العراق: بلد لا يناسب الشباب

الحكومة العراقية لا تقدم أي مستقبل وتجازف بالكثير

يحارب سيف ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية لكسب لقمة العيش لكنه بالكاد يستطيع دفع فواتيره. أما فالح فيسعى جاهداً لمغادرة العراق، لكنه لا يستطيع الحصول على تأشيرة بينما يعمل عبد الله في الحكومة ويقول أنها فاسدة.

 

هؤلاء الشبان الثلاثة هم من بغداد وجزء من جيل يوصم بأنه مفقود وفوضوي ومهيأ للتطرف، لكن الحقيقة هي أنهم يشعرون بأنهم محرومون من حقوقهم بسبب المستقبل الذي تقدمه الحكومة الحالية.

"من خلال فشلها في تقديم رؤية وآفاق ملموسة للمستقبل، تفرض [الحكومة] على الشباب قيود العمل من خلال رعاية، فإما أن تدفعهم إلى القتال -  في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية أو الميليشيات الشيعية - أو تدفعهم إلى الهجرة،" كما حذرت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير أصدرته مؤخراً.

"إنهم أهم مورد في البلاد، والتخلي عنهم يمكن أن يحولهم إلى أهم تهديد للأمن القومي والإقليمي،" كما أضاف التقرير.

ويتفق الشباب العراقيون، من السنّة والشيعة على حد سواء، على عدم وجود شيء يُذكر يمكن التطلع إليه في بلد تدور المحادثات الخاصة والاحتجاجات العامة فيه حول سوء مستوى الخدمات والفساد والعنف اليومي.

ويتشدق السياسيون بالإصلاح، ولكنهم يرفضون الحديث عن تخفيض سن الترشح والأشياء الأخرى التي تجتذب الناخبين الشباب ويعتبرونها نوعاً من الحيل الانتخابية قبل انتخابات مجالس المحافظات المهمة في عام 2017 والانتخابات البرلمانية في العام التالي. وسوف يحتاج الأمر إلى أكثر بكثير من صفحات الفيسبوك لإقناع الشباب العراقيين بأن مستقبلهم ليس مظلماً.

وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، لقي 473 مدنياً عراقياً مصرعهم جراء أعمال الإرهاب والعنف والصراع المسلح في شهر أغسطس وحده، من بينهم 231 في محافظة بغداد. وقد نزح ما يقرب من 3.4 مليون عراقي منذ بدء النزاع مع تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014. وفي الأسبوع الماضي، زعمت منظمة هيومن رايتس ووتش أن المليشيات المتحالفة مع الحكومة العراقية تقوم بتجنيد الأطفال في هذا النزاع.

وتجدر الإشارة إلى أن الشبان الذين نشؤوا منذ سقوط نظام صدام حسين لديهم خيارات محدودة: فرص عمل قليلة ورواتب متدنية. وكما أوضح تقرير مجموعة الأزمات الدولية، يجب على العراقيين، بحكم الأمر الواقع، ايجاد وسيلة لدخول سوق العمل عن طريق نظام الرعاية الحكومية، أو الانضمام إلى إحدى الميليشيات، أو مغادرة البلاد - وقد تقدم ما يقرب من 149,000 عراقي بطلب للحصول على حق اللجوء في أوروبا في عام 2015.

وبينما تركز الحكومة العراقية والمجتمع الدولي الأوسع على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، يتجاهلون شبابهم - ناهيك عن شاباتهم - وهي مخاطرة يتحملونها على مسؤوليتهم الخاصة.

وفيما يلي نعرض كيف تبدو الأمور من وجهة نظر سيف وفالح وعبد الله:

أحد أفراد المليشيات - سيف عبد الجبار، 28 عاماً

هل تجد صعوبة في العثور على عمل؟

عندما توفي والدي، اضطررت إلى ترك المدرسة [الثانوية] لرعاية أسرتي ... عملت كعامل بناء. إنه عمل شاق، ولكن كان من السهل الحصول عليه. وعندما استولى تنظيم الدولة الإسلامية على أراضي عراقية وبعدما [أصدر الزعيم الشيعي الأكثر نفوذاً في العراق آية الله العظمى علي السيستاني فتوى تحث المؤمنين على القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية في يونيو 2014]، انضممت إلى قوات الحشد الشعبي.

