دراجات مفخخة

الإرث المرعب لمتفجرات تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا

توم ويستكوت

صحافية مستقلة ومساهمة منتظمة في إيرين

تحت شمس الظهيرة الحارقة وأصوات دوي المدفعية الثقيلة وطلقات الكلاشنيكوف، يقوم ثلاثة رجال على الساحل الليبي بإبطال مفعول الألغام باستخدام كماشة كالتي يستعملها الكهربائيون. يرتدي هؤلاء سترات واقية من الرصاص وخوذات لن تفيدهم في شيء إذا انفجر أحد الألغام.

 

 

"إذا ارتكبت خطأ واحداً هنا، ستكون في عداد الأموات،" كما قال محمد* البالغ من العمر 40 عاماً في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

يحمل محمد ثلاث عبوات معطلة حديثاً، بما في ذلك صخرة تبدو وهمية معبأة بالمتفجرات. يزيلها من ساحة المعركة في سرت، حيث تقترب القوات الليبية من هزيمة ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية.

لقد خلّفت ألغام الجماعة المسلحة وعبواتها الناسفة المرتجلة بالفعل مئات القتلى والمشوهين في صفوف المقاتلين الليبيين. وبينما تواصل القوات الحكومية تقدمها إلى وسط المدينة، تكافح وحدات إزالة الألغام السيئة التجهيز لمواجهة التداعيات.

وتحجم المنظمات الدولية المتخصصة في إزالة الألغام عن العمل في ليبيا - وهو موقف ازداد تعقيداً بوفاة خبير إزالة ألغام بريطاني في مدينة الرمادي العراقية يوم الإثنين الماضي - وبالتالي، فإن هذه المتفجرات تهدد بترك إرث مرعب للمدنيين بعد انتهاء الحرب بفترة طويلة.

يعانون من نقص الموظفين وغير متأهبين

وعلى بعد 200 متر فقط أمام محمد وزملائه، هناك دراجة طفل في منتصف الطريق. تبدو كشيء بريء، ولكن الرجال رصدوا فخاً في صورة سلك رفيع يصل الدراجة بقذيفة دبابة جاهزة للتفجير.

سيحاول أي شخص يريد استخدام الطريق أن يحرك الدراجة مما سيؤدي إلى تنشيط آلية التفجير. إضافة إلى هذا الخطر، يوضح محمد أن هناك ألغاماً مزروعة تحت الأرض على جانبي الطريق أيضاً.

وقد تم استدعاء وحدته - التي تتبع جهاز استخبارات إحدى حكومات ليبيا الثلاث - للمساعدة عندما وجد المقاتلون الليبيون أنه ليس بمقدورهم التخلص من الأعداد الهائلة من الألغام والعبوات الناسفة في مدينة سرت.

وقد بدأ الهجوم على المدينة، بقيادة مقاتلين من حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة والحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والتي ينتمي إليها محمد، في شهر مايو الماضي.

وقد وضع هذا الموقف مهارات محمد على المحك حقاً. وقال محمد، الذي تلقى تدريبه في الولايات المتحدة في عام 2004، أن تنظيم الدولة الإسلامية استخدم تكتيكات لم يسبق له أن رأى لها مثيلاً من قبل. فقد ترك المتشددون المنسحبون وراءهم العديد من العبوات الناسفة في كل حي من أحياء المدينة، والكثير منها في صورة أشياء من الحياة اليومية أو متصل بها.

وأضاف قائلاً: "هذه الأشياء لم تكن موجودة من قبل في ليبيا. ونحن لم نر مجموعة من العبوات الناسفة كهذه قط".

وتم توصيل الأبواب والنوافذ وحتى المفروشات بالمتفجرات. وكان أثرها على القوات الليبية فتاكاً، إذ قال العميد محمد الغصري، المتحدث باسم العملية العسكرية في سرت، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية أن الألغام والعبوات الناسفة قتلت أكثر من 80 بالمائة من الـ400 مقاتل الذين لقوا حتفهم وأصابت 20 بالمائة من الـ2,000 الآخرين الذين أصيبوا بجروح.

