تنامي مشكلات الصحة النفسية في العراق

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

كان العراق يعاني من نقص في الأطباء والأخصائيين النفسيين قبل ظهور ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. والآن، وفي ظل انعتاق مئات آلاف المدنيين من سنوات من العيش تحت حكم التنظيم، أصبح أثر هذا النقص واضحاً بشكل مؤلم.

 

 

وكثير من أولئك الذين يحتاجون إلى المساعدة النفسية هم من الأطفال، مثل أمير إبراهيم. اصطف الصبي، الذي لم يتجاوز عمره 14 ربيعاً، إلى جانب حائط وتناثرت الطلقات النارية حول رأسه. لقد كانت هذه مجرد البداية لعقابه.

يسترجع الصبي، الذي اتهم بمحاولة الهروب من مسقط رأسه الشمالي في بلدة الحويجة، ما حدث بعد مثوله أمام قاض تابع لتنظيم الدولة الإسلامية، فيقول: "كان لديه قضيب معدني وبدأ يضربني به... حتى أصبح ظهري مغطى بالدماء. ثم وضعوني في السجن".

وبعدما دفع والده مبلغاً من المال، تم إطلاق سراح إبراهيم، وفرّ هو وأسرته إلى مخيم ديبكة في كردستان العراق، وهي منطقة شبه المستقلة في شمال العراق التي تديرها حكومة إقليم كردستان.

ظل إبراهيم يخشى الخروج حتى بعدما تم تسكينهم بأمان في المخيم. وفي النهاية، سعت آية، أم الصبي، إلى طلب الدعم والمساعدة في مجال الصحة النفسية لابنها. وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لدى الجميع مشكلات من هذا القبيل... ذهبت لأن جارتي قالت لي إنهم ساعدوا في علاج ابنها، فذهبت لطلب المساعدة".

احتياجات هائلة

والجدير بالذكر أن ما يقرب من 150,000 مدني فروا من مدينة الموصل مع تكثيف الجهود الرامية إلى طرد تنظيم الدولة الإسلامية من أكبر معاقله في العراق. وفي ظل أن زهاء مليون شخص مازالوا تحت هذا الحصار المرير، من المرجح أن تسعى أسر أخرى على غرار أسرة إبراهيم لطلب المساعدة المتخصصة في الأشهر المقبلة.

وفي هذا الصدد، قالت الكترا نوتسو، التي كانت تعمل حتى وقت قريب مديرة لأنشطة الصحة النفسية في منظمة أطباء بلا حدود-سويسرا في بغداد، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه على الرغم من تجاربها الكثيرة كطبيبة نفسية في مناطق الحرب، إلا أنها صدمت من حجم الاحتياجات وصراحة المرضى في العراق.

توم ويستكوت/إيرين

ووصفت نوتسو المرضى الذين يطرقون نافذة سيارتها في تكريت، التي وصل إليها الكثير من الأشخاص من المناطق القريبة من مدينة الموصل. كانت تظن أنهم يبحثون عن طبيب ممارس عام لعلاج إصابات جسدية أو مرض ما، لكنها وجدتهم يقولون: "لا، نريد فقط التحدث إليك ... وجاري يود أن يراك أيضاً".

وأضافت نوتسو قائلة: "في البداية، كانت الاحتياجات هائلة ... لم أكن أعرف أي شخص يجب أن أساعد أولاً لأن الكثيرين كانوا يتدفقون عليّ".

ومنظمة أطباء بلا حدود هي المنظمة الإنسانية الوحيدة التي لديها فرق متخصصة في التعامل مع مشكلات الصحة النفسية الشديدة التي يعاني منها الأشخاص الذين نزحوا من الموصل.

وفي السياق ذاته، قال بلال بدير، مدير الصحة النفسية في منظمة أطباء بلا حدود في أربيل – العاصمة الفعلية لإقليم كردستان العراق– أن فرقه قد توقفت عن القيام بأنشطة التوعية في مخيم ديبكة (على الرغم من أنهم يقومون بأنشطة مماثلة في أماكن أخرى) نظراً لأن العديد من سكان المخيم يطرقون أبوابهم.

"الناس يعانون ومعاناتهم دفعتهم إلى طلب خدماتنا ... نحن نعالج الكثير من المرضى بشكل يومي".

ما بعد الموصل

ومن السهل التركيز على المعارك الكبيرة فقط، ولكن العراقيين في جميع أنحاء الدولة يحتاجون للمساعدة.

يتضح هذا بشكل جلي في أبوغريب، إحدى ضواحي بغداد التي تشتهر في الخارج باستضافة أحد السجون الأمريكية السيء السمعة.

يوجد لدى منظمة أطباء بلا حدود عيادة صغيرة هناك تتكون من عدة كرافانات متنقلة.

