مجهولون ومعرضون للاستغلال: الوافدون الجدد إلى أوروبا

إغلاق الحدود يؤدي إلى ازدهار تهريب المهاجرين في منطقة البلقان

بتول حسن

صحفية مساهمة في إيرين

في أعقاب إغلاق الحدود المفروض منذ ما يقرب من أربعة أشهر، برزت من جديد طرق تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في غرب البلقان، بعد أن كانت قد دخلت في سبات عميق خلال النصف الثاني من عام 2015 ومطلع عام 2016، عندما سُمح للمهاجرين واللاجئين بالتحرك بحرية بين اليونان وشمال أوروبا.

 

 

وتشير الأرقام الرسمية إلى انخفاض حاد في عبور الحدود، ولكن هناك عدداً غير معروف من اللاجئين يتحركون عبر منطقة البلقان بلا إحصاء رسمي عن عددهم. وتحذر المنظمات الإنسانية من أن اعتمادهم المتجدد على المهربين يجعلهم أكثر ضعفاً ويجعل حصولهم على الحماية والمساعدة غير مرجح.

"كل شيء أصبح غير نظامي بعد إغلاق الحدود،" كما أفادت يلينا هرنياك، مديرة منظمة مكافحة الاتجار بالبشر الصربية (ATINA). وأضافت أن "اللاجئين الآن في الموقف نفسه الذي كانوا عليه في عام 2014 ومطلع عام 2015. وأصبحت الطرق القديمة التي كانت موجودة قبل ما يسمى بالممر الإنساني صالحة للعمل مرة أخرى".

وقد سجلت وكالة الأمم المتحدة المعنية باللاجئين 217 وافداً جديداً على حدود صربيا الجنوبية مع مقدونيا وبلغاريا خلال أربعة أيام في وقت سابق من شهر يوليو، ولكن يُعتقد أن ما يقدر بنحو 300 لاجئ يصلون إلى البلاد كل يوم من دون تسجيل. واعترف أحد مسؤولي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دون الإفصاح عن هويته بأنه من المستحيل أن نعرف بالضبط عدد الأشخاص الذين يجري تهريبهم ولا يتم اكتشافهم.

وقد أعلن مكتب الشرطة الأوروبي (اليوروبول)، وكالة إنفاذ القانون في الاتحاد الأوروبي، يوم الأربعاء الماضي أن حملة أمنية استمرت 36 ساعة لضبط المهربين في المنطقة، بمشاركة قوات الشرطة وإدارة الحدود في 10 دول، أسفرت عن اعتقال 39 مهرباً فضلاً عن الـ580 مهاجراً الذين كانوا يقومون بتهريبهم.

وأشار رئيس مكتب الشرطة الأوروبي روب وينرايت في بيان أن الشرطة الأوروبية تلقت بلاغات عن أكثر من 7,000 مهرب للمهاجرين مشتبه به حتى الآن في عام 2016. وأضاف أنه "من المتوقع أن تواصل أسعار التهريب في الارتفاع وأن يزداد الاستغلال في بلدان العبور والوصول على حد سواء".

لا طريق آخر

كانت منال، وهي امرأة سورية تبلغ من العمر 18 عاماً وتسافر مع ابنها البالغ من العمر ثمانية أشهر، بين الوافدين المسجلين الأسبوع الماضي في بريسيفو، وهي مدينة صغيرة على حدود صربيا الجنوبية مع مقدونيا.

"لم أستطع تحمل البقاء في اليونان أكثر من ذلك. كان الماء قذراً جداً. وكنت مريضة للغاية ولا أستطيع ارضاع ابني. حتى عندما طلبت من الأطباء مياه نظيفة، أعطوني فقط أقراص [تنقية]،" كما أوضحت، واصفة الأحوال المعيشية السيئة في المخيم الذي كانت تعيش فيه.

وكانت تسعى جاهدة للانضمام إلى زوجها في ألمانيا أيضاً. فقد غادر سوريا عندما كانت منال حامل في الشهر الرابع ولم ير ابنهما سوى في الصور. ويمكن أن تستغرق إجراءات لم شمل الأسرة بموجب اتفاقية دبلن التي أبرمها الاتحاد الأوروبي وقتاً طويلاً قد يصل إلى عام كامل. وبعد ثلاثة أشهر من تقطع السبل بها في اليونان، قررت منال الانضمام إلى مجموعة مكونة من 6 سوريين آخرين دفع كل منهم 2,000 يورو لأحد المهربين لنقلهم إلى ألمانيا. ولكن المهرب أخذهم فقط إلى مقدونيا قبل التخلي عنهم في الغابة من دون طعام.

