هل تكفي 10 مليارات دولار والإصلاحات السياسية لتحقيق السلام على الحدود الباكستانية المضطربة؟

كان هيبة خان يعلّم تلاميذه تحت سماء مفتوحة، وينظر فوق رؤوس عشرات الطلاب الصغار الجالسين على حصيرة بلاستيكية على الأرض ليرى الجبال تمتد عبر المسافة من بلدة ماموند الباكستانية نحو أفغانستان.

 

 

 مثل أماكن كثيرة في باجور والمناطق القبلية الست الأخرى الخاضعة للإدارة الاتحادية - وهي منطقة شبه مستقلة تقع على الحدود الأفغانية - يوجد نقص في المدارس هنا. وقد ظلت المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية متخلفة منذ عشرات السنين، كما أدت المعارك الأخيرة بين الجيش الباكستاني والمسلحين الإسلاميين إلى تدمير العديد من المدارس وغيرها من المباني.

 لكن خان لا يرحب بخطة الحكومة الجديدة لاجراء اصلاحات سياسية في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية، رغم تعهدها بإنفاق مليار دولار سنوياً على مدار عقد من الزمان لبناء البنية التحتية.

وقال خان الذي كانت لديه لحية قصيرة ويرتدي "شلوار قميز" التقليدي - وهو بنطلون فضفاض مريح وقميص طويل فضفاض: "إن الإصلاحات الأخيرة هي مجرد حديث مضلل ورشوة للشعب القبلي لكي يظل يقاتل المتشددين ويعرض حياته للخطر".

وكرر آخرون شكوكه، مستشهدين بعقود من الوعود الكاذبة التي أطلقتها الحكومة في إسلام أباد بشأن تحسين الظروف في المنطقة الحدودية، التي بلغ عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة خلال التعداد الأخير عام 1998، ويُعتقد أنه يبلغ ضعف هذا العدد الآن.

من ناحية أخرى أكد طارق حياة، الأمين المشارك في وزارة الولايات والمناطق الحدودية، وهي المسؤولة عن تنفيذ الإصلاحات، أن الحكومة جادة في هذه الخطة، وهو الاقتراح الأكثر طموحاً حتى الآن.

وقال خلال حديث في مكتبه في العاصمة الباكستانية إسلام أباد أن "العملية قد بدأت ولا يمكن التراجع عنها الآن".

لحظة محورية

إذا أخفقت الحكومة في التنفيذ، فإنها ستخاطر بعزل الناس في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية في وقت حرج.

وكانت الجماعات الإسلامية المسلحة، مثل القاعدة وحركة طالبان الباكستانية قد طُردت بالفعل إلى حد كبير من المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية بعد ما يقرب من عقد من القتال، لاسيما عملية ضرب الغضب التي بدأت في يونيو 2014 ولا تزال مستمرة. وقد قُتل العديد من المتمردين، لكن آخرين هربوا عبر الحدود التي يسهل اختراقها إلى أفغانستان.

إذا أرادت الحكومة إبعادهم، فإنها ستحتاج إلى كسب ولاء المقيمين في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية. 

وتحقيقاً لهذه الغاية، وافقت حكومة رئيس الوزراء نواز شريف مؤخراً على توصيات بشأن كيفية تحسين إدماج المنطقة، التي كثيراً ما تكون مصحوبة بصفة "غير خاضعة للقانون". وفي مطلع مارس، أعلنت الحكومة عن خطة تقارب 10 مليارات دولار لتطوير المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية وتنفيذ الإصلاحات السياسية والإدارية والقانونية التي من شأنها أن توفر للمواطنين نفس الحقوق الدستورية المطبقة في بقية باكستان.

ومن بين التدابير الأخرى، يعني هذا إلغاء قواعد الجرائم الحدودية، وهو إرث مكروه خلّفه الاستعمار البريطاني يسمح بتطبيق عقوبات جماعية على الجرائم التي يرتكبها أفراد. ولكن البعض يقولون أنه لا حاجة لفترة انتقالية أولية مدتها خمس سنوات حتى يحدث ذلك.