لم أتمكن من العثور على وظيفة حكومية على أي حال لأنهم طلبوا 5,000 دولار [رشوة]، وأنا لم أكسب مبلغاً كهذا طوال حياتي.

لقد أصبح من الصعب حقاً العثور على وظيفة جيدة في العراق، وكأنك تبحث عن إبرة في كومة قش. العمل متاح فقط للأشخاص الذين لديهم صلات بمسؤولين حكوميين أو يستطيعون دفع المال.

هل تكسب ما يكفي لتدبر أمورك؟

على الرغم من أن راتب الميليشيا لا يغطي كل نفقاتي، لكنه لا يزال أفضل من لا شيء. أنفق نصف راتبي على الإيجار وأعطي الباقي لأمي.

لقد دفع الاكتئاب واستمرار العنف بعض الناس للانضمام إلى الجماعات المسلحة لأنها تعرض مبالغ جيدة. إنه نفس السبب الذي يدفع الناس إلى مغادرة البلاد.

إنها وظيفة عالية المخاطر لأننا نتعامل مع إرهابيين. يمكن أن أموت في أي لحظة، ولكن ليس لدي خيار آخر.

لقد أصبح من الصعب حقاً العثور على وظيفة جيدة في العراق، وكأنك تبحث عن إبرة في كومة قش.

هل ترغب في البقاء في العراق؟

أتمنى أن أرحل وأنشئ أسرة خارج العراق، ولكنني مضطر للبقاء هنا مع أمي وأخوتي لأنني الأكبر سناً ويتعين علي رعاية الأسرة.

كنت سأرحل منذ سنوات إذا سنحت لي الفرصة. إن المستقبل في العراق مجهول وخطير بسبب هذه الفوضى السياسية والأزمة الأمنية المستمرة.

هل تعتقد أن لدى السّنة والشيعة فرصاً متساوية؟

[أنا شيعي] وأقول لا توجد عدالة بين الشيعة في العراق، فكيف لنا أن نتصور العدالة بين السنّة والشيعة والطوائف الأخرى؟

تعاني طائفة السنّة تحت إمرة حكومة يهيمن عليها الشيعة، ويعاني الشيعة من هذه الحكومة أيضاً.

ما رأيك في النظام السياسي العراقي؟

الوضع السياسي في العراق هو لعبة قذرة يلعبها السياسيون الذين يسرقون كل شيء، حتى أحلامنا وتطلعاتنا ... إنهم لا يخدمون إلا أنفسهم.

نحن نشعر بالاكتئاب بسبب كل الوقت الذي يضيع في الانتخابات. ولو كان الأمر بيدي لفصلت جميع السياسيين من وظائفهم.

هل لديك أمل لمستقبل العراق؟

أتمنى أن أكون متفائلاً، ولكن حتى الآن لا توجد مؤشرات إيجابية.

خليل المرشدي/إيرين
محاربة تنظيم الدولة الإسلامية عمل خطير ولكنه يدر دخلاً

المهاجر المحتمل - فالح البغدادي، 25 عاماً

أنت حاصل على درجة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر، ولكنك تعمل كمترجم. هل وجدت صعوبة في العثور على وظيفة بعد التخرج؟

يمكنك الحصول على وظيفة بعد التخرج ولكن من الصعب أن تجد وظيفة أحلامك أو وظيفة تعتقد أنها جيدة. ولكن في نهاية المطاف، ينبغي أن تعمل حتى لو كان ذلك في غير مجال تخصصك.

واجهت الكثير من المشاكل عند محاولة البحث عن وظيفة. كانت محاباة الأقارب هي الأمر الأسوأ. إذا لم تكن لديك صلات، يكون العثور على وظيفة أكثر صعوبة. كما أن الأجور متدنية وساعات العمل طويلة.

هل تكسب ما يكفي من المال لتدبر أمورك؟

أكسب ما يكفي لدفع الفواتير والبقاء على قيد الحياة، ولكن من المستحيل شراء منزل [الرواتب منخفضة جداً]. ولا أفكر حتى في ذلك الأمر.

