هامبورغ/إربد، 20 أبريل 2017

يتوقف علي وعبد الرحمن، وهما أبناء عمومه من سوريا يبلغ عمرهما 15 عاماً، في إحدى نزهاتهما المعتادة في عطلة نهاية الأسبوع على طريق بوسط هامبورغ، لالتقاط صور سلفي معاً أمام قناة ألستر، إحدى الأماكن المفضلة بالنسبة لهما في المدينة الألمانية.

 

 

تعتبر هذه النزهات، سيراً على الأقدام، جزءاً من عادات جديدة عودا نفسيهما عليها منذ وصولهما إلى هنا وهما في عمر 12 عاماً في سبتمبر عام 2014. صور السلفي التي التقطاها ليست مجرد أحد ملامح المراهقة، ذلك أن علي وعبد الرحمن هما من بين عشرات الآلاف من الأطفال اللاجئين غير المصحوبين بذويهم في أوروبا، الذين يعتمدون على الصور، وتطبيقات المراسلة، ومكالمات الفيديو لتجسير الفجوة وتقليص المسافة التي تفصلهم عن أسرهم.

وتزداد هذه المسافات الفاصلة بين هؤلاء الأطفال وذويهم طولاً مع قيام كثير من دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ألمانيا، باتباع نهج تقييدي بشكل متنام في حق اللاجئين، الذي يضمنه القانون الدولي والاتحاد الأوروبي، في لم شملهم مع أسرهم المباشرة. وأصبحت هذه السياسات تؤثر بشكل عميق على اللاجئين، الذين تحثهم على الاندماج من دون دعم أحبائهم وعلى أفراد أسرهم الذين يكافحون للتكيف مع حالات الانفصال المطولة عن الأطفال والأزواج.

فرّ علي وعبد الرحمن وأسرتيهما من أعمال العنف في درعا، مسقط رأسهم في سوريا، واتجهوا إلى الأردن في عام 2012. ولكن بعد قضاء عامين في مدينة إربد في شمال الأردن، أصبحت حياتهم أكثر بؤساً. عمل والد عبد الرحمن، محمد، بشكل غير قانوني في مرآب للسيارات لدعم المعونة الشهرية التي تحصل عليها للأسرة. وبدأت شقيقته سارة، البالغة من العمر 10 سنوات، الأكبر بين ثلاث فتيات وبين ولدين، في التعثر في دراستها وأصبحت في حاجة إلى دروس إضافية، وهو ما لا تقدر الأسرة على تحمله.

قدمت أوروبا الأمل في مستقبل أكثر إشراقاً للأطفال، ولكن تكاليف الرحلة ومخاطرها جعلت إمكانية سفر الأسرة كلها أمراً مستبعداً. عرف أبناء العمومة صبية آخرين انطلقوا كمندوبين لأسرهم، أقاموا حياتهم في أوروبا، ثم ساعدوا والديهم وإخوانهم وأخواتهم على الانضمام إليهم في وقت لاحق. ونظراً لأن عبد الرحمن هو الابن الأكبر وهو طالب متفوق، فقد كان من الطبيعي اختياره للقيام بهذه المهمة. انطلق عبد الرحمن وعلي وأثنان من أبناء العمومة الآخرين من الأردن مع مجموعة أخرى من السوريين في أغسطس 2014. سافروا بالطائرة إلى الجزائر ثم قادهم أحد المهربين، الذي تخلى عنهم في وقت لاحق، إلى تونس. اضطر محمد لبيع مجوهرات زوجته أمل لتمويل ما تبقى من رحلة الأولاد إلى ليبيا، ثم عبر البحر الأبيض المتوسط. تبلغ تكلفة الرحلة 2,500 دولار لكل صبي، وهو مبلغ كبير جداً بالنسبة لعائلة تعيش على ما يزيد قليلاً عن 250 دولاراً في الشهر.

تحول في السياسة

وعقب ثلاث سنوات تقريباً، أصبح عبد الرحمن يجيد اللغة الألمانية ومن أشد المعجبين بالمغني الشهير جاستن بيبر. والتحق مؤخراً بمدرسة ثانوية ألمانية لمواصلة طموحاته الأكاديمية. أما ابن عمه علي، الأكثر تحفظاً، فهو مفتون بكرة القدم.

مع ذلك، لا يزال من الصعب رؤية آبائهم مرة أخرى. وإذا كان عام 2015 هو عام Willkommenskultur بالألمانية أو ثقافة الترحيب باللاجئين والمهاجرين في ألمانيا، فإن عام 2016 كان عام تشديد المواقف السياسية تجاههم. فقد شرع المكتب الاتحادي للهجرة وشؤون اللاجئين (BAMF) في إصدار الحماية الفرعية بدلاً من صفة اللاجئ الكاملة لكثير من طالبي اللجوء. وتأتي الحماية الفرعية مع تصريح إقامة لمدة سنة واحدة بدلاً من الثلاث سنوات التي تُمنح لمن يحملون صفة لاجئ، وابتداء من مارس عام 2016، أصبح لا يحق لهم لم شمل الأسرة لمدة سنتين.