كان مالك أنور ذيب، وهو شيخ قبلي، يسير في باحة منزله الفسيح – الذي يحرسه أكثر من 12 رجلاً مسلحاً في قرية باشات - ويفكر في تلك الخطة. وعن ذلك قال: "كان ينبغي على الحكومة إلغاء قواعد الجرائم الحدودية على الفور عن طريق إجراء تعديل دستوري، إذا كانت جادة في حماية حقوق الانسان للشعب القبلي".

أمير سعيد/إيرين
يعقد مالك أنور ذيب، وهو زعيم قبلي في قرية باشات بمنطقة باجور، اجتماعاً لمناقشة الإصلاحات التي اقترحتها الحكومة في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية

 الفساد والجدل

وثمة جانب أكثر إثارة للجدل في مجموعة الإصلاحات، ألا وهو خطة دمج المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية في إقليم خيبر بختون خوا المجاور.

 وبدلاً من ذلك، يفضل بعض البشتون، وهم أكبر جماعة عرقية في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية، العيش في "بشتونستان" موحدة تضم أيضاً أجزاءً من أفغانستان. وفي الواقع، يرفض العديد من البشتون في كلا البلدين وجود الحدود، المعروفة باسم "خط دوراند" على اسم مورتيمر دوراند، وهو وزير خارجية بريطاني قام عام 1893 برسم حدود يبلغ طولها 2,600 كيلومتر وتمر في منتصف وطن البشتون.

ويعارض حزبان سياسيان مواليان للحكومة فكرة الاندماج. ويحصل حزبا بختون خوا ملي عوامي وجمعية علماء الإسلام فضل على دعم أساسي من البشتون في المنطقة الحدودية، ويقول كلاهما أن المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية ينبغي أن تصبح مقاطعة منفصلة، بدلاً من ذلك.

وقال محمد عثمان خان كاكار، عضو مجلس الشيوخ عن حزب بختون خوا ملي عوامي أن "الإصلاحات في شكلها الحالي هي بمثابة معاداة للبشتون من قبل المؤسسة".

 مع ذلك، فإن استطلاع الرأى الذي أجراه مركز أبحاث المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية ومقره في إسلام أباد وجد تأييداً واسعاً لدمج المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية مع خيبر بختون خوا. فمن بين الذين شملهم الاستطلاع، أيد 54 بالمائة الفكرة تماماً وأيدها 20 بالمائة جزئياً، في حين قال 26 بالمائة أن المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية ينبغي أن تكون مقاطعة منفصلة. 

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال محمد آصف أثناء قيامه بالبيع في متجر الأثاث الخاص به في سوق بلدة خار المزدحم: "نريد التخلص من النظام الاستعماري وقوانينه".

 وأضاف أن "الاصلاحات ستمنحنا الحقوق القانونية والدستورية التي حُرمنا منها لعدة أجيال. في الوقت الراهن، ينتاب الشعب القبلي شعور بالحرمان والاغتراب". 

وثمة خوف آخر هو أن الخطة ستسهل الفساد، الذي يمثل مشكلة رئيسية في باكستان. ومع وجود 10 مليارات دولار على المحك، فإن البعض في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية يشعر بالقلق من أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال قد يختفي في عقود غير نزيهة.

وقال ذيب، وهو زعيم قبلي من سالرزاي، في منطقة باجور أن "المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية سيئة السمعة بالفعل وتشتهر بتفشي الفساد، ونخشى أن تفتح حزمة التنمية المقترحة سبلاً جديدة لفساد المقاولين وعصابات المافيا".