ألبرتو كامبي/إيرين
امرأة أفغانية وابنتها تستريحان في المنطقة الحدودية المعروفة باسم "الغابة" بين اليونان ومقدونيا

وبعد ثلاثة أيام من اختفائه، واصلت المجموعة سيرها بأسرع ما يمكن نحو الحدود الصربية وأمضت أيامها مختبئة في الغابة، ولياليها في السير على الأقدام. كان التقدم بطيئاً، خصوصاً بعد التواء كاحل منال، لكنهم وصلوا في نهاية المطاف إلى الحدود الصربية، حيث تم إلقاء القبض عليهم ونقلهم إلى مركز التسجيل في بريسيفو.

وبعد قضاء يومين في المركز، كانت المجموعة لا تزال في انتظار الحصول على وثائق تتيح لها السفر بشكل قانوني عبر صربيا لمدة 72 ساعة. لم تكن منال متأكدة من البلد الذي سيدخلونه بعد ذلك، لكنها قالت أنها تثق في أن الرجال في مجموعتها سوف يجدون حلاً - على الأرجح مهرب آخر - بمجرد وصولهم إلى العاصمة بلغراد.

تجارة رائجة

وقد قدّر تقرير مشترك صدر في شهر مايو عن الانتربول واليوروبول أن شبكات تهريب المهاجرين واللاجئين ربحت ما بين 5 و6 مليارات دولار في العام الماضي، وسهّل أعضاء الشبكات الإجرامية سفر 90 بالمائة من المهاجرين إلى الاتحاد الأوروبي. وتوقع التقرير "زيادة تنوع الطرق ... نظراً لتكييف المهربين لخدماتهم مع زيادة الضوابط وإيجاد طرق جديدة لدخول الاتحاد الأوروبي". وأشار أيضاً إلى أنه "في حين لم يثبت وجود صلة منهجية بين تهريب المهاجرين والإرهاب، فإن هناك خطراً متزايداً من أن يستخدم مقاتلون إرهابيون أجانب تدفقات الهجرة لدخول الاتحاد الأوروبي (مرة أخرى)".

ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، أُلقي القبض على 127 شخصاً في اليونان منذ بداية العام بتهمة التهريب، لكن هرنياك قالت أن القبض على مهربين أفراد، الذين يكونون في كثير من الأحيان من المهاجرين أنفسهم، لا يحقق ردعاً يُذكر للشبكات الراسخة.

"إنه نشاط إجرامي عابر للحدود ويجب التصدي له على الصعيد الإقليمي. قد يتوقف الأشخاص الذين يتم اعتقالهم عن ممارسة النشاط على مستوى القاعدة، ولكن القادة الرئيسيين للعملية لا يزالون في مواقعهم،" كما أفادت في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

وتعمل المنظمة الدولية للهجرة على جمع بيانات عن التهريب والاتجار بالبشر في منطقة البلقان حتى تتمكن من تطوير استجابات قائمة على الأدلة ومساعدة الضحايا. ولكن عدم رغبة اللاجئين في تحديد المهربين الذين يعتبرونهم فرصتهم الوحيدة للوصول إلى وجهتهم النهائية غالباً ما يعرقل السعي لجمع معلومات دقيقة.

ضحايا النهب

وقالت سراف، وهي معلمة تبلغ من العمر 25 عاماً من أفغانستان وتسافر مع زوجها واثنين من إخوتها، أن مجموعتها قد وجدت مهرباً في جزيرة ساموس اليونانية عرض نقلهم إلى المجر مقابل 2,500 يورو لكل منهم. ولم توضح كيف أخرجهم من الجزيرة. من المفترض أن يظل اللاجئون هناك حتى يكملوا إجراءات القبول ومن ثم إما تتم إعادتهم إلى تركيا أو تُصدر لهم بطاقة لجوء تسمح لهم بالسفر إلى البر الرئيسي. وقال متحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة أن المنظمة سمعت تقارير قصصية عن أشخاص غادروا الجزر دون إذن، وأن الشرطة اليونانية قد أوقفت العديد من الناس الذين يحاولون ركوب العبارات بوثائق مزورة.

