أربيل، 12 أكتوبر 2016

يجلس أحمد قصي القرفصاء على الأرض في مسكنه المؤقت خارج أربيل، ويرفع ابنه الأصغر من فوق مرتبة على الأرضية الخرسانية، ويقبّله على وجنته.

 

 

يهز العامل السابق في مجال النفط والبالغ من العمر 42 عاماً الطفل يميناً ويساراً في محاولة لتهدئة صرخاته المتعبة. من الصعب أن تجد مكاناً هادئاً في مخيم ديبكة المكتظ بالنازحين الذي اتخذه قصي مسكناً له ولأسرته طوال الأشهر الثمانية الماضية.

وفي الأفق، تتصاعد سحابات الدخان السوداء من حقول النفط المجاورة كتذكرة بالحياة التي كان قصي يعيشها ومؤشرٍ على مدى تطور الحرب ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.

جيك نوتن/إيرين
ولد الابن الأصغر لأحمد قصي داخل المخيم

وفي أواخر شهر أغسطس، قال الجيش العراقي وحلفاؤه أنهم قد حرروا القيارة، مسقط رأس قصي، من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن ليس قبل أن يقوم التنظيم بإشعال النيران في آبار النفط خلال الهجمات المضادة المستمرة وتدمير المنزل الذي كان قصي قد شيده لأسرته. واليوم، يتدفق النفط في الشوارع من جراء الهجمات على خطوط الأنابيب القريبة.

ومثل آلاف الرجال في هذا المخيم، كان قصي يعمل في شركات الطاقة الغربية في الماضي، ويتولى حراسة أعظم ثروة تمتلكها حكومة إقليم كردستان المتمتعة بحكم شبه ذاتي - وهي النفط والغاز الموجودان تحت الأرض. والآن، ولتعطش تنظيم الدولة الإسلامية نفسه للنفط، فإنه يقضي أيامه في تنظيف الحاوية السابقة التجهيز التي يتخذها مأوى له والمشي في ممرات المخيم.

وعلى الرغم من غضبه الشديد من تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن لدى قصي إحباطات أخرى تشير إلى تحديات كبيرة تواجه مستقبل حكومة إقليم كردستان في فترة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية نظراً لرغبة فصائل سياسية وعسكرية في انتهاز الفرصة لتغيير الحصص في صناعة النفط.

"لم نكن سعداء بالمعيشة هناك. لم نكن نحصل على أي فوائد من النفط الذي كنا نتولى حمايته. لقد أخذت الحكومة النفط ورفضت العمل مع السكان المحليين،" كما أوضح قصي وهو يشير إلى مشاهد الاشتباكات في مسقط رأسه على شاشة تلفزيونه.

الضغوط الاقتصادية

كان قصي وأصدقاؤه يحرسون حقول النفط عندما اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية العراق في مطلع عام 2014. وكان قد تم تدريبهم من قبل شركات النفط الأجنبية التي وصلت بشكل جماعي بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، واعدة بتطوير إمكانات الإقليم.

شهد الإقليم سنوات جيدة وفي عام 2014، كان الحديث عن "معجزة" اقتصادية كردية لا يزال مستمراً مع زيادة الصادرات ومعدلات النمو بشكل مطرد. وعاد أكراد من الشتات للمشاركة في النهضة العمرانية المدعومة بالنفط.

جيك نوتن/إيرين
منظر أربيل من فندق ديفان، وهو مكان مفضل لدى المغتربين والنخبة الكردية

ولكن تلك الأيام ولت. فمع انخفاض أسعار النفط العالمية، لحقت أضرار بالغة باقتصاد إقليم كردستان الذي يعتمد على النفط. ثم، بعد احتلال الرمادي والفلوجة، ركز تنظيم الدولة الإسلامية جهوده باتجاه الشمال وبدأ يسعى لاحتلال البلدات النفطية كالموصل وتكريت بضراوة أكبر، مما أدى إلى مزيد من الانخفاض في إنتاج النفط وإيراداته.

