عامرية الفلوجة، 22 نوفمبر 2016
آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

ملاحظة من الكاتب

جزء من سلسلة تقارير متعمقة تسعى فيها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) لاستكشاف كيف تهدد مشكلات النزوح والانقسام الطائفي في العراق السلام والاستقرار على المدى الطويل

لدى كل شخص يعيش في المخيمات الصحراوية في العراق قصته الخاصة، لكن الجميع يريدون العودة إلى ديارهم.

بصوت أجش وأظافر مزيّنة بالحناء تبتسم سعدية البالغة من العمر 70 عاماً حتى وهي تقول أن منزلها قد دمّر.

وعلى الرغم من أن فازع، الذي تظهر على وجهه لفحة الشمس وقسوة المناخ ويقيم حالياً في ملجأ سابق التجهيز يقع في منطقة مجاورة، غير متأكد من عمره، لكنه يتذكر الفرار مما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية بعد أشهر من العيش على علف الحيوانات. روى لنا كيف لوّح رجال قريته بقمصانهم البيضاء في الهواء عند رؤية تقدم الجيش العراقي.

وهناك صبي صغير لا يتكلم ويحدّق إلى الأمام مباشرة، تعلو وجنتاه بقع سوداء تبدو وكأنها شظايا وندوب تنتشر في شتى أجزاء جسده، إنها جروح الحرب. ويقول أقاربه أن والدته قتلت في إحدى المعارك ووالده لايزال مفقوداً.

هؤلاء الثلاثة جميعهم من منطقة الفلوجة، ولكن عامرية الفلوجة موطن زهاء 50,000 نازح داخلياً من شتى مناطق العراق، رجال ونساء وأطفال لازالوا يعانون صدمة نفسية، بعدما هربوا من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية أو الحرب الدائرة ضده.

آني سليمرود/إيرين
صبي صغير تظهر على جسده ندوب ناجمة عن جروح الحرب

يتجه التركيز، سواء العسكري أو تركيز وسائل الإعلام الدولية، صوب الشمال، على هجوم الموصل الذي يمكن أن يقضي على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق. وفي حين أنه من المرجح أن يتم تحقيق النصر هناك في نهاية المطاف، إلا أن مستقبل هؤلاء الأشخاص الذين اقتلعوا من ديارهم وملايين آخرين مثلهم هو الذي سيكفل تحقيق السلام العادل والدائم.

والجدير بالذكر أن غالبية النازحين في العراق الذين يبلغ عددهم قرابة 3.2 مليون شخص لا يعيشون في المخيمات الرسمية فعلياً. هنا في الأنبار، المحافظة التي يوجد بها أكبر عدد من النازحين داخلياً (540,000 شخص)، يعيش حوالي 20 بالمائة من النازحين فقط في مخيمات بينما يقيم أكثر من نصفهم مع أسر مضيفة. وهناك آخرون يقيمون في مدارس أو مبان لم تكتمل وفي مستوطنات غير رسمية أو مساكن مستأجرة. في المقابل، يعيش حوالي ثلاثة بالمائة فقط من إجمالي الـ450,000 نازح داخلياً في بغداد في مخيمات.

آني سليمرود/إيرين
وبعدما نجح كثير منهم من الإفلات من الحياة في ظل تنظيم الدولة الإسلامية وعبور الصحراء سيراً على الاقدام إلى عامرية الفلوجة في شهر يونيو، وجدوا أن نظام المعونة مثقل بأكثر مما يتحمل وغير مهيأ لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

ولكن الوضع قد تحسن الآن. فعندما وصلوا في البداية، حُشر كثير منهم كالسردين المعلب في خيام ضخمة حيث كان الهدف فعل أي شيء لحمايتهم من الرمال وشمس الصيف. والآن تقف هذه الخيام البيضاء فارغة، حيث يقيم سكانها في وحدات سابقة التجهيز أو في خيام صغيرة. كما تتوفر لديهم الآن المياه والمراحيض والحمامات وبرزت سوق صغيرة، لم تكن موجود من قبل، لبيع الخضروات وبطاقات تعبئة رصيد للهاتف المحمول.

