أوجه القصور في الحلول التكنو-مثالية لأزمة اللاجئين السوريين

في أحد المنازل الرتيبة المجهزة مسبقاً في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن، تجلس مجموعة من الأطفال السوريين ينظرون بإعجاب إلى أجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية الجديدة وهم يكتبون بعض الكلمات. وفي ركن آخر، هناك مجموعة من الفتيان، كثير منهم يرتدون ملابس مهترئة، يشاهدون الرسوم المتحركة التي قاموا بتنزيلها من شبكة الإنترنت.

وتعليقاً على هذا، قال باتريك ويل، رئيس منظمة "مكتبات بلا حدود": "لا نريد جيلاً ضائعاً بعد الآخر". فقد تبرعت منظمته بمركز الوسائط المتعددة المحمول، المزود بأدوات التعلم، وذلك بدعم مالي من مؤسسة أليكس سوروس.

يحتوي "صندوق الأفكار"، الذي صممه الفرنسي فيليب ستارك بشكل رائع، على أجهزة لوحية وأجهزة كمبيوتر محمولة متصلة بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وجهاز عرض أفلام، وكراسي، ومناضد، ودمى وألعاب. ويوجد معلمون يشرفون على الفتيان والفتيات لتيسير النقاش وحث الأطفال على الانضمام.

وتعد مشروعات المعونة التي تركز على التكنولوجيا مثل هذا المشروع استجابة للصراع الدائر بلا توقف منذ ست سنوات في سوريا، الذي دفع أكثر من 5 ملايين سوري إلى اللجوء إلى الدول المجاورة كالأردن ولبنان وتركيا.

وفي الأردن وحده، الذي يستضيف أكثر من 655,000 لاجئ سوري مسجل، يتم تدشين مجموعة مذهلة من المشروعات التي تركز على التكنولوجيا للاجئين، وذلك بدعم من فاعلي الخير والخبراء في هذا المجال. تهدف إحدى هذه المبادرات، التي يُطلق عليها اسم "قبائل التكنولوجيا" أو Tech Tribes إلى توفير مساحة تعلم تدعمها التكنولوجيا للمرأة السورية والأردنية، فيما تهدف مبادرة أخرى إلى تطوير تطبيقات على الأجهزة المحمولة لمساعدة اللاجئين ذوي الإعاقة العقلية.

وبينما يقول دُعاة هذا النهج أنهم يطرحون حلولاً قيّمة على الطاولة، يصف بعض الخبراء الأكثر دراية بالسياقات المحلية مثل هذه البرامج بأنها مجرد حلول مؤقتة ومُكلفة وتفرز نتائج مختلطة.

وفي هذا الإطار، قال سامي حوراني، مؤسس موقع فرصة For9a.com على شبكة الإنترنت الذي يقوم بتجميع فرص التعليم والعمل للشباب في المنطقة: "من الصعب قياس هذه المشاريع ومن الصعب تقييمها".

وأوضح حوراني أن هناك حاجة لمبادرات طويلة الأجل ومستدامة تقوم على أساس أبحاث مفصلة حول احتياجات التعليم والعمل للاجئين. وأضاف أن البرامج المصممة دون مراعاة هذا النوع من الدعم التجريبي غالباً ما تكون عشوائية ومبددة للموارد.

تغطية الاحتياجات الأساسية

ووفقاً لمنظمة "مكتبات بلا حدود"، يُعد "صندوق الأفكار" وسيلة للاجئين الشباب لتعلم المهارات وإكمال دورات دراسية بالمراسلة أو التدريب عبر الإنترنت. مع ذلك، فإن العديد من الشباب في مخيم الزعتري تركوا الدراسة منذ فترة طويلة ويعملون للمساعدة في إعالة أسرهم. لذا، فإنهم يجدون قضاء ساعات طويلة في استخدام "صندوق الأفكار" أمراً صعباً وغير منطقي.

من جهتها، شددت أماندا لين، المدير التنفيذي لمشروع الإصلاح العرضي (CRP)، وهو مشروع خيري شعبي يعمل في أحد الأحياء الأكثر فقراً في عمّان، على أهمية أن يكون العطاء مناسباً للاحتياجات. وهذا يبدأ، بحسب رأيها، بمعرفة ما يحتاجه المجتمع فعلاً. وضربت المثال بصندوق أدوات تكنولوجية يُطلق عليه اسم رسبري باي أو Raspberry Pi computers الذي تبرعت به إحدى المؤسسات مؤخراً إلى منظمتها بهدف مساعدة الأطفال الذين تعمل معهم على تعلم البرمجة.

وتعليقاً على ذلك، تساءلت بنبرة من الاستغراب: "برمجة؟ "إن أطفالنا لا يعرفون حتى القراءة والكتابة ... لا شك أن مهارات تكنولوجيا المعلومات مفيدة ولا بد أن هناك أشخاصاً يمكنهم الاستفادة منها، ولكن الغالبية العظمى يحتاجون إلى المهارات الأساسية".