وعندما زارت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) العيادة في نهاية شهر أكتوبر، لم يكن مضى على تقديم دعم الصحة النفسية سوى شهر فقط. وكانت الدكتورة دنيا أكبر، وهي طبيبة عامة في العيادة، تضغط لتقديم هذه الخدمة منذ أن بدأت عملها في العام الماضي.

آني سليمرود/إيرين
مستشار في منظمة أطباء بلا حدود يخبر النازحين داخلياً عن خدمات الصحة النفسية في مخيمي حسن شام والخازر

وتوضح الدكتورة دنيا أكبر، في الفترات الفاصلة بين المواعيد، حيث يجلس مرضاها في منطقة انتظار في الهواء الطلق، أن هناك أسباباً متعددة وراء هذه الاحتياجات الكبيرة: "في ظل النزوح وتدني الوضع الاجتماعي والاقتصادي، تجد هنا في أبوغريب الكثير من حالات الاكتئاب والضغط النفسي ... والكثير من حالات اضطراب ما بعد الصدمات النفسية، لاسيما لدى الاشخاص الذين فروا من عمليات عسكرية ضد [تنظيم الدولة الإسلامية]".

وأضافت أكبر أن عدداً قليلاً من مرضاها يخشون من نظرة أقاربهم للعلاج النفسي، إلا أن معظمهم كانوا حريصين على التعافي. وفي الواقع، كانت أكبر تظن أن مرضى الصرع يعانون من وصمة عار أكبر من أولئك الذين يعانون من أمراض نفسية.

تم فحص جميع مرضاها لمعرفة إذا ما كانوا يعانون من مشكلات في الصحة النفسية، وذهب كثير منهم إلى كرافان قريب – مزيّن بملصقات حول أسباب وأعراض القلق – حيث كانت تنتظر سيدتان لرؤية طبيب نفسي.

نقص الكوادر

ولا يوجد في العراق أطباء نفسيون مدربون في علم النفس السريري بما يكفي للتعامل مع مثل هذه الاحتياجات، لأن النظام التعليمي في الدولة نفسها لا يمنح درجة علمية في علم النفس السريري، على الرغم من أن حكومة إقليم كردستان العراق لديها دورات في هذا التخصص.

وبالإضافة إلى فرق منظمة أطباء بلا حدود والأشخاص الذين يعملون مع وكالات المعونة الأخرى، لا يوجد سوى قرابة 80 شخصاً متخصصاً في علم النفس السريري في العراق وإقليم كردستان العراق، مقارنة بـ47 طبيباً في هذا التخصص في عام 2010، وفقا للأرقام الرسمية. وهناك المزيد من الأطباء النفسيين – بعضهم مدرب على أساليب مثل العلاج السلوكي المعرفي – ولكنهم يتحملون أكثر من طاقتهم أيضاً.

ويتفق الطبيب أحمد الرديني، مسؤول في وزارة الصحة العراقية، على أن الرعاية الصحية النفسية "مهمة جداً في هذه الأيام"، ولكن من الواضح أنها لا تمثل الأولوية الرئيسية لحكومته.

وتوضيحاً لهذا، قال الرديني: "نحن نركز على إنقاذ حياة الناس وتوفير العمليات الجراحية والعلاج والإسعافات الأولية في مناطق العمليات [ضد تنظيم الدولة الإسلامية [، بدلاً من التركيز على المشكلات النفسية".

ويوجد لدى الحكومة خطط "لتدريب الناس وتشجيعهم وتثقيفهم بشأن أهمية هذه المجالات"، ولكن هذا، حسبما يرى الرديني، "يحتاج إلى بعض الوقت".

وتحاول بعض وكالات المعونة، بما في ذلك المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، سد بعض هذه الفجوات، من خلال تدريب العاملين في مجال المعونة على ما يسمى بـ "الإسعافات الأولية النفسية".

وأوضح متحدث باسم المفوضية في رسالة بالبريد الإلكتروني أنه "يتم تدريب الموظفين بعناية للاستماع إلى الأسر، والسماح للأفراد بمناقشة الظروف التي مروا بها، والتعرف على احتياجاتهم، يلي ذلك إحالاتهم مباشرة إلى مقدمي الخدمات". لا تهدف  الإسعافات الأولية النفسية إلى أن تحل محل العلاج، لكنها يمكن أن تكون أداة مفيدة في أعقاب التعرض لصدمة نفسية.

وتقوم منظمة أطباء بلا حدود أيضاً بتدريب العاملين الجدد على هذه الأساليب. ولكن لا يجيد الجميع الاستماع والحديث إلى المرضى، كما أوضحت نوتسو، وهو ما يبرز الحاجة إلى توفير الأشخاص المناسبين.

وكان من السهل أن نرى لماذا كانت رشا واحدة من بين الذين اختارتهم منظمة أطباء بلا حدود للتدرب على الإسعافات الأولية النفسية. وجدت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) رشا تدير استبيانات للمرضى وتساعدهم على جدولة مواعيدهم في العيادة التابعة للمنظمة في أبوغريب.