ولكن ليس هناك أي شيء آخر، فالنازحون عبر البلاد، سواء كانوا يقبعون في طي النسيان في المخيمات الصحراوية أو يتم استضافتهم في البلدات أو المدن، نادراً ما يتمكنون من الانتقال بين المحافظات دون تصاريح، كما من الصعب إيجاد فرص عمل. ويقول كثيرون أنهم يشعرون أنهم منسيّون.

وبالنسبة لأولئك الذين أجبروا على الخروج من المناطق التي يجري تطهيرها من تنظيم الدولة الإسلامية، مثل بعض أجزاء محافظة الأنبار، فإن العودة إلى الوطن لا تزال معقدة ومشحونة سياسياً، وتعرقلها النزاعات الماضية والانقسامات الطائفية. كما أن إعادة البناء بالكاد قد بدأت.

آني سليمرود/إيرين
عبور نهر الفرات في الطريق للخروج من محافظة الأنبار
نموذج الأنبار

يُفسّر الفقر واليأس إلى حد ما سبب لهفة كثير منهم للعودة إلى الوطن، إذ أظهرت دراسة استقصائية أجريت مؤخراً أن 86 بالمائة من أولئك الذين عادوا إلى محافظة الأنبار قالوا أن الدوافع الرئيسية التي قادتهم للعودة هي فرصة العمل وكسب لقمة العيش.

ولكن بالنسبة لأولئك الذين تمكنوا من ذلك نادراً ما يجدون أن الواقع يرقى إلى مستوى التوقع، ذلك أن جميع العائدين الذين شملهم الاستطلاع قالوا أن الرحلة أو الوجهة أو كلتيهما كانتا غير آمنتين.

وعلى الرغم من أنه يجري حالياً بذل جهود لتطهير الرمادي، عاصمة المحافظة، من المتفجرات، إلا أنه من المتوقع أن يستغرق إنجاز تلك المهمة سنوات ويحتاج إلى مئات الملايين من الدولارات. إضافة إلى أنه لا توجد بنية تحتية تذكر في ظل تدمير معظم مناطق المدينة من جراء القتال الذي استمر لشهور.

يبدو الشيخ رافع الفهداوي، عضو المجلس المحلي لمحافظة الأنبار ورئيس الأمن، ملفتاً للنظر في أحد فنادق بغداد، بثوبه الأبيض الناصع، وكان محاطاً برجال يرتدون سترات بيضاء.

قال الشيخ رافع الفهداوي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا توجد حياة طبيعية في الرمادي الآن... لا سبل للعيش، لا يوجد ماء ولا وقود ... يشعر الناس بالسعادة إذا وجدوا جداراً واحداً فقط قائماً لم يهدم".

آني سليمرود/إيرين
الشيخ رافع الفهداوي يخشى من أن يؤدي تجاهل الأنبار إلى كارثة
وقال الفهداوي أنه عقب مرور عام تقريباً على طرد تنظيم الدولة الإسلامية من الرمادي، عاد 70 بالمائة من السكان بشكل رسمي إلى ديارهم في مدينة أتى الخراب والدمار على معظمها. ويشير تقييم أجري مؤخراً إلى أن عدد الذين يعيشون هناك في الوقت الحالي يصل إلى قرابة 180,000 شخص، من أصل نصف مليون شخص، هو عدد سكانها قبل الحرب.

وما يحدث في محافظة الأنبار مهم جداً لأنها المحافظة الوحيدة التي تسيطر عليه الأقلية السنية في البلاد. ويعتقد الكثيرون أن تنظيم الدولة الإسلامية تمكن من السيطرة عليها بسرعة بسبب وجود درجة ما من التعاطف المحلي. وكانت الأنبار معقلاً للتطرف من قبل: فخلال حركة التمرد المناهضة للقوات الأمريكية عقب غزو العراق عام 2003، كانت الرمادي إحدى معاقل تنظيم القاعدة، على الرغم من أن عشائر اﻷنبار لعبت دوراً رئيسياً أيضاً في طرد الجماعة مرة أخرى.