أما مهرب سراف، فقد رافقهم في رحلة استغرقت ستة أيام عبر مقدونيا، ولكنه تخلى عنهم في بلغراد. وتجلس السيدة في حديقة بالقرب من محطة الحافلات الرئيسية في المدينة، ولا تعرف كيف ستصل أسرتها إلى ألمانيا، وهي وجهتهم المختارة.

وقد أقامت المجر سياجاً على الحدود مع صربيا في شهر سبتمبر الماضي. وأصبحت الطريقة القانونية الوحيدة للدخول الآن هي عن طريق "منطقتي عبور" حيث تسمح السلطات المجرية فقط بدخول 30 طالب لجوء يومياً. وينتظر المئات غيرهم لعدة أسابيع في المخيمات غير الرسمية التي ظهرت على الجانب الصربي من الحدود. وقد أعربت المفوضية عن قلقها إزاء الأوضاع في تلك المخيمات وحذرت من أن الانتظار لفترات طويلة يدفع اللاجئين للوقوع في براثن المهربين.

وقالت سراف عن المهربين: "لا أفهم كيف يمكنهم استغلالنا بهذه الطريقة. ولكنهم في الوقت ذاته خيارنا الوحيد. يجب أن نواصل السفر والمهربون هم خيارنا الوحيد".

ووفقاً لتقرير الانتربول/اليوروبول، "يشمل الهيكل الأساسي لشبكات تهريب المهاجرين القادة الذين ينسقون الأنشطة على طريق معين، والمنظمين الذين يديرون الأنشطة محلياً من خلال اتصالات شخصية، والميسرين الانتهازيين منخفضي المستوى الذين يقومون في الغالب بمساعدة المنظمين وقد يساعدون في أنشطة التجنيد".

أطفال مستضعفون

ومن المعروف أن القُصّر غير المصحوبين ينضمون إلى شبكات التهريب بغرض العمل لتسديد الديون التي تكبدوها خلال السفر، عادة عن طريق اجتذاب لاجئين آخرين ليتم تهريبهم.

"من وجهة نظرنا، من المحتمل جداً أن يؤدي هذا الوضع إلى الاستعباد بمجرد وصولهم إلى بلد المقصد، أو ربما قبل ذلك،" كما حذرت هرنياك.

وفي السياق نفسه، قال صبي أفغاني يبلغ من العمر 16 عاماً قدم نفسه باسم "علي" لشبكة الأنباء الإنسانية أنه دفع لمهرب 1,500 يورو لنقله من أفغانستان إلى تركيا، حيث قضى أربعة أشهر يعمل في مصنع لجمع الأموال اللازمة للجزء التالي من رحلته. ثم دفع 4,500 يورو مقابل تهريبه عبر بلغاريا إلى بلغراد، حيث ينتظر أن تجمع أسرته الـ1,400 يورو التي يحتاج إلى دفعها لأحد المهربين مقابل نقله إلى المجر. وفور وصوله إلى هناك، قال أنه يخطط لشق طريقه إلى النرويج وطلب اللجوء هناك.

ألبرتو كامبي/إيرين
طالبا لجوء من نيجيريا وصلا للتو إلى بلغراد ولا يملكان سوى كيس من البلاستيك وملابسهما
وقال أنه حاول مع ستة من رفاقه، وهم أيضاً من القُصّر غير المصحوبين من أفغانستان، عبور الحدود إلى المجر من دون مهرب في الأسبوع الماضي، ولكن ضباط شرطة الحدود المجرية ألقوا القبض عليهم وأوسعوهم ضرباً.

"عثر علينا 12 رجل شرطة ومعهم كلابهم. وركلونا وضربونا بالعصي الكهربائية حتى هربنا بعيداً عن الحدود،" كما روى علي.

وعادت المجموعة إلى بلغراد، حيث سعى أحد أصدقائه للحصول على رعاية طبية بعد إصابته بجرح في الجزء الخلفي من رأسه. وقال علي أنه لن يحاول عبور الحدود المجرية مرة أخرى حتى يتمكن من دفع أجر المهرب.

وأضاف قائلاً: "نحن بحاجة إلى فتح الحدود. ولكن حتى يتم فتحها، ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه".

bh/ks/ag-ais/dvh


تم نشر النسخة العربية في 4 يوليو 2016