لا مكان أفضل من الوطن

بول كوريون

بول كوريون هو كاتب عمود في إيرين واستشاري مستقل للمنظمات الإنسانية عمل في السابق في الاستجابات الإنسانية في كوسوفو وأفغانستان والعراق وتسونامي المحيط الهندي

منذ حوالي 2,400 سنة، راودت أفلاطون رؤية للجمهورية، وهي المثال الأول لانبهارنا بفكرة أننا لو استطعنا بناء مجتمع جديد من نقطة الصفر، يمكننا أن نتجنب كل تلك العيوب التي تمنع مجتمعنا الفعلي من تحقيق الكمال.

 

في الممارسة العملية، ما يعنيه هذا حقاً هو إخراج البشر من المعادلة، وهذه لن تكون مشكلة في جمهورية أفلاطون، لأن لا أحد في كامل قواه العقلية يريد أن يعيش هناك على أي حال - إنها في الأساس هوغوورتس (مدرسة السحر في قصص هاري بوتر) كدولة شمولية، ويسيطر على دمبلدور (مدير المدرسة) هاجس علم تحسين النسل بدلاً من السحر.

كان أفلاطون يعتقد أن هذا ثمن قليل مقابل الحصول على مدينة عادلة يحكمها الملوك الفلاسفة، الذين ينبهرون بالفكرة بنفس القدر، لاسيما أن عدداً قليلاً من اللاجئين يطرق أبواب أوروبا.

لقد أصبح الأغنياء على استعداد لتجربة أي شيء (باستثناء السماح للنازحين بالدخول بطبيعة الحال) بعد أن أدركوا أن الإطار الحالي للتصدي للعدد القياسي من النازحين في جميع أنحاء العالم كارثي.

إن إحدى الأفكار ذات الشعبية المتزايدة هي أننا قد نستطيع ضرب عصفورين بحجر واحد: إعطاء اللاجئين مكاناً يعيشون فيه وإحياء المناطق التي توشك على الموت في أوروبا. وعلى حد قول آن ماري سلوتر، المدير التنفيذي للمؤسسة البحثية نيو أميركا، "يمكن الترحيب باللاجئين ليس فقط في المخيمات، بل في مدن النموذج الأولي (proto-cities)، حيث يمكن 'للمجتمع الدولي' ... أن يشجع الأمل في الحصول على حياة مختلفة وأكثر أمناً عن طريق رعاية بذور المعرفة الإيجابية ورأس المال والحكم الذاتي الليبرالي".

تستشهد سلوتر بالملياردير المصري نجيب ساويرس، الذي يسعى حالياً لشراء جزيرة يونانية يمكن للاجئين أن يؤسسوا فيها مجتمعاً جديداً. ثم هناك "أمة اللاجئين" التي اقترحها المطور العقاري الأمريكي جيسون بوزي، الذي يريدك أن تعرف أنه أنفق الكثير من ماله الخاص على إنشاء موقع تمويل جماعي (بدلاً من الحديث مع اللاجئين، على سبيل المثال). ومن الجدير بالذكر أنه دائماً ما يتم طرح هذه الخطط من قبل الأشخاص الواسعي الثراء، وليس من قبل النازحين أنفسهم.

ولكن الأكثر إثارة للقلق هو أن كيليان كلاينشميت - أحد مسوؤلي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمدير السابق لمخيم الزعتري في الأردن - قد طرح نهجاً مماثلاً. وقال في مقابلة أجريت معه مؤخراً: "توجد أماكن كثيرة في أوروبا مهجورة تماماً لأن الناس انتقلوا إلى أماكن أخرى. يمكن وضع سكان جدد هناك، وإنشاء فرص للتطوير والتجارة والعمل. يمكنك اعتبارها مناطق تنمية خاصة تُستخدم في الواقع بمثابة محفز لمنطقة ما، وإلا فإنها ستظل مهملة وفقيرة".