ويعني هذا، جنباً إلى جنب مع الضغط الناجم عن استضافة أكثر من مليون نازح داخلياً و200,000 لاجئ سوري على الأقل، أن حكومة إقليم كردستان تواجه الآن ورطة اقتصادية خطيرة.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية، قال ريبر صديق، نائب المستشار المالي في حكومة إقليم كردستان أن "حكومة إقليم كردستان بحاجة إلى أكثر من مليار دولار شهرياً لتلبية احتياجاته. انخفض دخلنا الشهري الآن إلى 40 بالمائة من ما كان لدينا قبل الحرب مع تنظيم الدولة الإسلامية. ولا نستطيع توفير المال لتغطية نفقات الاستثمار لأن إنتاج [النفط] أقل بكثير من نفقاتنا. كما توقفت مشاريع كثيرة".

ولم يكن الاستثمار وحده الذي تباطأ. لم يحصل موظفو الخدمة المدنية على رواتبهم كاملة منذ ما يقرب من عام، وفي أكبر مستشفى عام في العاصمة أربيل، يتقاضى الأطباء 500 دولار فقط في الشهر - أي أقل بنحو 2,000 دولار عن ما كانوا يتقاضون قبل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية. ويعمل الكثيرون منهم في عيادات خاصة ليلاً.

"إنني أنتمي لعائلة غنية، ولذلك ليس لهذا الأمر تأثير علي،" كما يقول مدير المستشفى، وهو يدخن سيجارة ويشاهد نقالات المرضى تمر أمامه.

لكنه أشار إلى أن ميزانية المستشفى لا تتجاوز 13,000 دولار شهرياً. وأضاف قائلاً: "إنني أشعر بالأسى لحال الأشخاص الذين يعملون لدي. إنهم يشتغلون بثلاث أو أربع وظائف أخرى. وفي بعض الأحيان، لا يأتون للعمل وأشعر أنني لا أستطيع الصياح في وجوههم. إنهم بحاجة إلى كسب المال".

وفي أماكن أخرى من العاصمة، يكتظ الأطفال في الفصول الدراسية الموحدة في المدرسة الابتدائية المحلية، ويتنافسون للحصول على مقاعد نظراً لانخفاض أعداد المعلمين.

ولم تعد العديد من ماكينات الصرف الآلي في جميع أنحاء المدينة مليئة بالنقود. لكن بالقرب من المطار الدولي، لا يزال تجار النفط الدوليون والمقاولون، وكذلك موظفو الحكومة الذين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بسوق النفط في الإقليم يقيمون في العمارات السكنية الفاخرة المكونة من 50 طابقاً والمزينة بالثريات المصنوعة من الكريستال.

وفي أحد الأسواق المحلية في وسط المدينة، يفكر الرجال الذين يعملون في محلات الذهب والفضة في إغلاق واجهات متاجرهم. وقال أحد أصحاب المتاجر أن حجم العمل قد انخفض بنحو 20 بالمائة منذ بداية العام.

جيك نوتن/إيرين
يزيديون نازحون في مخيم مؤقت مقام في موقع بناء مهجور كان مخصصاً لتشييد فندق فاخر في واحد من أغنى أحياء أربيل

بغداد ضد أربيل

تخوض بغداد وأربيل حرباً على النفط منذ عدة عقود، وتقع في قلب هذه المعركة محافظة كركوك الغنية بالموارد.

وتجدر الإشارة إلى أن الأكراد قد استغلوا الانهيار شبه التام للجيش العراقي في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية للسيطرة على النفط الذي كان في السابق تحت قبضة بغداد في مناطق رئيسية من كركوك.

من جانبها، خفضت بغداد حصة الأكراد من الميزانية الاتحادية في يناير 2014 (مع تقديم كميات غير منتظمة منذ ذلك الحين)، رداً على قرار الإقليم بتصدير النفط بشكل مستقل. ويتركز نزاعهما حول كركوك وتوزيع حصص عائدات النفط المصدر منها، وفي وقت سابق من هذا العام، توقفت صادرات كركوك تماماً. أعلنت بغداد وأربيل عن التوصل إلى اتفاق في شهر سبتمبر، بموافقة وتأييد الولايات المتحدة، وتم بموجبه استئناف العمل في حقول كركوك وتقسيم الإيرادات بين الحكومتين. ويقال أن الاتفاق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتعاون بين الميليشيات الكردية والقوات العراقية استعداداً للمعركة القادمة لتحرير الموصل.

