الحمل تحت الحصار

صحفي في اليمن يصبح أباً ويروي قصته

ناصر السقاف

مساهم من اليمن

على الرغم من حجم الصراع الدائر منذ 16 شهراً والأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن، إلا أن وسائل الإعلام العالمية تواصل غض الطرف عنها إلى حد كبير لتطغى عليها العناوين الرئيسية من حلب وبغداد، أو حتى بروكسل ونيس.

 

 

انهارت محادثات السلام خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وقام التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية (الذي يسعى للإطاحة بالمتمردين الحوثيين من السلطة) بتصعيد الضربات الجوية بعد فترة وجيزة من انهيارها. وبحسب التقارير الواردة، لقي 18 مدنياً مصرعهم عندما قصفت طائرة حربية أحد الأسواق شمال شرق العاصمة صنعاء يوم الأحد الماضي، وتم الإبلاغ عن 21 حالة وفاة أخرى يوم الثلاثاء جراء الغارات الجوية في مختلف أنحاء البلاد. وتشهد بعض مناطق البلاد حصاراً كما في سوريا. لكن إحدى القصص التي لا تحظى بتغطية كافية هي أن الصدمة النفسية الناجمة عن الحرب تتسبب في زيادة هائلة في حالات الإجهاض والمواليد الموتى ووفيات المواليد. وبالنسبة للصحفي المساهم في شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، ناصر السقاف، أصبحت هذه مسألة شخصية للغاية عندما بدأ يخشى أن تكون الضحية المقبلة هي زوجته الحامل. وإليكم قصته:

أنا صحفي وكنت أكتب طوال الأشهر الـ16 الماضية عن الحرب في بلدي، اليمن، وعن حصار مدينتي تعز.

وأنا أيضاً متزوج حديثاً وكنت أحلم دائماً بأن يكون لدي طفل. وعندما قال لي الطبيب أن زوجتي حامل، شعرت بسعادة بالغة حتى أنني اتصلت على الفور بأقاربي وأصدقائي المقربين لكي أبلغهم بالنبأ السار - والأنباء السارة نادرة للغاية في خضم القتال.

طوال الأشهر الخمسة الأولى من الحمل، لم يكن هناك شيء سوى السرور. ثم فقدت زوجتي الوعي.

شعرت بالقلق. فقد تم إغلاق نحو 80 بالمائة من المستشفيات في تعز ويوجد مستشفى واحد فقط - المظفر - يرعى النساء الحوامل.

أخبرنا الأطباء هناك أن زوجتي تعاني من انخفاض شديد في ضغط الدم وتحتاج إلى أوكسجين. كنا محظوظين لوجود بعض الأوكسحين هناك - لأن مقاتلي الحوثي يحاصرون المدينة (يحاربون مقاتلين لديهم تحالف هش مع المملكة العربية السعودية) والوسيلة الرئيسية لجلب اسطوانات الأكسجين هي الاستعانة بمهربين.  وقد كنت قد كتبت مقالاً عن الإبل والحمير التي تساعد على جلب هذه الإمدادات.

وعلى الرغم من حسن حظنا في ذلك الوقت، قال الأطباء أنهم لا يستطيعون ضمان توفير الرعاية التي تحتاج إليها زوجتي في تعز، وأن العشرات من الأطفال المبتسرين قد ماتوا بالفعل في المستشفى بسبب نقص الأكسجين وانقطاع الكهرباء.

وفي وقت لاحق، قال لي مدير المستشفى، فضل الصبري، أن الصدمة النفسية الناجمة عن الحرب قد تسببت أيضاً في حدوث حالات ولادة مبكرة تفوق المعدلات المعتادة.

حصل المستشفى على ألواح توليد الطاقة الشمسية في فبراير، وبذلك أصبح التيار الكهربائي أكثر انتظاماً الآن، ولكن "لازلنا لا نملك عدداً كافياً من اسطوانات الأوكسجين،" كما قال، مضيفاً: "نحن ننصح النساء الحوامل اللاتي قد يحتجن إلى عمليات جراحية أو يعانين من انخفاض ضغط الدم بمغادرة مدينة تعز".

تمكنت من الحصول على حمض الفوليك (المهم لنمو جنين يتمتع بصحة جيدة) داخل تعز. ولكن بما أن حياة زوجتي معرضة للخطر بسبب عدم إمكانية الحصول على الأكسجين، فقد تحولت لهفتي إلى لقاء طفلي الأول إلى قلق دائم من أنها قد لا تظل على قيد الحياة.

وبالتالي، فقد قررنا مغادرة دارنا، مثل كثيرين غيرنا. توجهنا إلى التربة، وهي منطقة ريفية في محافظة تعز أصبحت الآن موطناً لآلاف النازحين داخلياً.

كانت الرحلة نفسها خطرة، واستغرقت سبع ساعات لقطع مسافة 70 كيلومتراً عبر طريق جبلي.

وهناك، وجدنا مستشفى عام يتقاضى أربعة أضعاف الرسوم التي كان يتقاضاها قبل الحرب للمساعدة في توليد النساء، ولكنه كان يمتلك الأكسجين ويستطيع توفير الرعاية لزوجتي.

وأخيراً، في 14 يوليو، أصبحت أباً. أنجبت زوجتي صبياً يتمتع بصحة جيدة بعد إجراء عملية قيصرية، وكلاهما بصحة جيدة الآن.

إنني أب فخور وأشعر بالراحة النفسية، ولكن يحزنني أيضاً أن الكثير من الأسر تضطر لتكبد هذه المشقة.

بعد أسابيع قليلة من ولادة ابني، تحدثت مع لانكاني سيكوراياباثي، الناطق باسم صندوق الأمم المتحدة للسكان في صنعاء. وأخبرني أن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى وجود 90,000 امرأة حامل في تعز وحدها، وأن حوالي 4,500 منهن حالات حمل معرضة لمخاطر كبيرة.

وأضاف أنه في حين أن الأمم المتحدة لا تعرف بالضبط عدد النساء اللاتي حاولن مغادرة تعز للولادة في مكان آخر، ولكنها أنشأت خدمات بالقرب من "المناطق شديدة التأثر بالنزاع في مدينة تعز".

والجدير بالذكر أن معاناة الأسر لا تقتصر على تعز بطبيعة الحال؛ ففي جميع أنحاء اليمن، "تفتقر النساء والفتيات إلى إمكانية الحصول على مساعدات إنسانية، بما في ذلك خدمات الصحة الإنجابية، وبالتالي فإنهن أكثر عرضة لخطر الحمل غير المرغوب فيه، والذي بدوره يمكن أن يعرض حياتهن للخطر،" كما أفادت الممثلة القُطرية لصندوق الأمم المتحدة للسكان لينا كريستيانسن في شهر مارس الماضي.

وقد أخبرني الصندوق أنهم يساعدون أكثر من 200 مرفق صحي عن طريق توفير معدات الرعاية التوليدية في حالات الطوارئ لعلاج حالات الحمل التي تعاني من مضاعفات، وإنقاذ حياة الأطفال حديثي الولادة. كما أنهم يفتحون عيادات صحة إنجابية متنقلة للنساء الحوامل أو الأمهات الجدد.

وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من 6,600 يمني قد لقوا مصرعهم في هذه الحرب. أود وزوجتي إنجاب المزيد من الأطفال في يوم من الأيام، ولكننا في الوقت الراهن سوف ننتظر.

ns/as/ag-ais/dvh

(الصورة في الأعلى: طفل في تعز تعرض لصدمة نفسية جراء الاشتباكات العنيفة والقصف. مهيوب/اليونيسف).