والجدير بالذكر أن معظم السوريين الذين يعيشون في الأردن ولبنان وتركيا، بعد سنوات في المنفى، لا يملكون سوى القليل من الموارد المتبقية ولديهم حقوق مقيدة للعمل، في الوقت الذي غالباً ما يكون أطفالهم قد تركوا المدرسة منذ فترات طويلة تصل إلى خمس سنوات. وتعتقد لين أن احتياجهم الحقيقي ليس الحلول التي تعتمد على التكنولوجيا الفائقة، ولكن التعليم الأساسي والبرامج التي تركز على الصحة. ومن ولذلك تركز على توفير مساحة آمنة لهم وميسرين من ذوي الخبرة والمهنية. وتوضيحاً لذلك، قالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه عندما يأتي الأطفال والكبار لبرامج ما بعد المدرسة التي يوفرها مشروع الإصلاح العرضي، فإن المجموعات النقاشية ودروس اليوغا، تشعرهم بالأمان وأنهم بشر طبيعيون مرة أخرى.

وأضافت لين قائلة: "الناس يأتون إلى هنا، و' ينسون لبعض الوقت، أنهم لاجئون".

ولا تنسى مشاريع التكنولوجيا المكلفة أن تشعر اللاجئين بإنسانيتهم وأنهم أشخاص طبيعيون.

"نحن نعطي اللاجئين الحق في المياه، والمأوى [و] المواد الغذائية، وهو ما يحتاجون إليه في البداية، ولكن بعد ذلك ماذا عن إنسانيتهم؟ "تساءل أليكس سوروس، الذي يمول "صناديق الأفكار" في العديد من البلدان، بما في ذلك أربعة مشروعات في الأردن. "ماذا عن الشيء الذي يشعرنا بأننا بشر: النشاط الثقافي، والتعليم لمن هم في سن التعليم، والحق في أن تُعامل كإنسان؟"

وأضاف: "ربما يستخدم رئيس سوريا في المستقبل، عندما يحل السلام، "صندوق الأفكار" في التعلم وقراءة بعض النظريات السياسية ... ربما هذا هو السيناريو الأفضل الذي يمكننا أن نتطلع إليه".

وفي هذا السياق، اشتركت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مع منظمة" مكتبات بلا حدود" ومؤسسة أليكس سوروس لتوزيع "صندوق الأفكار" على المخيمات في بوروندي وإثيوبيا، فضلاً عن الأردن ولبنان، وتجري بحوثاً لقياس مدى تأثيرها على الأداء الأكاديمي، من بين أمور أخرى.

وفي مقالة تحث على ضرورة قيام شركات التكنولوجيا بالتشاور مع وكالات المعونة عند تصميم تطبيقات ومواقع إلكترونية للاجئين، أشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "صندوق الأفكار" كمثال على "المشروعات التعاونية" التي تعتمد على معرفة الوكالة باحتياجات اللاجئين في سياقات مختلفة.

تفضيل التكنولوجيا على النقود

وتركز المشروعات الشعبية مثل الإصلاح العرضي أيضاً على أهمية توافر القرب الجغرافي والمعرفة المحلية المفصلة عند تصميم مثل هذه البرامج، ذلك أنه كثيراً ما يكون لمشروعات دعم التكنولوجيا عن بُعد قصور في فهم احتياجات الأشخاص الذين تحاول خدمتهم، أو عدم معرفة بكيفية دمجها في السياق الأوسع.

وحتى الآن، لا يزال هناك شعور سائد بأنه ينبغي على أولئك الذين يمتلكون الريادة في مجال التكنولوجيا أن يفعلوا شيئاً وأن يساهموا بشكل ما بثرواتهم وذكائهم في رفع المعاناة عن اللاجئين.

وفي يونيو من العام الماضي، دعا الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما القطاع الخاص في بلاده إلى "التعهد بالتزامات جديدة وكبيرة وقابلة للقياس، يكون لها تأثير دائم على اللاجئين المقيمين في الخطوط الأمامية من أزمة اللاجئين في العالم، وفي بلدان إعادة التوطين". وقد استجابت أكثر من 50 شركة لهذه الدعوة، كثير منها من كبريات شركات التكنولوجيا بما في ذلك فيسبوك وغوغل ومايكروسوفت. وفي حين تعهدت بعض الشركات بتقديم الأموال فغالباً ما تفضل الشركات عرض خبراتها الفنية عبر تطوير "الحلول" التكنولوجية حسب الطلب.

وتعليقاً على ذلك، قالت لين أن "هناك اتجاهاً كبيراً لتقديم المنتجات 'ما فائدة هذا بالنسبة لنا؟' ... شركات التكنولوجيا تعرض المهارات، والحلول الجاهزة أو الهدايا بدلاً من النقود. وهناك الكثير من المشروعات العشوائية، التي تنفذ لمرة واحدة، وليس من السهل التنسيق" بينها.