آني سليمرود/إيرين

ويخشى الفهداوي من أنه في غياب اقتصاد فعال ومدارس وقيادة قوية، هناك خطر حقيقي من أن تسوء الأوضاع في محافظة الأنبار مرة أخرى وبشكل سريع.

وتوضيحاً لذلك، قال: "الحكومة المحلية في محافظة الأنبار ضعيفة فعلاً  ... والمجلس المحلي لا يتحمل مسؤولية المشكلة الرئيسية التي نواجهها، ولا الحكومة المركزية".

وأشار إلى المقاتلين من العشائر ورجال الشرطة السابقين الذين يحملون الأسلحة ولا يحصلون على مرتبات - بعضهم يخضع لقيادته – لكنه يخشى عليهم من أن يتحولوا للإجرام أو محاربة بعضهم البعض.

وخلص الفهداوي إلى أن "كل هذا يمكن أن ينتهي بشكل مشابه لما يحدث في بغداد، حيث توجد حكومة محلية ضعيفة وتهديد مستمر يواجه أمن المجتمع".

الفحوصات الأمنية

وبسبب هذا التهديد الذي تواجهه العاصمة، تتمركز الدبابات خارج شوارع التسوق المزدحمة وتنتشر حواجز الجيش في جميع أرجاء المدينة.

ويشكو السكان المحليون من أن عمليات التفتيش السريعة – التي لا تزيد في الغالب عن تحريك الأيدي على جسد الشخص – لا تجعلهم أكثر أمناً. ولكن هناك قلقاً حقيقياً من أن يعود تنظيم الدولة الإسلامية إلى بغداد وأماكن أخرى مع استمرار القتال في الموصل.

ورغم ادعاء السيطرة الكاملة على المناطق المحررة، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في 14 نوفمبر، مسؤوليته عن سلسلة من التفجيرات الانتحارية في مدينة الفلوجة في محافظة الأنبار، يُقال أنها الأولى منذ طرد المتطرفين في شهر يونيو.

مع ذلك، لا يعد العنف ليس معزولاً، حتى في ذلك اليوم الذي استهدف مهاجمون انتحاريون تابعون للتنظيم حجاجاً شيعة قرب مدينة كربلاء المقدسة. وعلى الرغم من وجود مناطق صغيرة هادئة ويواصل العراقيون في أجزاء كثيرة من البلاد حياتهم بشكل طبيعي، تقول الأمم المتحدة أن 1,120 مدنياً لقوا مصرعهم جرّاء "أعمال الإرهاب والعنف والنزاع المسلح" في شهر أكتوبر فقط.

آني سليمرود/إيرين
ولهذا السبب، هناك إجراءات أمنية مشددة. يجري فحص معظم الرجال والفتيان الذين يفرون من تنظيم الدولة الإسلامية بواسطة الجيش العراقي - أو الأكثر إثارة للجدل، بواسطة مجموعة من الميليشيات المتحالفة ذات الأغلبية الشيعية – قبل أن يُسمح لهم بدخول المخيمات الرسمية، والمباني غير المكتملة، أو المجتمعات المحلية المضيفة. وقد كانت هناك تجاوزات خطيرة في الماضي، بما في ذلك ادعاءات بحدوث عمليات إعدام من دون محاكمة، ولا تزال هناك مخاوف عميقة حول الطريقة التي يجري بها تنفيذ العملية العسكرية في الموصل.

وعلى النازحين الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم، حتى لو اجتازوا عملية الفحص الأولية، المرور بلجنة محلية مكونة من الشرطة وقوات الأمن وزعماء العشائر، والاستخبارات. ووقد وصف الفهداوي التصريحات الأمنية التي يحصل عليه العائدون للتأكد من أنهم لا يشكلون خطراً أمنياً بأنها "مثل الحصول على تأشيرة دخول".