ولا يزال النزاع حول الصادرات الكردية المستقلة مستمراً، ويعتقد بعض المسؤولين الأكراد أن الحل هو التقسيم. ولم يعقد برلمان إقليم كردستان نفسه أي جلسات منذ عدة أشهر، وهناك خلاف بين اثنين من الأحزاب السياسية الرئيسية حول كيفية تقسيم السلطة في الوزارات.

وفي هذا الشأن، قال فؤاد حسين، وهو عضو في لجنة النفط والغاز المحلية في كركوك، لشبكة الأنباء الإنسانية أن تعثر الاقتصاد قد أجبر بعض السكان المحليين على الانتقال إلى مخيمات النازحين لضمان الحصول على "الطعام والمياه بشكل منتظم" على الأقل.

وليست هناك أية علامة على وجود الثروة النفطية في ضواحي كركوك، باستثناء ألسنة اللهب البرتقالية التي ترتفع من المصافي على الطريق من أربيل.

جيك نوتن/إيرين
الطريق إلى حقول النفط في كركوك التي تضم أكبر احتياطيات الإقليم وأكثرها إثارة للجدل

توجد نقطة تفتيش صغيرة - كرسي بلاستيكي ومخروط صغير ورجلان - تحرس مدخل بلدة الدبس حيث المباني متداعية والعديد منها بلا سقوف. الشوارع ليست معبدة، ويوجد مطعم واحد فقط يقدم السمك الذي يتم صيده من نهر قريب.

وخلف القرية، على بعد حوالي خمسة أميال، توجد حقول النفط التي تدر كميات هائلة من الأموال النقدية للحكومة ويحميها بعض الجنود الأفضل تدريباً وتسليحاً في الإقليم بأسره.

وقد أوضح القائد أمل كركوكي، وهو أحد قادة البشمركة والمسؤول عن الجنود الذين يحرسون النفط والغاز في الدبس والمناطق المحيطة بها، أن وظيفة المقاتلين هي "ضمان وقف هجمات تنظيم الدولة الإسلامية على هذه الأنابيب".

وأشار إلى المعارك التي دارت في العامين الماضيين، متحدثاً عن صور لمنازل سرية وأنفاق كانت تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية تمت مصادرتها بعد الغارات. "كل حركة قمنا بها كانت تهدف إلى حماية النفط،" كما أضاف في إشارة إلى المعركة الرئيسية التي نشبت في عام 2015.

أربيل ضد أربيل

وقد تسببت الخلافات حول النفط في مزيد من الانقسامات بين الأطراف السياسية المتناحرة في حكومة إقليم كردستان، وكذلك بين الحكومة وشعبها.

وتفيد التقارير الواردة أن الفساد المسؤول عن حجب عائدات النفط عن الشعب الكردي منتشر على نطاق واسع، وهو موضوع للنقاش بين السكان المحليين.

ويقول قاسم عاصي البالغ من العمر 32 عاماً وهو مدرس من بلدة في محافظة أربيل: "تحول وضعنا إلى ما هو عليه ليس بسبب الحرب فقط، بل لأن الحكومة ليست لديها خطة لادخار المال".

وأضاف قائلاً: "إذا لم تتوقف الأحزاب السياسية في حكومة إقليم كردستان عن القتال وتتخذ قرارات، فكيف من المفترض أن تحرز تقدماً مع بغداد؟"

جيك نوتن/إيرين
مخيمات النازحين المكتظة تبدو بعيدة كل البعد عن سنوات الازدهار في إقليم كردستان

وتتفاوت التقديرات حول حجم الفساد، ولكن تقريراً صادراً عن معهد بروكينغز في عام 2013 قدّر خسائر العراق بسبب الفساد وسوء الإدارة بنحو 20 مليار دولار في ذلك العام وحده. ولكن هذا يشمل كافة أنحاء العراق.

وفي السياق نفسه، زعم بعض المسؤولين في حكومة إقليم كردستان أن وزارة الموارد الطبيعية في الإقليم تسيء إدارة المال العام الذي يقدّر بعشرات الملايين من الدولارات التي تجلبها صناعة النفط.

ولم تخضع الوزارة لمراجعة حسابات مستقلة واحدة منذ تأسيسها قبل نحو 10 سنوات، على الرغم من أنها تعكف حالياً على التعاقد مع شركة محاسبة دولية للقيام بهذه المهمة.

