الوازعية، 1 مارس 2017
إيونا كريغ

صحافية مستقلة

وسط مساحة شاسعة من الأحراش الرمادية اللون، يتجمع السكان الذين يتزايد عددهم بسرعة ويتجاوز الآن 120 أسرة تحت الأشجار الجافة. فر هؤلاء من أحدث موجات النزاع على ساحل البحر الأحمر في اليمن، وساروا على أقدامهم لمدة يومين من أجل الوصول الى هذا المخيم جنوب غرب مدينة تعز.

ولكن عند وصولهم، لم يجد العشرات من النساء والأطفال شيئاً: لا دعم من منظمات الإغاثة، ولا طعام، ولا ماء، ولا مأوى. ويتحدث كبار السن عن تناول أجزاء من الأشجار كطعام من أجل البقاء على قيد الحياة، في حين يتسول الأطفال طلباً للماء من المزارعين المحليين. وتحتضن أم طفلها الذي يعاني بشكل واضح من سوء التغذية بين ذراعيها.

أحمد الباشا/إيرين
موجة جديدة من الصراع على ساحل البحر الأحمر أجبرت الآلاف على الفرار

مخيم الداشن هو نتاج عامين من الحرب في اليمن. وقد نما وتحول ليضيف إلى أكثر من ثلاثة ملايين نازح بالفعل في البلاد، مع فرار عشرات الآلاف من العمليات العسكرية الجديدة التي بدأت في شهر يناير غرب محافظة تعز بين المتحاربين الرئيسيين: المتمردون الحوثيون في شمال البلاد والمدعومون من قبل وحدات الجيش الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح من جهة، وما يسمى قوى المقاومة المدعومة من قوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية من جهة أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن الأزمة الإنسانية في اليمن تزداد عمقاً، وعواقب هذه الحرب واضحة إلى حد كبير في المناطق الريفية، حيث يعيش غالبية السكان بعيداً عن المراكز الحضرية التي توجد بها مستشفيات ومراكز طبية لا تزال تعمل. وهذا هو المكان الذي يشهد "الموت الصامت" في حرب اليمن، من دون ملاحظة أو توثيق.

أزمة ريفية

يقضي الكثير من البالغين في منطقة الداشن عدة أيام دون تناول الطعام، لأنهم يعطون الأولوية لأبنائهم.

يكافح حسن علي وزوجته من أجل إبقاء طفلتهما سعيدة، التي تعاني من سوء التغذية، على قيد الحياة، جنباً إلى جنب مع ثلاثة أطفال آخرين. سعيدة التي تبلغ من العمر عاماً واحداً مريضة، وأمها فضيلة، التي لا تتناول ما يكفي من الغذاء، لا تستطيع إنتاج حليب الثدي لتغذيتها بانتظام. ومن دون إمدادات غذائية أو حليب الأطفال، تشعر فضيلة بالتعاسة والإجهاد.

أحمد الباشا/إيرين
بالكاد تستطيع فضيلة إرضاع ابنتها الصغيرة

وقد لقي اثنان من كبار السن، يعتقد أنهما في الثمانينيات، وثلاثة أطفال يعانون من سوء التغذية حتفهم منذ زيارة شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إلى الأسر النازحة في مخيم الداشن. توفيت فتاة تبلغ من العمر خمس سنوات ورضيع عمره ثمانية أشهر بسبب انخفاض حرارة الجسم الذي تزامن مع الإصابة بسوء تغذية خطير. ومن دون رعاية طبية، توفي محمد سلطان بسبب الفشل الكلوي، وهو أب لخمسة أطفال كان يبلغ من العمر 50 عاماً وبحاجة إلى غسيل كلوي. وكانت أخر حالة وفاة للطفل محمد عادل الذي يبلغ من العمر ثلاثة أعوام، والذي وافته المنية في 25 فبراير بسبب سوء التغذية أيضاً.

وقال حسن: "نحن بحاجة إلى الطعام. نحن جميعاً بحاجة إلى الطعام. ليس لدينا مال أو حتى فراش،" مشيراً إلى المنزل الحالي لأسرته المكونة من خمسة أفراد، وهو بقعة من الرمال مساحتها أقل من 2 متر مربع تعلوها قطعة من القماش المشمع.

والجدير بالذكر أن المأوى الوحيد للوافدين الجدد هو قطع من البلاستيك تم ربطها بين الأشجار تبرعت بها القرى المجاورة. وفي الليل، تنام النساء والأطفال ووجوههم ملاصقة للأرض العارية تحت خيام مؤقتة، ويُترك الرجال لإزالة الصخور من فوق الرمال والنوم في العراء.

فر وجيه البالغ من العمر سبع سنوات مع عائلته من قرية حمير ولم يعد يذهب إلى المدرسة. بدلاً من ذلك، يمضي الطفل أيامه في طرق أبواب المنازل في القرى المحيطة والتسول طلباً للطعام والماء. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية: "أفتقد قريتي، والجو شديد البرودة هنا في الليل من دون بطانيات".