هناك الكثير من المشاكل في بغداد. إنه ليس بالأمر السهل. المشكلة الأولى والأكثر أهمية هي الوضع الأمني؛ والثانية هي الكهرباء؛ والثالثة هي الماء؛ والرابعة هي الصرف الصحي. لا توجد بنية تحتية جيدة في البلاد.

هل تريد البقاء في العراق؟

لقد قررت أن أحاول مغادرة البلاد. لقد ولدت ونشأت هنا. إنها ليست خطوة سهلة أن أترك كل شيء وأذهب إلى بلد جديد وأبدأ من الصفر.

ولكنني لم أجد وسيلة جيدة لمغادرة البلاد بعد. إذا أتيحت لي فرصة سوف أنتهزها.

أنت سنيّ. هل تعتقد أن لدى السّنة والشيعة فرصاً متساوية؟

هناك تكافؤ فرص، ولكن فقط للشيعة أو السنّة الذين لديهم صلات بسياسيين أو ينتمون إلى أحزاب سياسية. أما الناس العاديون فيعيشون في جحيم.

ما رأيك في النظام السياسي العراقي؟

تسعون بالمائة من الساسة العراقيين نشالون ولصوص. لقد دخلوا معترك السياسة لكسب المال، وأسرهم تعيش في الخارج. إنهم لا يخدمون إلا أحزابهم وجيوبهم. أود أن أرى العراق يحكمه نظام ملكي، أعتقد أنه أفضل فرصة لهذا البلد.

هل تعتقد أنك يمكن أن تبني مستقبلاً هنا في بغداد؟

إنني أعمل فقط لدفع الفواتير والبقاء على قيد الحياة. المستقبل مجهول لجميع العراقيين، ولذلك لا أرغب في إقامة أسرة هنا. لا أفكر حتى في الزواج أو الأطفال في الوقت الراهن. الحياة معقدة للغاية.

ليست لدي رؤية واضحة بشأن ما يخبئه مستقبل العراق ... إنها تغيير في كل لحظة.

الموظف الحكومي - عبد الله سعد، 31 عاماً

هل كان من الصعب العثور على وظيفة؟

يدرس الكثير من العراقيين لعدة سنوات، وبعد ذلك لا يتمكنون من العثور على وظيفة بعد التخرج. كنت محظوظاً في الحصول على هذا العمل، ولكن الراتب لا قيمة له عند مقارنته بغلاء المعيشة والمخاطر التي نواجهها كل يوم.

إذا كنت موظفاً حكومياً ولست فاسداً، فلن تكسب أبدا ما يكفي من المال لشراء منزل.

هناك صعوبات كثيرة في بغداد: اختناقات مرورية، ونقص الكهرباء، وانعدام الأمن، ووضع سياسي غير مستقر، وغياب القانون والنظام. لقد تم تدمير كل شيء، حتى البنية التحتية.

هل تريد البقاء في العراق؟

أفكر في مغادرة البلاد، غالباً بسبب الوضع الأمني ​​وغياب القانون والنظام. نحن نعيش في غابة.

أنت سنيّ. هل تعتقد أن لدى السنّة والشيعة فرصاً متساوية؟

في السابق، كان الشيعة يتمتعون بأولوية الحصول على وظائف [حكومية]، ولكن يجد السنّة والشيعة على حد سواء الآن صعوبة في العثور على وظيفة دون محاباة الأقارب. الأجهزة الأمنية طائفية بشكل واضح والشيعة هم الوحيدون الذين يستطيعون الحصول على عمل في مجال الأمن.

ما رأيك في النظام السياسي العراقي؟

لقد فشل النظام الأمني في العراق بسبب الناس الذين يحكمون البلاد. لقد بثوا الطائفية والفساد، ولذلك يحتاج السياسيون والنظام السياسي إلى إعادة هيكلة كاملة.

إن مستقبل العراق أسود، وأنا لست متفائلاً على الإطلاق.

رفض سيف وفالح وعبد الله التقاط صور لهم بسبب مخاوف أمنية.

(الصورة الرئيسية: شاب يبيع الزهور في بغداد. خالد المرشدي/إيرين)

str-as/ag-ais/dvh