 من جانبه، رفض حياة من وزارة المناطق الحدودية هذه المخاوف، قائلاً أن الشركات المحلية ستستفيد من تدفق أموال التنمية، على الرغم من أن المشاريع الكبرى ستذهب على الأرجح الى منظمة العمل الحدودية، التي تعد جزءاً من الجناح الهندسي للجيش. 

وبينما تقول الحكومة أنها ليست قلقة بشأن الفساد، فإن أفغانستان المجاورة تقدم درساً صارخاً في مخاطر تدفق أموال إعادة الإعمار إلى منطقة الصراع. فقد وجد المحقق العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان أن جزءاً كبيراً من الـ113 مليار دولار التي ضختها الولايات المتحدة في أفغانستان منذ عام 2001 قد فُقدت بسبب الفساد والهدر، حتى مع تفاقم الحرب.

وفي حين لا يمكن الاستهانة بالمكاسب العسكرية الباكستانية في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية، فإن المنطقة بعيدة كل البعد عن نهاية الصراع. في 31 مارس، أسفرت سيارة مفخخة عن مصرع ما لا يقل عن 24 شخصاً في منطقة كورام؛ وهناك نقاط تفتيش تابعة للجيش في جميع أنحاء المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية. وقد حذر مسؤولون أمنيون من أن ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية يقوم بتوسيع عملية التجنيد في باكستان والتنسيق مع الجماعات المسلحة الأخرى لتنفيذ الهجمات.

انظر: تنظيم الدولة الإسلامية يكثف عمليات التجنيد في باكستان

أمير سعيد/إيرين
أطفال يدرسون في مدرسة في العراء، في بلدة ماموند

الخطوات التالية

ستتطلب بعض الإصلاحات السياسية والقانونية موافقة البرلمان على التعديلات الدستورية. وينبغي أن يكون لدى الحكومة دعم كاف لتمريرها، على الرغم من أن المسؤولين لم يحددوا بعد موعداً لطرحها للنقاش قبل التصويت.

وتمتلك الحكومة سلطة تخصيص التمويل التنموي من جانب واحد، ويرى البعض أنها كان ينبغي أن تكون قد خصصت بالفعل المزيد من أجل إعادة الإعمار في أعقاب هجوم خلّف دماراً للمنازل والمستشفيات والمباني العامة الأخرى في جميع أنحاء المنطقة. 

وقال مالك وارث خان أفريدي، وهو زعيم قبلي في منطقة خيبر وأحد أفراد المجموعة التي تعد التماساً للمحكمة العليا للطعن على خطة الإصلاح الحكومية: "لم تعطنا الحكومة [حتى] تعويضاً ضئيلاً عن منازلنا التي دُمرت أثناء العملية العسكرية، لكنها الآن تعدنا بتقديم تريليونات الروبيات لتحقيق التنمية". 

وقال حياة أنه متفائل بأن يتم تخصيص الشريحة الأولى من التمويل في ميزانية 2017-2018، التي سيتم الإعلان عنها في يونيو، وأنها ستوجه أساساً نحو تطوير الصناعات الخفيفة والري، فضلاً عن بناء المستشفيات والمدارس.

 ومن شأن ذلك أن يقطع شوطاً طويلاً في سد فراغ ضخم في الخدمات العامة، ومن المأمول أن يؤدي تحسين إمكانية الحصول على التعليم إلى ردع الشبان عن الانضمام إلى الجماعات المسلحة. وقد وجد تقرير صدر مؤخراً عن وزارة التعليم الباكستانية أن 58 بالمائة من الأطفال في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية لا يذهبون إلى المدرسة. ولا في كثير من الأحيان لدى أولئك الذين يلتحقون بها، مثل طلاب خان، مكاتب للجلوس عليها أو سقف فوق رؤوسهم.

وقال، وهو يقف في فصله الدراسي على قمة تل قاحل: "ليست لدينا مدرسة، ولذلك نضطر لأخذ عطلة عندما يهطل المطر أو تهب عاصفة".

 
as/jf/ag-ais/dvh