قطرة في محيط

وغالباً ما تكمن المشكلة، بالنسبة لتلك المشروعات القائمة على التكنولوجيا، التي تحقق نتائج حقيقية، في إمكانية التوسع فيها وتعميمها.

 ريبوتكامب (RBK) هو برنامج لتدريب المهندسين يتم تنفيذه في مجمع الملك حسين للأعمال في عمّان. يقدم البرنامج للمتدربين، قرابة 60 بالمائة منهم من اللاجئين، دورة تدريبية تمتد 18 أسبوعاً، ألف ساعة تدريب على اللغة الإنجليزية وحل المشكلات والبرمجة.

وفي اليوم الذي زارت فيه شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) المقر، كانت المجموعة تقوم بالبرمجة واستعراض بعض المهارات المهمة في التكنولوجيا. قدم اثنان من المتدربين "عروضاً سريعة"- عبارة عن عروض تقديمية قصيرة وشخصية حول القضايا التي تهمهم. تحدثت روئ، وهي فلسطينية، عن عملية جراحية أجريت لها في المعدة وقالت لمجموعة من الحضور أنها لم تكن تعرف قبل شهر، باللغة التي لا تزال تتعلم استخدامها، كيف تصف شعور المرء عندما يتم التهكم والتنمر عليه بسبب وزنه.

وفي الوقت الذي تفرقت فيه المجموعة، تجمع المتحدثون في الخارج حول مستشار للحديث في مجموعة أصغر بينما عادت البقية إلى مهمة جماعية في مجال البرمجة.

ريبوتكامب
طلاب في ريبوتكامب يعملون في مشروع جماعي للبرمجة

وتعليقاً على هذا، قال مؤسس المشروع، هوغ بوسلي: "هذه محادثات حول تحقيق الذات ... نحن نسعى للقضاء على أي عقبة عاطفية تقف في طريق التعلم".

وتجدر الإشارة إلى أنه يوجد لدى الأردن زهاء 32,000 عاطل عن العمل من خريجي كليات ومعاهد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وينضم ما بين 7,000 إلى 8,000 آخرين إلى سوق العمل كل عام. مع ذلك، هناك طلب كبير على مهندسي برمجيات ريبوتكامب، حيث تقوم الشركات الكبرى بحجز مسبق لما بين 200 إلى 300 خريج دفعة واحدة.

وقال بوسلي أن الخريجين الجدد يحصلون على مرتبات تبلغ في المتوسط 1,100 دولار أو أكثر في الشهر مقارنة بمتوسط المرتبات في الأردن الذي يبلغ حولي 350 دولاراً. ويعزو الطلب على توظيف طلابه إلى النهج الشامل الذي يجمع بين المهارات الشخصية والتدرب على إتقان اللغة الإنجليزية مع المواد الهندسية. إضافة إلى هذا، هناك عناصر حيوية تتمثل في توفير المدربين المهرة والمهتمين والمستشارين في الموقع، ووجبات صحيّة ومساحات آمنة ودافئة. ومن ثم، فإن النتائج يمكن أن تغير حياة كلا من الخريجين والأسر التي يدعمونها.

وقالت فاطمة همامي البالغة من العمر 26 عاماً، وهي خريجة ريبوتكامب من حلب وتعمل الآن كمدرسة في البرنامج: "الشيء الأساسي هو الحصول على وظيفة ... أنا الآن مبرمجة حقيقية. كما أنني أقوم بتطوير التطبيقات وأستطيع تصميم المواقع الإلكترونية، وأساعد جميع أفراد عائلتي".

وفي ظل وجود 20 متقدماً لكل شاغر، يمكن لريبوتكامب اختيار أفضل المتقدمين التزاماً وثقة بالنفس. يهدف بوسلي إلى اختيار من يستطيعون بناء توافق في الآراء: الطلاب الذين يستطيعون العمل مع الزملاء من مختلف البلدان والأديان والطوائف ودعمهم.

وتوضيحاً لذلك، قال: "نحن نحاول تطوير البشر إلى الأفضل ...  نعمل على تخريج هذا النوع من الأشخاص الذين يمكنهم العودة إلى بلدانهم الأصلية والمساهمة في إحلال السلام".

"إنه هدف سام لبرنامج يتخرج منه أقل من 50 شخصاً كل أربعة أشهر".

ويرى النقاد أنه بينما أثبت برنامج ريبوتكامب نجاح نموذجه، لكن لكي يحدث فارقاً حقيقياً، يجب أن يكون قادراً على الوصول إلى المزيد من اللاجئين الشباب.

وختاماً، تساءل أحد العاملين في مجال الإغاثة، ممن هم على دراية بالبرنامج: "السؤال الكبير هو: هل هناك قابلية للتوسع في تطبيق هذا النموذج؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهو حل رائع، عالي الجودة، لكنه قد يكون مجرد قطره في محيط".

rfs-sew/ks-kab/dvh