وفي حين رفض ممثلون عن الوزارة التحدث إلى شبكة الأنباء الإنسانية، قال مسؤولون في وزارة المالية أن معظم الأموال الواردة من وزارة الموارد الطبيعية تذهب مباشرة إلى رواتب موظفي القطاع العام. مع ذلك، لم يحصل موظفو القطاع العام على رواتبهم.

وقد مثل شيركو جودت، وهو عضو في البرلمان ولجنة النفط والغاز، مؤخراً أمام المحكمة أنه اتهم وزارة الموارد الطبيعية باختلاس أموال. ولم يصدر حكم بعد في قضيته، وهو يرفض التراجع عن توجيه تلك الاتهامات.

وقال جودت لشبكة الأنباء الإنسانية: "إن النفط للسياسيين فقط. نحن نعرف كل شيء عن كافة المنازل التي بُنيت بهذه الأموال".

المستقبل

وعلى الرغم من كل ما حدث من انحراف، فإن الكثير من آمال التعافي في فترة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال معقوداً على النفط. ويقول سياسيون محليون أنهم يحاولون ضمان استفادة الناس من ما تبقى من هذه الصناعة والموارد الطبيعية المتوفرة في الإقليم.

ويقول فؤاد حسين من مجلس محافظة كركوك أنه يفعل كل ما في وسعه لإعادة حقوق النفط إلى أهل المدينة.

وأضاف حسين في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية: "لقد وعدت بتلبية احتياجات النفط في المدينة، والنفط يقع في قلب القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة بنا. تأخذ الحكومة كل نفط وأموال كركوك. إن كركوك هي أغنى مكان عندما يتعلق الأمر باحتياطيات النفط، لكنها تضم أفقر الناس".

ويقول حسين أنه حاول في العام الماضي عقد لقاءات مع المسؤولين في بغداد ووزارة الموارد الطبيعية في أربيل لعرض وجهة نظره الداعية إلى ضخ المزيد من عائدات النفط في الاقتصاد المحلي لإقامة مشاريع البنية التحتية.

لكن هذه الاجتماعات لم تتم. مع ذلك، يعد حسين بأنه "رجل المجتمع المحلي" ويبذل "كل ما في وسعه لإبلاغ الناس عن التقدم الذي حققه".

والجدير بالذكر أن مسؤولين مثل حسين هم همزة الوصل الوحيدة بين أشخاص مثل قصي وصناع القرار في وزارة الموارد الطبيعية، لكنه يعترف بأنه لم يعقد منتدى أو اجتماعاً مجتمعياً واحداً مع السكان المحليين منذ انتخابه.

جيك نوتن/إيرين
تستضيف حكومة إقليم كردستان أكثر من مليون نازح وأكثر من 200,000 لاجئ سوري

وفي هذه الأثناء، يظل أناس مثل قصي في طي النسيان. فمن غير المرجح أن يتمكن من العودة إلى داره في وقت قريب، ولن تتحقق نتائج جيدة بالنسبة له ولأسرته ما لم يتحسن الاقتصاد، كما يقول.

وعلى الرغم من الغضب الذي يصبه قصي على الحكومة وشركات النفط الغربية، فإنه يتحدث عن الفترة التي قضاها في دوريات وحراسة النفط بكل فخر واعتزاز. ويقول أنه يفتقد الوقت الذي قضاه في حراسة ما أصبح أثمن مورد في المنطقة الكردية.

"قضيت كل يوم لما يقرب من ست سنوات في التدريب مع الغربيين، وتعلم أشياء عن النفط - كيفية حمايته، وكيفية عمله، وأشياء من هذا القبيل. لقد عملنا في جميع أنحاء البلاد، وكنا نقوم بدوريات في السوق السوداء في الأنبار،" كما أفاد.

"عندما جاء الأمريكيون إلى العراق، قالوا لنا أننا سوف نعيش في قصور بفضل الاستثمارات النفطية التي سوف تتدفق إلينا، لكنهم لم يخبرونا بأننا سوف نعيش بهذه الطريقة،" كما تذكر قصي وهو يعيد توجيه بصره نحو أولاده الذين كانوا يغسلون أقدامهم بخرطوم ماء في زاوية من زوايا الحاوية الخاصة بهم.

(الصورة الرئيسية: رجال ينتظرون في طابور لتوزيع الطعام في مخيم ديبكة. جيك نوتن/إيرين).

eb/as/ks-ais/dvh