وكان الشيخ حميد الهايس، رئيس مجلس الإنقاذ في الأنبار – وهي مجموعة منفصلة من العشائر السنية التي كانت تشكل ما يسمى بمجالس "الصحوة" ضد تنظيم القاعدة في الفترة من عام 2006 إلى 2007 – صريحاً بشأن طبيعة عمل هذه اللجنة.

أخرج من درج ذهبي في منزله – أحد المنازل الأكثر شهرة في بغداد – ملفاً لرجال من الرمادي من الأشخاص المدانين فعلياً، الذين سيقعون في ورطة كبيرة إذا ظهروا في مداخل مدن الأنبار التي تم تطهيرها من تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال الشيخ حميد الهايس لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) وهو يستعرض كومة من الأوراق يصل سمكها إلى عدة بوصات: "لدينا نظام للبيانات". وكانت الأوراق مليئة بالصور والأسماء والجرائم وأحدث العناوين المعروفة لهذه الأسماء.

"لن نقبل بعودة هؤلاء بمعتقدات تنظيم الدولة الإسلامية ... نحن لسنا ضد الإسلام، ولكننا ضد الإرهابيين وأتحدى أن يتحدث أي [من الوعاظ المتطرفين] عن التطرف. هذا لن يحدث".

آني سليمرود/إيرين
النازحون داخلياً الذين يجري فحصهم سيقعون في ورطة إذا ما وجدت أسماؤهم في ملف حميد الهايس

من ناحية أخرى، يقول منتقدو هذه العملية أنها ليست قاطعة لهذه الدرجة، حيث يزعمون أنه يمكن حذف بعض الأسماء من القائمة برشوة. وبينما بدا الفهداوي واثقاً من أن هذا الأمر يحدث، قال مسؤولون آخرون أنه لا يمكن استبعاد ذلك.

ثم هناك أشخاص، مثل سعدية في عامرية الفلوجة، الذين يقولون أنه يتم توريط أحبائهم ظلماً وأن أسرهم قد منعت تعسفاً من العودة إلى ديارها.

وفي هذا الصدد، قالت سعدية أن أسرتها حاولت الحصول على واحدة من "التأشيرات" التي يتحدث المسؤولون عنها، ولكن اسم زوجها ظهر في القائمة السوداء في بلدتهم الأصلية. وتصر على أنه ليس لديه أي علاقة بتنظيم الدولة الإسلامية وأنه يقضي الآن أيامه في محاولة تبرئة ساحته. وقيل له أن هذا الأمر سيكلفه مبلغ 500 دولار، لكنها تقول أنه "لا يملك حتى ما يكفي لتصوير وثائقه وأجرة المواصلات".

وفي بغداد، ما يبدو وكأنه اعتراف رسمي بالأخطاء المحتملة (من وزارة واحدة على الأقل)، يثير مزيداً من الأسئلة.

قال ضياء صلال، مسؤول في وزارة الهجرة والمهجرين، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "كانت هناك تدابير أمنية قمعية ضد أسر الأبناء أو الأخوة الذين تعاونوا مع تنظيم الدولة الإسلامية ويتم الآن منعهم من العودة إلى ديارهم".

"يجب أن لا تعاقب هذه الأسر على ما فعله أبناؤها".

وبالتالي، حتى لو كان لدى زوج سعدية صلة ما بتنظيم الدولة الإسلامية، فهل تركها هي وغيرها في الصحراء الحل الأفضل؟ يبدو أن السياسيين غير متأكدين حتى الآن من كيفية حل هذه المسألة.

آني سليمرود/إيرين
يعيش فازع وأسرته في عامرية الفلوجة منذ فرارهم من تنظيم الدولة الإسلامية

دولة وقيادة منقسمة

وربما يُعد القول بأن قيادة الأنبار منقسمة من قبيل التهوين من الواقع: ففي غضون أشهر من تحرير المحافظة من تنظيم الدولة الإسلامية، طالب أعضاء البرلمان في المنطقة حل مجلس المحافظة، وفشلت جهود إقالة المحافظ. بل إن زعماء العشائر والسياسيين منقسمون منذ فترة طويلة حول ما إذا كان حتى ينبغي المشاركة في العملية السياسية في العراق.