ألمانيا ليست وحدها في هذا التحول

وفي هذا الصدد، أوضح مينوس موزوراكيس، من المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين، الذي يتخذ من بروكسل مقراً له، أن "هناك اتجاهاً عاماً عبر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لجعل جمع شمل الأسرة أكثر صعوبة، وذلك من خلال تخفيض مستوى الحقوق الممنوحة لأصحاب الحماية الفرعية بالمقارنة مع تلك التي يتمتع بها من يحملون صفة اللاجئ. ونظراً لأن الحماية الفرعية أقل تنظيماً عن صفة اللاجئ بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، فإنها تتيح للدول مرونة أكبر في تقييد الحقوق المرتبطة بها".

وتم تطبيق تدابير مماثلة في دول أخرى منها السويد والدانمارك وفنلندا. وفي المملكة المتحدة، لا يحق للقصر غير المصحوبين بذويهم ممن يحملون صفة اللاجئ تقديم طلب لانضمام أفراد الأسرة إليهم. وقد رفضت الحكومة دعوات من جانب دعاة حقوق الإنسان لتغيير ذلك القانون، معتبرة أن من شأنه أن يخلق "حوافز ضارة" لقدوم مزيد من الأطفال غير المصحوبين إلى الدولة. وأشار موزوراكيس إلى أن التغيرات في حقوق لم شمل الأسرة في حالة ألمانيا، قد اقترنت بزيادة حادة في استخدام الحماية الفرعية التي أثرت على السوريين خاصة. فقد حصل أقل من واحد بالمائة من السوريين على الحماية الفرعية في عام 2015، مقارنة بـ42 بالمائة في السنة التالية.

استوعب عبد الرحمن وعلي المصطلحات القانونية التي تشرح حالتهما. تلقى علي قبل خمسة أشهر رسالة تقول أن بإمكانه البقاء لمدة سنة (بموجب الحماية الفرعية)، أما عبدالرحمن فلا يزال ينتظر قراراً بشأن حالته. تعني التغييرات المعقدة لنظام اللجوء في ألمانيا بالنسبة لهما شيئاً واحداً: المزيد من عدم اليقين فيما يتعلق بالوقت الذي يمكنهما فيه رؤية أفراد أسرهم.

عالم آخر

ساره اليزابيث/إيرين
رهف، أم علي، تعرض صورة لابنها في ألمانيا على هاتفها

قالت والدة علي رهف البالغة من العمر 34 عاماً والتي تعيش مع بقية أفراد الأسرة في حوارة، إحدى ضواحي إربد التي تخلو من أي ملامح مميزة: "بعد ثلاث سنوات من الانتظار وعلى أمل إعادة لم شمل الأسرة والانضمام إلى ابننا، اكتشفنا أنه ليس هناك سبيل لذلك الآن". وأضافت: "ما زالنا نأمل أن يتمكن ابننا من الحصول على إقامة أفضل في المرة القادمة تتيح لم شمل الأسرة".

أما والد عبد الرحمن، محمد، وشقيق زوج رهف، فهو أكثر تقبلاً لاحتمال أنهم لن يتمكنوا من الانضمام إلى الصبيين في ألمانيا وأن عبد الرحمن وعلي سوف ينشآن من دون الأسرة، حيث قال: "ليس لدينا وطن الآن، لذا نريد أن يكون لدى ابننا وطن جيد".

وليس لدى محمد وزوجته، أمل، اللذين يعتبران من المسلمين السُنّة المتدينين القادمين من بيئات محافظة، سوى القليل من المعرفة بالثقافة المختلفة التي يتعرض لها ابنهما في هذه المرحلة التكوينية من حياته.

وتعليقاً على هذا، قالت أمل: "لا أحد سيدفع ابني لتغيير دينه أو تغيير ثقافته ... لقد أعطاني فكرة عن شكل الحياة في ألمانيا. قال لي أن الحياة لطيفة، وأن الجميع يشجعون التعليم، هذا هو كل ما أريد أن أعرفه". 

وتحلم أمل أن يدرس عبد الرحمن بجد ليصبح طبيباً، لكنها تخاف، في ظل عدم وجود أي شخص يشرف عليه، أن يفقد تركيزه الأكاديمي وينقطع عن الدراسة. 

ساره اليزابيث ويليامز/إيرين
أمل تحمل صورة حديثة لعبد الرحمن في ألمانيا على هاتفها

يبدو عبد الرحمن مدركاً أن التعليم هو مفتاحه للاستفادة من الفرص المستقبلية في ألمانيا. وتوضيحاً لذلك، قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "في درعا، كان الذهاب إلى المدرسة يشكل خطراً بالغاً، وفي الأردن لم نستطع تحمل المصاريف... هنا، لا دماء ولا حرب. أتجول بحرية وأتعلم أشياء في علم الأحياء مثل كيف تعمل العين".

