نيس، 30 نوفمبر 2016

يقف أربعة شبان في مطبخ داخل بيت حجري قديم بلون المغرة في وادي رويا قرب حدود فرنسا الجنوبية مع إيطاليا، ويحملون حقائب الظهر ويتناولون وجبة أُعدت في عجالة. إنهم يبتسمون، ولكن من الواضح أن القلق ينتابهم. وفور تلقي إشارة من صاحب المنزل، يخرجون من المنزل ويتوارون عن الأنظار في سيارتين تنتظرانهم خارج المنزل. وبعد دقائق وكيلومترات قليلة، يخرج ثمانية شبان آخرين من بين أشجار الزيتون، وينزلقون على طريق موحل قبل دخول السيارات. وتسير القافلة على طريق متعرج في الوادي يمر بين سفح جبل شديد الانحدار ومجرى نهر تضخم بسبب أمطار الخريف.

والجدير بالذكر أن الـ12 راكباً كلهم إريتريون والسائقون جميعاً فرنسيون. وصل الإريتريون إلى فرنسا سراً، من دون تأشيرات دخول. ويواجه الفرنسيون خطر اعتقالهم ومحاكمتهم بتهمة تهريب مهاجرين غير شرعيين.

لقد أصبحت مثل هذه القوافل حدثاً عادياً العام الماضي في وادي رويا، الذي تحيط به إيطاليا من الجنوب والشرق والشمال. فقد أصبحت هذه المنطقة من جبال الألب الفرنسية، التي تبدأ على بعد حوالي 30 كيلومتراً إلى الشمال من شاطئ الريفييرا، نقطة دخول للمهاجرين الذين شقوا طريقهم شمالاً من جنوب إيطاليا ثم أصبحوا عالقين في فينتيميليا، حيث تم إغلاق الحدود في يونيو 2015. وبعد إبعادهم عن محطات القطارات والطرق المؤدية إلى الريفييرا الفرنسية، يحاول عدد متزايد من المهاجرين إيجاد طريق عبر جبال الألب، ولكن ثبت أن الرحلة إلى هذا الوادي بمثابة طريق مسدود بالنسبة للكثيرين.

"إنهم لا يفهمون أنهم بعد فينتيميليا يدخلون فرنسا، ولكنهم إذا واصلوا السفر باتجاه الشمال، سوف يعودون إلى إيطاليا مرة أخرى في نهاية المطاف،" كما أوضحت ناتالي ماسيليا، التي تعيش في قرية بريل سير رويا في الوادي. إنها مهرجة محترفة، وعضوة في تجمع سكان رويا، الذي يستضيف ويطعم المهاجرين الذين يهيمون على وجوههم في الوادي، ثم ينقلونهم إلى محطات قطار صغيرة وبعيدة حتى يتمكنوا من مواصلة رحلاتهم. "لقد أصبحنا [نشطين] بسبب الظروف الحالية. كيف يمكن أن تغمض عينيك عندما يكون هناك رجال ونساء وأحياناً أطفال يتجولون على طول طرقنا وهم منهكون وتائهون ويتضورون جوعاً؟" كما تساءلت ماسيليا.

مخيم في مزرعة

ولا أحد يعرف عدد المهاجرين الذين مروا عبر وادي رويا، ولكن أولئك الذين يساعدونهم يقولون أنهم عدة آلاف. وفي هذا الشأن، يقول سيدريك هيرو، وهو مزارع يبلغ من العمر 37 عاماً ويواجه حالياً تهمة التهريب: "جاء أول أشخاص إلى بيتي قبل نحو سنة. وخلال الأشهر الستة الماضية، لم يتباطأ معدل وصولهم". تقع مزرعته، التي يربي فيها الدجاج البياض ويزرع 800 شجرة زيتون، على مشارف بريل سير رويا وهي أول مكان يصل إليه المهاجرون عندما يخرجون من نفق السكك الحديدية على الطريق الجبلية المتعرجة من فينتيميليا.

وأضاف هيرو قائلاً: "إنني أذهب إلى الفراش كل ليلة وأتساءل كم عدد الذين سيأتون إلى بيتي. وفي كل ليلة تقريباً، ينبح كلبي وأراهن نفسي على عددهم: ثلاثة، أربعة، 10،أو  أكثر؟"

وفي أحد ممطر من شهر نوفمبر، يقيم حوالي 20 مهاجراً في مخيم أقامه هيرو على بعد أمتار قليلة من منزله الصغير. لا يمكن الوصول إليه إلا سيراً على الأقدام، ويتكون من منزلين متنقلين طلب هيرو تسليمهما بطائرة هليكوبتر في الصيف الماضي، وخمس خيام، وسقيفة خشبية، وقطعة قماش كبيرة لحمايتها من التأثيرات الجوية. يجلس مجموعة من الشباب الإريتريين والسودانيين حول نار أوقدوها في المخيم لدراسة خريطة متفحمة لقارة أوروبا ومناقشة خطوتهم المقبلة.

باتريك بار/إيرين
مجموعة من المهاجرين الإريتريين والسودانيين المقيمين في مخيم هيرو يناقشون خطوتهم المقبلة

غادر ويغهي البالغ من العمر 17 عاماً أسمرة، عاصمة إريتريا، قبل عام لتجنب الخدمة العسكرية الإجبارية التي تستمر إلى أجل غير مسمى، وحتى يتمكن من ممارسة عقيدته البروتستانتية بحرية. وقضى بعض الوقت في السودان وليبيا وإيطاليا قبل أن يصل إلى مزرعة هيرو الأسبوع الماضي. "فهمنا بسرعة في فينتيميليا أن الحدود مغلقة والقطارات والطرق المؤدية إلى فرنسا مراقبة من قبل الشرطة. حاول بعض المهاجرين المرور أربع وخمس وست مرات. وفي كل مرة، كانوا يُعادون إلى إيطاليا. ولذلك، سرنا على الأقدام بمحاذاة السكك الحديدية ليلاً لمدة سبع ساعات [حتى] رأينا بعض الضوء،" كما أفاد.