ومن بين القتلى أربعة قادة لوحدات الهندسة العسكرية التي تتخصص في تعطيل العبوات الناسفة وإزالتها. وفقد ضابط آخر متخصص في إزالة الألغام ذراعيه عندما انفجرت عبوة ناسفة كان يعمل على إبطال مفعولها.

"لو كان المجتمع الدولي قد ساعدنا في هذا الأمر، لأمكننا تجنب الكثير من سفك الدماء والخسائر"

"لم تقدم لنا أي منظمات دولية أو حكومات أي مساعدة في عمليات إزالة الألغام أو حتى وفرت لنا المعدات التي نحن في أمس الحاجة إليها، مثل أجهزة الكشف عن المعادن للبحث عن الألغام،" كما اشتكى الغصري، مضيفاً: "لو كان المجتمع الدولي قد ساعدنا في هذا الأمر، لأمكننا تجنب الكثير من سفك الدماء والخسائر".

وأفاد الغصري أن الوحدات الهندسية قامت بتفكيك 200 عبوة ناسفة في الأسبوعين الماضيين فقط، "لكننا نكتشف المزيد كل يوم، بما في ذلك المتفجرات المتصلة بسلك الصيد الشفاف في منازل المدنيين".

وفي المناطق المحررة مؤخراً في مدينة سرت، اكتشف المقاتلون مصانع بدائية كان تنظيم الدولة الإسلامية يستخدمها لصناعة المتفجرات بطرق يدوية، بما في ذلك قنابل يدوية وقنابل وعبوات ناسفة.

توم وستكوت/إيرين
جندي ليبي يعرض غرفة في محطة كهرباء سابقة كان تنظيم الدولة الإسلامية يستخدمها لتجميع القنابل

وفي مزرعة مترامية الأطراف في حي الدولار بمدينة سرت، الذي كان في السابق منطقة فاخرة تعج بالفيلات ومفضلة لدى حاشية الحاكم السابق معمر القذافي، وجد الجنود العشرات من أكياس الأسمدة مكدسة بجوار مكونات معدنية، استعداداً لتعبئتها في قنابل لصنع شظايا قاتلة.

كما كانت هناك وصلات أنابيب محشوة بالمتفجرات، ورفوف مليئة بالمواد الكيميائية والأقنعة الواقية من الغازات، وكذلك "وصفات" لصناعة القنابل.

وبالإضافة إلى هذه المخزونات الحضرية، يتعين على المقاتلين التعامل مع المساحات الصحراوية والمناطق الريفية المكشوفة على طول الساحل، التي كان تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر عليها حتى وقت قريب.

"نحن بحاجة ماسة إلى مساعدة وتقنيات خاصة للكشف عن العبوات الناسفة والألغام،" كما أفاد صلاح، الضابط في الجيش الليبي، وهو يقف على مدرج مطار متفحم خارج أنقاض مركز شرطة تم تدميره قبل شهرين بسيارة مفخخة وضعها تنظيم الدولة الإسلامية في قرية أبو قرين.

وتجدر الإشارة إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية قد زرع الألغام بكثافة في صحراء أبو قرين النائية، التي تبعد 150 كيلومتراً إلى الغرب من مدينة سرت. ومثل الغصري، قال صلاح أنه حتى أجهزة الكشف عن المعادن ستكون بمثابة عون كبير: "إنها تكنولوجيا رخيصة ولكننا حقاً بحاجة إلى الكثير منها".

تهديد لسلامة المدنيين

وبمجرد أن تقضي القوات الليبية على تنظيم الدولة الإسلامية في سرت، ستستغرق إزالة الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة من المدينة خمسة أشهر أخرى على الأقل، بحسب تقديرات الغصري.

