اللاجئون في اليونان يأخذون الخطوات الأولى نحو الاعتماد على الذات

جون بساروبولوس/إيرين

صحفي مستقل مقره في أثينا، ومساهم منتظم في إيرين

يرفع مسعود فراشه بفخر ليكشف عن كيفية بناء سريره المؤقت. لقد استخدم مطرقة ومسامير لتثبيت أربع منصات خشبية معاً وأرجل تحتها. إن التبطين السيء باستخدام حصيرة يوغا تغطيها بطانيتان صوفيتان يجعل السرير يبدو وكأنه يشع حرارة في فترة ما بعد الظهر التي تخلو من الهواء في شهر يونيو. لكن هذا الشيف السوري البالغ من العمر 34 عاماً لديه حل لتلك الظروف الخانقة أيضاً.

 

 

خارج المجمع المكون من ثلاث خيام الذي قام بخياطته لأسرته المكونة من أربعة أفراد، شيد ما يشبه بيتاً صيفياً في ظل بعض أشجار الصنوبر: منصة مرتفعة على عدة براميل معدنية تؤمن الخصوصية بعد تغطيتها بملاءة. تقضي مزكين زوجة مسعود فترة بعد الظهيرة هناك للاستمتاع بالهواء البارد.  يحفر محمد البالغ من العمر أربع سنوات حفرة في الأرض بمطرقة مخلبية بينما تحاول شقيقته الكبرى ليندا، التي تبلغ من العمر 9 سنوات، عمل حديقة من أوعية الزهور. وقام مسعود ببناء موقد طهي ترابي متصل بمدخنة على أحد الجانبين وفرن على الجانب الآخر. ويستخدم الحطب الذي يجمعه من غابات الصنوبر المحيطة بهم كوقود.

هذه نسخة اللاجئين السوريين من عائلة روبنسون السويسرية، وهي جزء من سرد متزايد حول الاعتماد على الذات في  ريتسونا، محطة الرادار التي كانت تابعة للقوات الجوية اليونانية سابقاً، وتبعد نحو 100 كيلومتر إلى الشمال من أثينا. ظلت هذه المنشأة مهجورة منذ عدة عقود، فهي تقع في مكان غير مأهول حتى بحسب المعايير الريفية اليونانية.

وقبل ثلاثة أشهر، وفي أعقاب إعادة تفعيل الحدود عبر منطقة البلقان، تقطعت السبل بأكثر من 50,000 لاجئ في اليونان، بعد أن كانوا ينوون أن يشقوا طريقهم إلى شمال أوروبا، وبدأت الحكومة ترسلهم في مجموعات إلى معسكرات الجيش المهجورة. وصل نحو 800 لاجئ إلى  ريتسونا وتقدم العديدون منهم بطلبات لجوء إلى اليونان أو إلى مكان آخر في أوروبا، ولكن من المرجح أن تستغرق كلتا العمليتين عدة أشهر.

ولكن بالنسبة للمتطوعين والمنظمات غير الحكومية، فضلاً عن اللاجئين أنفسهم، تحول التركيز. في البداية، كانوا يركزون على تقديم أي شيء وكل شيء كان مطلوباً. أما الآن، فإنهم يركزون أكثر على مساعدة اللاجئين على تدبر أمورهم بأنفسهم، وتوزيع الأدوات والمنصات الخشبية على سبيل المثال.

"في الشهر الأول، لم يكن هذا يحدث على الإطلاق، ولكنه نما بشكل هائل في الأسابيع الثلاثة الماضية،" كما أفاد ريان ديهين تمبلتون، وهو متطوع أمريكي في منظمة (Echo 100 Plus)، وهي مؤسسة خيرية مقرها فيينا.

جون بساروبولوس/إيرين
مسعود يعرض الفرن الذي صنعه

أخذ زمام المبادرة

وعبر طريق ترابي في الجهة المقابلة لمسعود، قام سوري آخر يدعى شام ببناء بيت من طابقين في شجرة ليوفر بعض البرودة لزوجته الحامل، وأحاطه بفروع الصنوبر لتوفير الخصوصية والظل. ويحاول أيضاً زرع الورود في أربع زجاجات مياه بلاستيكية.

لا توجد مياه جارية في المخيم، والمخزن هو المكان الوحيد الذي توجد به كهرباء، ولكن أحد اللاجئين تمكن من تثبيت طبق لاستقبال إرسال الأقمار الصناعية، ويجلس الأطفال الآن حول تلفاز قديم كان من بين التبرعات التي حصلوا عليها.

وتشجع مؤسسة Echo 100 Plus اللاجئين على أخذ زمام المبادرة بأنفسهم. وفي هذا الإطار، قال تمبلتون: "لدينا ماكينتا خياطة واثنان من الخياطين [اللاجئين] المقيمين في المخيم وسيشرعان في صنع الملابس التي نجد صعوبة في العثور عليها. من الصعب علينا أن نجد ملابس محتشمة هنا في اليونان. ولذلك، على سبيل المثال، سوف يبدؤون في صنع تنانير طويلة لأنفسهم".

ويجد بعض اللاجئين شعوراً بالحافز عن طريق التطوع كمترجمين أو لشغل وظائف أخرى لدى المنظمات غير الحكومية، مثل مؤسسة Echo 100 Plus. سهام يزيدي التي تبلغ من العمر 23 عاماً والقادمة من كردستان العراق هي واحدة من أكثر المترجمين رواجاً. فهي تتكلم العربية والكردية والانجليزية، وتشعر بأن العمل يوفر نوعاً من العلاج - خاصة وأن الكثير منه يتم في خيمتين تستخدمان بمثابة عيادة لجمعية الصليب الأحمر.