استطعنا التحدث مع رشا، البالغة من العمر 29 عاماً، بسهولة، وقد توخت الحرص على مشاعرهم، فتحدثت همساً خارج غرفة انتظار المرضى الهادئة. وخلال ثلاثة أسابيع فقط من عملها في هذه العيادة، سمعت الكثير من القصص التي تود أن تنساها لو استطاعت ذلك.

وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "معظم الناس الذين يأتون إلى هنا قد حاولوا الانتحار فعلاً"، مشيرة إلى امرأة شابة أشعلت النار في نفسها بسبب مشكلات عائلية مستمرة.

وقالت إن العديد من المرضى يريدون الحديث عن الطلاق، والإجهاد، والاكتئاب: "بعض الأشخاص يتسمون بالخجل، وآخرون يحبون الحديث ويأتون إلى هنا للحصول على مساعدة من الأطباء النفسيين".

تلاشي وصمة العار؟

غير أن النقطة الإيجابية الفريدة من نوعها التي نخرج بها من هذا الوضع هي أن وصمة العار المصاحبة للمرض النفسي في العراق قد اضمحلت إلى حد كبير عن السابق.

وتعتقد نوتسو من منظمة أطباء بلا حدود أن هذا الأمر يعزا جزئياً إلى حجم الصدمة التي تعرض لها العراقيون على مدار العامين الماضيين، منذ دخول تنظيم الدولة الإسلامية في يناير 2014، الأمر الذي أدى إلى كسر وصمة العار.

وتسترجع نوتسو ما قاله لها المرضى: ''لقد عاصرنا الحروب ... نحن نعلم ما هي الحرب، 'غير أن هذه الحرب لم يسبق لها مثيل. لم نشهد مثل هذا من قبل أبداً'".

وفي السياق ذاته، صرح حسين شعطي، وهو طبيب نفسي في أبوغريب، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن النزوح الجماعي – الذي يتراوح عدد ضحاياه حالياً زهاء 3 ملايين شخص- قد لعب دوراً أيضاً، حيث يجبر الافتقار إلى نظم الدعم المحلية أو الأسرية أوكليهما معاً الكثيرين الآن على التغلب على أي وصمة عار كانوا يشعرون بها في السابق:

"لقد تم دعمهم، ولكن بعد الصدمة [والنزوح [... يضطرون للذهاب وطلب المساعدة".

ورددت هذه الفكرة أيضاً رشا، التي ذكرت أن العديد من المرضى قالوا لها أن أي رعاية تلقوها من قبل قد ضاعت.

بريجيت بروياك/أطباء بلا حدود
مستشار في منظمة أطباء بلا حدود يخبر النازحين داخلياً عن خدمات الصحة النفسية في مخيمي حسن شام والخازر

ولكن جلسات العلاج قد لا تحقق بالضرورة الراحة الفورية التي تجلبها حبات الدواء. وقال الأطباء لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن إقناع المرضى في العراق بمواصلة المجيء لحضور جلسات متكررة لا يزال يشكل عقبة رئيسية.

والأمر لا يقتصر على هذا فحسب، إذ قال بدير من منظمة أطباء بلا حدود "أنت تعالج المرضى في الوقت نفسه الذي لا تزال فيه الحرب مستعرة ... [وأحد أهم] التحديات التي تواجه أنشطتنا هو علاج المرضى في خضم الحرب الجارية. الكثيرون يشعرون بالقلق إزاء أسرهم في سوريا أو في الموصل، وهذا يسبب لهم الكثير من القلق. لدينا مرضى يعانون من أمراض متعددة".

وفي بيان صدر مؤخراً، قالت منظمة أطباء بلا حدود أنه في ظل استطالة أمد معركة تحرير الموصل، تزداد بشاعة الأحداث التي يصفها المرضى.

وعلى الرغم من أن مشاهدة منظر قطع الرؤوس أمام العامة يسبب بكل تأكيد صدمة نفسية، إلا أن هذا ليس المصطلح الصحيح لكل شيء تتعامل معه منظمة أطباء بلا حدود.

وقالت بدير ونوتسو لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهما يريان أشخاصاً كثيرين يعانون من حالات مرضية موجودة من قبل ولم يتم معالجتها خلال العامين الماضيين: الاكتئاب والاضطراب الثنائي القطب والقلق ومشكلات الزواج.

وكان بدير صريحاً بشأن المستقبل، حيث قال ببساطة: "نتوقع أن نرى مزيداً من المرضى".

(مساهمة إضافية في إعداد التقرير: سامية كلاب)

(الصورة الرئيسة: رسمية، 65 عاماً، التي تمسح دمعات انهمرت من عينيها وهي تروي كيف فقدت ساقها، تجلس في خيمتها في مخيم دهاء الراوي للنازحين العراقيين داخلياً في حي المنصور غربي بغداد في 22 يوليو 2015. إد أو/المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

as/ag-kab/dvh