مع ذلك، يبدو أن معظم زعماء السُنة يتفقون على شيء واحد وهو أن أبناء طائفتهم سيجبرون على المعاناة من آثام تنظيم الدولة الإسلامية. والأمر الذي صبّ مزيداً من الزيت على النار هو ما قيل عن قيام محافظ كركوك الكردي بطرد النازحين السُنة خارج المحافظة بعد هجوم شنه تنظيم الدولة الإسلامية (لكنه نفى القيام بذلك في وقت لاحق).

وتعليقاً على ذلك، قال الفهداوي: "سُنة الأنبار متهمون دائماً بالتواطؤ ... انظر فقط إلى كركوك".

وتتلخص النسخة المختصرة ربما إلى حد التبسيط من تاريخ العراق الحديث ومظالم السُنة في أن الإطاحة بصدام حسين (وحزب البعث ذي الأغلبية السُنية) في عام 2003، وتنصيب حكومة ديمقراطية في الظاهر تهيمن عليها أغلبية شيعية، أدّى إلى توتر طائفي لم يكن في السابق عاملاً رئيسياً في حياة المجتمع العراقي.

آني سليمرود/إيرين
وتجدر الإشارة إلى أن السّنة يشكلون قرابة 25 بالمائة من سكان العراق، ويرى البعض أن عملية اجتثاث البعث التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين – التي لا تزال جارية إلى حد ما- قد استهدفت على نحو ظالم زعماء سُنة حتى الذين لم يكونوا موالين للديكتاتور، لأسباب أيديولوجية وفي بعض الأحيان جنائية.

وفي هذا الصدد، أشار ريناد منصور، الخبير في الشأن العراقي في معهد تشاتام هاوس، إلى أن قادة السُنة لعبوا دوراً في تهميش أنفسهم عبر قرارهم التخلي عن السياسة المركزية، ولا يوجد في الوقت الراهن حركة سياسية حقيقية تمثل الطائفة، على الرغم من أن لديهم وزراء في الحكومة.

وقد ترك الإحباط وانعدام الفرصة فراغاً كان يشغله تنظيم القاعدة، ثم تنظيم الدولة الإسلامية من بعده. وهناك قلق من أن يحدث هذا مرة أخرى، مع مجموعة متطرفة أخرى، ومن ثم مجموعة أخرى من المظالم. والخوف الكبير هو أن يتحول اجتثاث البعثيين ببساطة إلى اجتثاث تنظيم الدولة الإسلامية.

ويرى منصور أن الحل الرئيسي لإحداث تغيير جذري في الأوضاع في محافظة الأنبار، وغيرها من المناطق، يكمن في استعادة الثقة في الحكومة المركزية والمحلية، وهي مهمة صعبة نظراً لأن السكان المحليين قد فقدوا الثقة في الكثير من قادة الأنبار.

وقال أن "السكان سوف يعودون مرة أخرى إذا علموا أن هناك حلاً دائماً لتهديد تنظيم الدولة الإسلامية، وللأسباب الجذرية التي تكمن وراء تهديد التنظيم...لأنها ليست المرة الأولى التي يرونه".

ولعل من بين هذه الأمور تحقيق المصالحة، كما يرى عدد من زعماء العشائر ومسؤولي الحكومة الذين تحدثت معهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين). بل إن بعضاً منهم وقعوا على خطة – مغلفة في مجلد أزرق – ترسم خريطة طريق شاملة، وتضم أفكاراً حول كل شيء من إعادة التأهيل إلى إعادة بناء المجتمع. وعلى الرغم من أن الخطة تبدو جيدة على الورق، إلا أنها تتوقف على توافر الأموال، وتمويلها سيكون مسألة أخرى.

