر.
 
وتجدر الإشارة إلى أن إطلاق عملية منظمة أطباء بلا حدود في البحر الأبيض المتوسط العام الماضي نقل المنظمة إلى مجالات غير مألوفة، كما يقول سيباستيان شتاين، منسق الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود.
 
وأضاف في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إنه بالتأكيد شيء جديد بالنسبة لنا أن نعمل بهذا الشكل الوثيق مع جهات حكومية. لقد كان تعاوننا مع مركز تنسيق الإنقاذ جيداً جداً".
 
وقد اجتمعت محطة المساعدة البحرية للمهاجرين مع مركز روما قبل إبحار سفينة الإنقاذ للمرة الأولى في عام 2014. "أخبرونا عن المكان الذي ستكون لنا فيه أكبر قيمة،" كما أوضح مدير محطة المساعدة البحرية للمهاجرين "مارتن سويرب، مضيفاً: "نحن تحت تصرف مركز التنسيق في روما، وهم يعرفون مكاننا بدقة طوال الوقت".
 
ترسل قوات خفر السواحل الإيطالية سفنها الخاصة لتنفيذ عمليات الإنقاذ، ولكن يمكن استدعاء السفن الأخرى الأقرب والتي تمتلك القدرات اللازمة، عندما يكون ذلك ممكناً.
 
"الهدف هو أن نصل في أقصر وقت ممكن وأن نتدخل بطريقة مفيدة لإنقاذ المهاجرين،" كما أوضح لياردو.
 
وتستخدم محطة المساعدة البحرية للمهاجرين طائرة بدون طيار للكشف عن قوارب المهاجرين المعرضة للمحن، لكنها تفتقر إلى المعلومات الكاملة عن أي سفن في المنطقة قد تكون هي الأقدر على المساعدة. وأضاف سويرب أن "الكيان الذي يمتلك الصورة الكاملة هو مركز التنسيق في روما".
 

من الذي يتعين إنقاذه أولاً؟

 
نظراً لوجود المئات - إن لم يكن الآلاف - من الناس الذين يحتاجون إلى إنقاذ في وقت واحد في كثير من الحالات، يجب على مركز روما اختيار الأشخاص الذين يتعين إنقاذهم أولاً. وفي هذا الشأن، قال لياردو: "تُعطى الأولوية بشكل عام للقوارب المطاطية، لأنها وسلة نقل أقل استقراراً من القوارب (الأكبر)، ولكن إذا اتصل بنا مهاجر، أو أي شخص آخر، وأخبرنا أن المياه تتدفق إلى قاربه، فمن الواضح أن الأولوية تُعطى لهذا النوع من الإنقاذ".
 
وخلال عام 2015، استخدم المهربون قوارب مطاطية بشكل متزايد بدلاً من قوارب الصيد الخشبية، التي عادة ما تكون أكثر متانة وتحمل أعداداً أكبر، ولكنها ليست متوفرة في ليبيا.
 
ويمكن أن تكون لحظة وصول سفينة الإنقاذ إلى قارب المهاجرين هي الأكثر خطورة في العملية إذا لم تتم إدارتها بحرص. إذا تحرك الركاب بسرعة إلى أحد جانبي قارب ينقل حمولة زائدة، يمكن أن ينتج عن ذلك انقلاب القارب وغرق الناس قبل سحبهم من الماء. في الغالبية العظمى من الحالات، يتم نقل الناس بأمان إلى قارب الإنقاذ. ومن ثم، قد يتم نقلهم على متن سفينة أكبر قادرة على حمل مئات الأشخاص من عمليات إنقاذ مختلفة لإنزالهم في ميناء إيطالي، وعادة ما يكون ذلك في صقلية.
 
يستجيب مركز روما لكافة المكالمات التي يتلقاها - ما يقرب من 27 مكالمة يومياً - ويخطط أعداد الموظفين على أساس تقارير الطقس التي تساعدهم على التنبؤ بعدد القوارب التي ستحاول عبور البحر في يوم معين.
 
على الرغم من أن عدد القوارب التي تغادر ليبيا يقل بشكل عام خلال فصل الشتاء، فقد تم إنقاذ أكثر من 4,600 شخص في ثلاثة أيام فقط في شهر ديسمبر. وأفاد لياردو أن الصعوبات المرتبطة بعمليات الإنقاذ في فصل الشتاء تجعلها أكثر صعوبة من العمليات الصيفية، حتى باستخدام السفينة المتخصصة التي يستخدمها خفر السواحل في البحر الهائج.
 
"في فصل الشتاء، يجب التدخل بأسرع وقت ممكن لمجموعة من الأسباب، مثل درجة الحرارة الخارجية،" كما أوضح.
 

بذل المزيد من الجهود

 
تحول الاهتمام الدولي من إيطاليا إلى اليونان في عام 2015 لأن الطريق البحري من تركيا تفوق على طريق وسط البحر الأبيض المتوسط في شعبيته، ولكن عشرات المهاجرين لا زالوا يستخدمون الطريق الأكثر خطورة من ليبيا كل يوم، ومن المرجح أن يواصل فريق لياردو لعب دور حيوي في عام 2016.
 
وتمتلك إيطاليا خبرة أكبر بكثير من اليونان في مجال إنقاذ المهاجرين، وقد نسقت البحرية الإيطالية بالفعل إنقاذ 170,000 شخص في عام 2014 من خلال عملية الطوارئ المسماة "بحرنا" والتي استخدمت سفناً وطائرات تابعة للبحرية للقيام بدوريات في البحر الأبيض المتوسط، ويمكنهم أن ينقذوا مئات المهاجرين في كل مرة. ولكن هذه المهمة أُلغيت في أواخر عام 2014 لأن تكلفتها تبلغ 9 ملايين يورو شهرياً والحكومة الإيطالية ليست مستعدة لتحمل هذه التكلفة بمفردها.
 
وأشار شتاين من منظمة أطباء بلا حدود إلى استمرار الحاجة لتنفيذ عملية بحث وإنقاذ مخصصة بدعم من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن فرونتكس تدير العمليات البحرية، فإن اهتمامها الرئيسي ينصب على السيطرة على الحدود وليس إنقاذ الأرواح.
 
ولا يزال مركز التنسيق في روما يتلقى تمويلاً من الحكومة الإيطالية، ووفقاً للياردو، يستقبل مكالمات حتى من بحر إيجه: "إن التحدي الأكبر هو أن نكون على أهبة الاستعداد - ونحن نفعل ذلك، ونواصل عمل ذلك ودائماً ما نسعى إلى تحسين أدائنا، لأن هذا هو الهدف الأساسي".
 
rs/ks/ag-ais/dvh