ولا يوجد سجل رسمي لأعداد النازحين من أكثر من عشر قرى نجح سكانها في الوصول إلى الداشن. وبحسب التقديرات التي صدرت مؤخراً عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والتي تم إعدادها منذ بداية أعمال العنف الجديدة في غرب تعز في مطلع الشهر الماضي، يربو عدد النازحين داخل المحافظة على 28,000 شخص.

وعلى الرغم من أن نسبة اليمنيين الذين يعيشون في المناطق الريفية قد انخفضت على مدار السنوات العشرين الماضية، إلا أن أكثر من 65 بالمائة من السكان، أي أكثر من 17.5 مليون شخص، ما زالوا يعيشون خارج المراكز الحضرية، وأولئك الذين يعيشون في المناطق الأكثر عزلة والتي يتعذر الوصول إليها هم الآن الأكثر عرضة للخطر.

تصاعد الصراع، وانتقال النازحين

أُنشئ مخيم الداشن لأول مرة منذ أكثر من عام لاستيعاب ما يقرب من 14 أسرة نازحة. وكان مروان صحيحه، الذي يعمل في منظمة كير الدولية، مسؤولاً عن توفير المياه والدعم الغذائي لحوالي 80 شخصاً.

ولكن عندما اشتدت حدة العنف فجأة في الشهر الماضي، أصبح عدد أكبر من القرى الريفية عالقاً بين الجانبين المتحاربين وتضخمت أعداد النازحين هنا بشكل كبير. ونظراً لعدم وجود موارد تكفي للعدد المتزايد من الوافدين الجدد، أصبح صحيحه وزميله رسمي الحمودي في حيرة من أمرهما بشأن كيفية التعامل مع الأعداد الجديدة.

وأوضح صحيحه أن "الحياة كانت صعبة قبل الحرب، لكن الحرب جاءت وقتلت أي حياة كانت لدينا من قبل".

أحمد الباشا/إيرين
المأوى في مخيم الداشن بدائي، وبعض الرجال ينامون في العراء

في اليوم الذي زارت فيه شبكة الأنباء الإنسانية مخيم الداشن، دخلت امرأة تدعى مديحة محمد إلى المخيم بحثاً عن مكان آمن به مأوى بعد السير على قدميها لمدة يومين لكي تصل إلى هناك.

كان أفراد أسرتها وثلاثة آخرون، نحو 20 شخصاً في مجموعهم، يسيرون خلفها. ووصفت مديحة كيفية هروبهم من قريتهم، الحناية، في منتصف الليل عندما بدأ القصف. لقي بعض أقاربها حتفهم وأُصيب الأطفال بذعر شديد. وعندما وصلت، لم تكن مديحة تملك سوى الملابس التي كانت ترتديها عندما فرت من منزلها والتي أصبحت الآن ممزقة.

عند مغادرة مخيم الداشن، كانت سحابة كبيرة من الغبار تقترب في الأفق. كانت شاحنة مليئة بالمقاتلين في طريقها الى الخطوط الأمامية في مكان ما في الجبال تنطلق بسرعة هائلة وتتحرك بطريقة عشوائية لكي تجعل إطلاق الصواريخ عليها من جانب العدو أكثر صعوبة.

ثم جاءت سيارة دفع رباعي محملة بتبرعات محلية وبطانيات مستعملة. وبدأ تزاحم شديد حيث تدافع الرجال والنساء والأطفال للحصول على مصدر للدفء في ليالي الشتاء الباردة.

وفي الأيام الأخيرة، اضطر المخيم المؤقت الذي يأوي الأسر النازحة، 70 بالمائة منهم أطفال، إلى الانتقال مرة أخرى. ومع تغير الخط الأمامي للقتال، ازداد عدد المدنيين النازحين نظراً لإخلاء القرى المحيطة بمخيم الداشن أيضاً وانضمام سكانها إلى المسيرة التي قطعت خمسة كيلومترات إضافية باتجاه الشرق إلى قرية العفيره.

ولكن من دون دعم من منظمات الإغاثة، يعيش معظمهم على التسول في القرى المجاورة ومن السيارات المارة على أقرب الطرق الإسفلتية.

وقد أصبح صحيحه والحمودي من النازحين الآن أيضاً، وانضموا إلى الأشخاص الذين يحاولون رعايتهم. وتم تحويل المدرسة المحلية إلى مسكن للأسر النازحة.

يشتهر اليمنيون بالصمود الذي لا يتزعزع. وهذا مجتمع ريفي يجيد رعاية أهله بعد عقود من الغياب شبه التام لمؤسسات الدولة. ولكن لابد أن تكون هناك نقطة انهيار. وفي القفار المتربة النائية في ريف تعز، نقطة الانهيار ملموسة بشكل مذهل.

أحمد الباشا/إيرين
نما مخيم الداشن وتغير خلال أكثر من عامين من الحرب

تم إعداد هذا المقال بدعم من مركز بوليتزر للإبلاغ عن الأزمات

(الصورة الرئيسية: طفلة نازحة في مخيم الداشن. أحمد الباشا/إيرين)

ic/as/ag-ais/dvh