وفي العراق حيث يقع انفجار كل بضعة ليالي في العاصمة ووجود خط مواجهة يبعد بضع ساعات بالسيارة، الأمن هو الأولوية المطلقة. ومن ثم، تقبع خطط المصالحة في أسفل القائمة.

آني سليمرود/إيرين

موارد محدودة؟

ووفقاً لرعد الدهلكي، عضو البرلمان من محافظة ديالى الذي يرأس اللجنة البرلمانية المعنية بالهجرة والمهجرين، تلقت الوزارة التي تحمل الاسم نفسه قرابة 40 بالمائة من ميزانيتها التي تبلغ 108 مليون دولار في عام 2016. ومن المفترض أن تحصل أيضاً على 40 بالمائة من الثلاثة بالمائة المستقطعة من رواتب موظفي القطاع العام، وسيذهب الباقي لدفع رواتب أفراد الميليشيات الذين يدعمون الجيش العراقي.

قارن هذا إلى 19 مليار دولار المتوقع إنفاقها في عام 2016 على الدفاع، وسترى غياب الحكمة، حسبما قال منصور من معهد تشاتام هاوس.

آني سليمرود/إيرين
"يبدو أن التركيز سيتواصل على المجال العسكري، لأنه هو الخيار الأسهل إلى حد ما. فمن السهل جمع مجموعة من الأسلحة والجنود والذهاب لقتال تنظيم الدولة الإسلامية. لكن من الصعب جمع هذه المجموعات معاً لإيجاد نوع من التسوية.

في الوقت الحالي، هناك نوع من التعاون غير المسبوق [ضد تنظيم الدولة الإسلامية] ... لقد آن الأوان حقاً لمحاولة التوصل إلى حلول سياسية وربطها بحل إنساني. ولكن للأسف، هذا لا يحدث وهذا ما يدعو للقلق".

من جانبها، تصر حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي على أنها تفعل كل ما في وسعها في ظل الموارد المحدودة.

وقال سعد الحديثي، المتحدث باسم رئيس الوزراء، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الحكومة "قدمت مساعدات مالية إلى نسبة كبيرة من الأسر [النازحة] المسجلة". وأضاف أن الحكومة تعمل على "إعادة تأهيل المناطق المحررة رغم الأزمة الاقتصادية"، مؤكداً أن "عملية التدقيق الأمني تسير بشكل جيد" وأن المشتبه بهم سوف يحاكمون.

وحقيقة أن بعض النازحين داخلياً تلقوا بطاقات مدفوعة مسبقاً تحتوي على 300 دولار لم يكن كافياً لإرضاء الدهلكي، النائب من ديالى، الذي عبر بهدوء عن غضبه. وقال وهو يجلس في شقته التي تقع في المنطقة الخضراء – حيث يعيش العديد من المسؤولين الحكوميين في هذه المنطقة الأكثر أمناً من المدينة – أن أزمة النزوح قد "تجاوزت" ما كان يتوقعه أي شخص في العراق، وانتقد بشدة نظام الفحص الأمني المتعجرف.

وأضاف أن "عدد العقبات التي يتعين عليهم المرور بها في هذه العملية أصعب من طلب الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة ". ومضى للتشكيك في منطقها بالكامل، متسائلاً: "ما دام الشخص يبقى خارج [بلده أو مدينته] فهو على ما يرام، ولكن عندما يذهب إلى داره فهو إرهابي؟"

وبالعودة إلى عامرية الفلوجة مرة أخرى، تقول سعدية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنها ستذهب إلى دارها حتى لو أصبح ركاماً: "لدي أشجار سأنام تحتها". ثم ما تلبث أن تتحول ابتسامتها الخفيفة إلى ابتسامة عريضة، وتقول: "عندما أعود، سوف أنثر الحلوى في الهواء".

الجزء الثاني: الحياة على الهامش في مسجد في العراق

as/ag-kab/dvh