القصر غير المصحوبين بذويهم

لم يكن ويغهي يعلم أن الخروج من الوادي سيكون أكثر صعوبة من دخوله وأن وضعه كقاصر غير مصحوب قد لا يساعده إذا ما أُلقي القبض عليه.

وفي السياق نفسه، تقول فرانسواز كوتا، وهي محامية محلية غالباً ما تستضيف حوالي 10 مهاجرين في منزلها الكبير: "نحن نشهد وصول أعداد متزايدة من الأطفال غير المصحوبين. من المفترض أن تأخذهم الخدمات الاجتماعية، ولكن لدينا أدلة على إعادة بعض الأطفال إلى الحدود".

وقد تقدمت ببلاغ رسمي عن إهمال الأطفال ضد محافظ مقاطعة الألب البحرية في 21 نوفمبر. قبلت المقاطعة 238 طفلاً مهاجراً غير مصحوب فقط هذا العام، مقارنة بنحو 1,500 في عام 2015، على الرغم من زيادة عدد المهاجرين الشبان الذين مروا عبر المنطقة في الأشهر الـ12 الماضية. وتعتبر كوتا هذا الرقم بمثابة دليل على تصلب المواقف ضد المهاجرين، بمن فيهم الأطفال.

باتريك بار/إيرين
أعيد عبد الله إلى إيطاليا بعد إنزاله من قطار بالقرب من الحدود الفرنسية

ويقول عبد الله البالغ من العمر 15 عاماً، وهو من منطقة دارفور في السودان، أنه تم القبض عليه في قطار بالقرب من الحدود الفرنسية. "قلت للشرطة أن عمري 15 عاماً، ولكن الضابط كتب أن عام ميلادي هو 1997. وقلت لشرطي يتحدث اللغة العربية أن هناك خطأ، لكنهما أعاداني إلى إيطاليا،" كما أضاف. وبعد ذلك، عبر عبد الله واثنان من أصدقائه الحدود إلى فرنسا سيراً على الأقدام، متبعين خط السكك الحديدية. وهو الآن عالق في الوادي، جنباً إلى جنب مع العشرات غيره من المهاجرين الأفارقة الشبان.

مجتمع منقسم

وقد تم نشر ضباط الشرطة، وحتى الفيلق الأجنبي، في وادي رويا والمنطقة المحيطة به. إنهم يحاربون الإرهاب رسمياً كجزء من عملية الحارس التي تنفذها الحكومة، ولكنهم عملياً، جنود يقومون بدوريات في محطات القطارات والطرق الصغيرة، بينما يتولى رجال الشرطة تفتيش القطارات وإقامة حواجز الطرق، وبالتالي يغلقون فعلياً طرق الخروج من الوادي. "بالطبع نحن نبحث عن المهاجرين غير الشرعيين، ونلقي القبض عليهم كل يوم،" كما قال أحد ضباط الشرطة وهو يفتش صندوق سيارة.

ولكن المهاجرين يواصلون القدوم إلى هنا والشتاء يقترب بسرعة في الجبال، حيث يمكن أن تنخفض درجات الحرارة بشكل خطير وبسرعة كبيرة. "هل يجب أن تحدث حالة وفاة حتى تتحمل الدولة المسؤولية وتكف عن إلقائها على عاتقنا إيواء هؤلاء الناس؟" كما تساءل آلان كريتون. يعمل كريتون وشريكته كاميل مرشدين في المنطقة الجبلية ومزارعين، وغالباً ما يتلقيان رسائل من السكان المحليين يطلبون فيها أن يأويا المهاجرين الذين يخافون هم أنفسهم من استضافتهم.

باتريك بار/إيرين
آلان كريتون وكاميل مع مجموعة من المهاجرين الذين يستضيفانهم حتى يمكن توفير وسيلة نقل

ولكن لا يشعر الجميع بأن من واجبهم تقديم المساعدة. ففي 22 سبتمبر، صوتت المقاطعة ضد استضافة أي مهاجرين تم إجلاؤهم من المخيمات في كاليه. وقد أبلغ بعض السكان المحليين في وادي رويا الشرطة عن رؤية بعض المهاجرين، في حين أن آخرين يبدون تعاطفاً ولكنهم يفضلون عدم التورط خوفاً من الوقوع في مشاكل.

وفي 23 نوفمبر، تجمع مئات المؤيدين أمام محكمة نيس الجنائية، التي كانت تنظر قضية هيرو. لقد تأجلت محاكمته إلى شهر يناير، ولكن تم تقديم رجل محلي آخر، هو بيير آلان مانوني، للمحاكمة بتهمة نقل ثلاث نساء إريتريات مصابات بجروح، وإحداهن قاصر. وقال أنه تصرف بناءً على الشعور بالواجب والإنسانية، وطالب المدعي العام بتوقيع عقوبة السجن لمدة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ. كان يمكن أن يواجه عقوبة السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات ودفع غرامات تبلغ 30,000 يورو. ولا يزال هيرو معرضاً لمثل هذه العقوبة.

gl/ks/ag-ais/dvh