وتجدر الإشارة إلى أن كل مخططات إعادة التوطين هذه تخاطر بإعادة تجربة مخيم اللاجئين على نطاق أوسع، مثل المحميات الطبيعية التي يتجول بداخلها المهاجرون الطلقاء في بيئتهم الطبيعية. أنا أعيش في منطقة البلقان، والمناطق التي يصفها كلاينشميت بأنها "فقيرة ومهملة"، نسميها نحن "بلداناً" - وكانت النتيجة أن مواطني منطقة البلقان مثلوا 12 بالمائة من إجمالي عدد طلبات اللجوء المقدمة إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2012. وإذا لم نتمكن من إقناع مواطنينا بالبقاء في القرى الفقيرة، فلماذا نظن أن اللاجئين سيهتمون بالاستقرار هناك؟

هذه الفكرة ليست من دون جدوى على الإطلاق، كما أشار خبيرا شؤون اللاجئين ألكسندر بيتس وروبين كوهين. وتلقى الفكرة مزيداً من الدعم من الخبير الاقتصادي بول رومر، الذي دأب على مدى سنوات على تعزيز فكرة مماثلة هي إقامة مدن الامتياز (Charter Cities) - وهي مدن جديدة من شأنها أن "تسمح للمجتمعات بتجربة قواعد جديدة". وللأسف، فإن المحاولة الحقيقية الوحيدة لتنفيذ مدينة امتياز تعثرت عندما قضت المحكمة العليا في هندوراس أنها غير دستورية، وانسحب رومر عندما أدرك أن المشروع كان "يحاول خلق نظام يؤسس لنوع من الأرستقراطية التي لن تخضع أبداً لرقابة المنتخبين المحليين".

إنه نظام سياسي غير دستوري مختطف بسهولة من قبل النخبة. إنه مشروع معاد للديمقراطية بطبيعته، تماماً مثل جمهورية أفلاطون. لقد أجاد كلاينشميت في عمله كمدير لمخيم الزعتري، الذي نما على مدى ثلاث سنوات ليصبح عاشر أكبر مستوطنة في الأردن، لكن الأمر الكاشف أنه نصّب نفسه عمدة غير منتخب على الإطلاق لمخيم الزعتري. لقد كان يعبر عن نقطة بلاغية، لكنها من قبيل الصدفة كشفت عن الطبيعة الحقيقية لمخيمات اللاجئين كدكتاتوريات حميدة.

وقد اتخذ كلاينشميت قراراً ذكياً بشكل خاص عندما استدعى خبرة مخططي المدن في هولندا. لقد بدأ المجتمع الإنساني أخيراً يدرك أن مخيمات اللاجئين كلما زادت في الحجم، تصبح مدناً افتراضية تتطلب نفس نوع الإدارة اللازم في أي حيز حضري آخر. وحتى لو نجحت في بناء مخيم لاجئين يتصف بالكمال، ستظل هناك مشكلة صغيرة واحدة: "لا أحد يحب المعيشة هناك". لا يعيش معظم اللاجئين في المخيمات، بل يعيشون بين المجتمعات المضيفة في المناطق الحضرية؛ وبالمثل، فإن المهاجرين يبحثون عن الفرص الاقتصادية وسط الأضواء الساطعة في المدن الكبيرة.

وما نراها على أنها مشاكل الهجرة هي في الواقع مشاكل التمدين - ونحن لا نزال بعيدين كثيراً عن حل تلك المشاكل. ومثال على ذلك لم تلق محاولات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتوليد المزيد من الدعم للمجتمعات المضيفة في تركيا والأردن ولبنان "حماساً، حتى بين البلدان التي تضخ الأموال في نظام المخيمات". من الواضح أن الاهتمام بحلول السجل النظيف – سواء كانت مخيمات لاجئين أو مدن امتياز - هو مجرد جزء من جهد أوسع لتجنب الواقع السياسي لحركة السكان، سواء كانت طوعية أو قسرية.

لقد تمكنت من كتابة هذا العمود بأكمله دون استخدام الكلمة التي تصف كل هذه المخططات المختلفة: "خيالية" لأنها منسوبة إلى اليوتوبيا. تأتي كلمة يوتوبيا بالطبع من عنوان كتاب توماس مور الذي صدر في عام 1516 وهي تعني "لا مكان" في اللغة اليونانية القديمة. ما كان هذا ليفاجئ أفلاطون: وربما كما كان المقصود من جمهوريته نفسها، من الأفضل ترك هذه المخططات لتحسين حالة البشر كتجارب فكرية.

 

pc/ks/ag-ais/dvh