لكن بعد ساعات الدوام المدرسي، قد يشعر الصبيان بالوحدة خلال ساعات المساء وعطلات نهاية الأسبوع. ذلك أنهما يعيشان بشكل منفصل في بيوت مشتركة تديرها الهيئات الاجتماعية للشباب، ومعظمهم من القصر غير المصحوبين بذويهم. ومن ثم، فإنهما يفتقدان لدفء منزل الأسرة مثل المطبخ الذي لا يغلق أبوابه في الليل، والحصول على مساعدة أمهاتهم في الواجبات المنزلية.

وقال عبد الرحمن "من الصعب جداً أن تعيش من دون أن تكون أمك معك ... في بعض الأحيان عندما أكون وحدي، أشعر بالخواء الداخلي".

من جانبها، تقول منظمات اللاجئين أن فصل اللاجئين عن أسرهم يؤثر على قدرتهم، لاسيما الضعفاء من القصر غير المصحوبين بذويهم، على الاندماج في البلدان المضيفة لهم. ويرى موزوراكيس أن "مسألة لم شمل الأسر تعكس المفارقة التي يعيشها اللاجئون ... فمن ناحية، هناك خطوات صعبة يجب عليك القيام بها من أجل الوصول إلى أوروبا، ومن ناحية أخرى، تجد الاندماج كلمة طنانة عبر القارة. نحن نحاول فعل المستحيل. كيف يمكن للقصر غير المصحوبين بذويهم أن يندمجوا عندما يكون آباؤهم وإخوتهم بعيدين عنهم؟"

فهم النظام

كشف تقرير حديث، بعنوان "الأسر المنفصلة: من يمكث، ومن يذهب، ولماذا؟"، أن الأسر تتخذ قراراً بإرسال أحد أفراد الأسرة إلى أوروبا عبر طرق الهجرة غير النظامية كاستراتيجية أخيرة للتأقلم. وغالباً ما يقللون من تقدير الوقت المستغرق حتى يحصل ابناؤهم على اللجوء ولم شمل الأسرة، خاصة وأن دول الاتحاد الأوروبي تنفذ سياسات أكثر تقييداً من أي وقت مضى.

وقالت الباحثة ميغان باسي، أحد معدي التقرير، الذي أجرته مبادرة "ريتش" لصالح مبادرة منصة الهجرة المختلطة"، مبادرة من مجموعة منظمات مشتركة: "لقد اكتشفنا أن وعي الناس بالسياسات التي تؤثر على الهجرة – مثل من هو المؤهل لجمع شمل الأسرة – مرتفعة نسبياً، إلا أن فهمهم لكيفية تنفيذ هذه السياسات على أرض الواقع كان أقل بكثير".

وكشفت الدراسة، التي شملت 90 أسرة سورية وأفغانية وعراقية، تُركت في خمس دول، أنه في الحالات التي يذهب فيها المُعيل الرئيسي للأسرة إلى أوروبا، أو تلك التي يتم فيها بيع الأصول التي تمتلكها الأسرة لتمويل الرحلة، غالباً ما يواجه أفراد الأسرة الباقون مصاعب مالية بالإضافة إلى الآثار النفسية الناجمة عن البُعد المطول عن أحبائهم.

وذكر معدو الدراسة أن "العمليات المطولة لتحديد صفة اللجوء ولم شمل الأسرة قد جعلت حياة الناس معلقة، في دول الوصول والعودة إلى الوطن على حد سواء".

ولكن غالبا ما تأتي فرصة لم الشمل بمشكلاتها الخاصة. وفي هذا الصدد، قال كريم الواسطي، من مجموعة "برو اسيل" لحقوق الإنسان في ألمانيا: "أحد التحديات الكثيرة التي قمنا بتوثيقها منذ العام الماضي هي أن' الأسرة بالنسبة 'للقصر غير المصحوبين بذويهم في ألمانيا، تعني الآباء، ومن ثم يقع الأخوة والأخوات خارج نطاق التعريف". وأضاف: "لقد شهدنا في معظم الحالات التي منح فيها الوالدين فرصة لم شمل الأسرة، كان عليهم أن يتركوا أطفالهم الآخرين خلفهم. ونحن نعتبر ذلك جزءاً من محاولة الحد من جمع شمل الأسرة وإبقاء أفراد الأسر بعيدين عن بعضهم البعض".

ويبدو أن والدي علي وعبد الرحمن غير مدركين تماماً أنهما سوف يضطران للقيام بهذا الاختيار إذا أصبح أحد أبنائهما مؤهلا ًللحصول على فرصة لم شمل الأسرة.

وختاماً تقول أمل: "لديّ شعور بأننا سنكون في ألمانيا قريباً".

(الصورة الرئيسية: عبد الرحمن (يمين) وعلي (يسار)، أبناء عمومه عمرهما 15 سنة من سوريا، سافرا إلى ألمانيا كقصر غير مصحوبين بذويهم منذ ثلاث سنوات. ولا تزال أسرهم في الأردن. هولي يونج/إيرين)

sew-hy/ks/ag-kab/dvh