والجدير بالذكر أن عدة منظمات إنسانية دولية معنية بإزالة الألغام، بما في ذلك المنظمة الدولية للمعوقين والمجموعة الاستشارية للألغام (MAG International)، كانت نشطة في ليبيا بعد انتفاضة عام 2011 حتى أجبر القتال الذي اندلع في طرابلس عام 2014 السفارات والمنظمات الدولية على الفرار من البلاد، واستمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا، بما في ذلك العاصمة، يجعل غالبية تلك المنظمات حذرة بشأن العودة.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية، قالت غيل غيب، مساعدة جمع التبرعات والاتصالات في المجموعة الاستشارية للألغام: "المجموعة الاستشارية للألغام لا تعمل في ليبيا وليست لدينا حالياً أي خطط للبدء من جديد". وحتى سبتمبر 2013، قالت المجموعة الاستشارية للألغام وحدها أنها أزالت أكثر من 495,000 ذخيرة متفجرة من مخلفات الحرب في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك تلك التي وجدت في مخزونات الذخيرة.

وفي الوقت الراهن، يشعر السكان المحليون الذين كانوا يعيشون في السابق في مناطق تخضع لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية بالخوف من أن يؤدي أي تعثر عرضي إلى وفاتهم.

في منطقة الغردابية جنوب سرت، رفض مدرس سابق الكشف عن اسمه نظراً لاستمرار خوفه الشديد من انتقام تنظيم الدولة الإسلامية، وقال أن المتفجرات هي الآن أكبر مخاوفه، بعد رحيل التنظيم، ودعا المجتمع الدولي إلى تقديم المساعدة.

وأضاف: "إننا بحاجة ماسة إلى المنظمات الدولية المعنية بإزالة الألغام لكي تأتي وتتحقق من المناطق المحيطة بمدينة سرت، وخاصة في المناطق الصحراوية، نظراً لوجود أعداد كبيرة  من الألغام هناك. نحن نخشى على أطفالنا وعلى مستقبلنا".

وقد بدأت المناطق الأخرى التي تم تحريرها بالفعل من تنظيم الدولة الإسلامية ترى عواقب المتفجرات المهملة، ويتعرض الرعاة - الذين تجوب مواشيهم مسافات كبيرة - للخطر بشكل خاص.

وقد سقط أحد الرعاة من بن جواد، وهي بلدة تحررت من تنظيم الدولة الإسلامية في أواخر شهر مايو، ضحية للمتفجرات بالفعل.

أثناء البحث عن أغنامه في أواخر شهر يوليو، قاد الراعي سيارته فوق لغم يشتبه في أن تنظيم الدولة الإسلامية قد زرعه على مسافة 10 كيلومترات جنوب البلدة. ووصف فضيل فاضل الناشط في المجتمع المدني المحلي هذا الرجل - الذي أصيب بجروح طفيفة نجمت أساساً عن تحطم النوافذ الزجاجية لشاحنته - بأنه محظوظ، لكنه قال أن الواقعة توضح مدى التهديد الذي يواجه السكان المحليين.

ومع بدء عودة السكان السابقين النازحين إلى منازلهم بعد تحرير بن جواد، قامت وحدات الهندسة العسكرية بتفكيك العبوات الناسفة التي تُركت في المنازل، ولكنها لم تمتلك القدرة على تمشيط المناطق الصحراوية النائية بحثاً عن الألغام، كما أوضح الناشط.

وأضاف فاضل أن "الألغام خطرة وصعبة حقاً، خاصة بالنسبة للمزارعين، ونحن هنا نتحدث عن مناطق شاسعة لا يمكن استكشافها أو تطهيرها بسهولة. إن الوضع حرج للغاية، ولا أعتقد أن ليبيا لديها القدرة على التصدي لهذه المشكلة بمفردها".

* تم تغيير الاسم لأسباب أمنية

(الصورة في الأعلى: فريق نزع الألغام يعمل على إبطال مفعول لغم مخبأ في صخرة وهمية. توم وستكوت/إيرين).

tw/as/ag-ais/dvh