"أحاول أن أقضي وقتي في الترجمة، ومساعدة المتطوعين في توزيع المواد الغذائية والملابس والمساعدة في المستشفى. أحاول أن أقضي وقتي بعيداً عن الخيام لأن الحياة بشعة حقاً هنا. ولكنني أحاول أن أتشبث بالأمل عن طريق التحدث مع الناس وأخذ بعض الأمل منهم،" كما أفادت.

التعليم والصرف الصحي

وفي محاولة أخرى لتحقيق ما يشبه الحياة الطبيعية في المخيم، قامت مؤسسة خيرية كندية تسمى لايت هاوس للإغاثة ببناء سور حول منطقة مخصصة للأنشطة التربوية. وفي هذا الشأن قالت متطوعة تدعى باتي فينك أن "الأطفال يريدون أن يذهبوا إلى المدرسة، والآباء والأمهات يحاولون التأكد من أن الأطفال يصلون في الوقت المحدد. هذا جزء من العزم على جعل الأطفال يفهمون معنى الذهاب إلى المدرسة والمشاركة في هذا الروتين".

وفي السياق نفسه، أعلنت وزارة الهجرة اليونانية أنها ستفتح مدارس يعمل بها معلمون يتحدثون العربية ولغة الدري في جميع المخيمات بحلول شهر سبتمبر المقبل. وفي غضون ذلك، يتم تعليم الأطفال في  ريتسونا، الذين لم يلتحق الكثيرون منهم بأي مدارس من قبل، الالتزام بالمواعيد والنظافة وأغنية ABC تحت ظلال شجرتي صنوبر حلبي ضخمتين.

جون بساروبولوس/إيرين
تعليم الأطفال أغنية ABC في المدرسة التي أنشأها المتطوعون

وسيتم إدخال تحسينات أخرى قريباً. أعد حفار تابع لسلاح الجو خندقاً لأنابيب الصرف الصحي - وفي غضون أسابيع، سوف تضم  ريتسونا مراحيضاً تتدفق فيها المياه، بدلاً من المراحيض المتنقلة.

وعلى مشارف المخيم، سوف تصبح أربع قطع من الأراضي التي تم ترسيم حدودها بالحجارة نواة لحديقة نباتية، لكنه مشروع معلق في الوقت الحالي حتى تتوفر مياه الري.

ولكن حتى مع كل هذا التمكين الذاتي، يتم عزل اللاجئين عن المجتمع اليوناني إلى حد كبير في هذا المخيم، وهو مجتمع سوف ينضم إليه العديدون منهم في نهاية المطاف إذا كُللت طلبات اللجوء الخاصة بهم بالنجاح.

على المدى الطويل

ويود البعض أن يرى الجهود المبذولة لإدماج ما يقرب من 57,000 لاجئ تقطعت بهم السبل حالياً في اليونان تصل إلى أبعد من ذلك بكثير. يريد سبيروس غالينوس، عمدة جزيرة ليسفوس، التي وصل إليها أكثر من نصف مليون لاجئ من اللاجئين الذين مروا عبر اليونان في العام الماضي، أن تدعم المفوضية الأوروبية خطة لخلق فرص العمل التي من شأنها أن تسمح للمئات أو حتى الآلاف من اللاجئين بالاستقرار على الجزيرة بشكل دائم.

"كان الشرط الوحيد الذي طلبته هو خلق عدد معين من الوظائف، يتم شغل نصفها من قبل اللاجئين والنصف الآخر من قبل السكان المحليين،" كما قال في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، مشيراً إلى أن عدة قرى في الجزيرة تضم منازل فارغة يمكن للاجئين الإقامة بها.

وأضاف غالينوس أن مثل هذه الخطة ستكون بمثابة شكل من أشكال التعويض عن الملايين التي أنفقتها بلديته على فواتير المياه والكهرباء المخصصة لمخيمات اللاجئين. ولم ترد المفوضية الأوروبية بعد على اقتراحه، ولا يزال أكثر من 8,000 طالب لجوء محتجزين على جزر في شرق بحر إيجه من دون مجال للإدماج. فقد وصل هؤلاء بعد توقيع اتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، ولذلك يجب أن يمروا بعملية لتحديد أحقيتهم في البقاء في اليونان قبل أن يتمكنوا حتى من بدء إجراءات اللجوء.

كما تم اجلاء 11,000 آخرين من المخيمات غير الرسمية في المنطقة الحدودية بالقرب من إيدوميني في الشهر الماضي ونقلهم إلى المرافق التي أُقيمت على عجل في مواقع صناعية مهجورة.

من جانبها، وصفت فيبي رامزي، وهي متطوعة مستقلة من كندا، إحدى هذه المخيمات، التي أُنشئت داخل مدبغ قديم في ضواحي سالونيك، بأنها "قذرة للغاية. لم يقوموا حتى بكنس الأرض قبل إقامة الخيام، والخردة المعدنية والحطام تملأ المكان. ويوجد صنبور واحد (نظرياً) به مياه صالحة للشرب لخدمة 800 شخص. وهذا أحد المخيمات الجيدة".

والجدير بالذكر أن اللاجئين الأوفر حظاً هم الذين ينتشرون في أثينا ويقيمون في شقق ذات إيجارات مدعومة ووسط مجتمعات صغيرة في مبان مهجورة، ليس فقط لأنهم أقرب إلى الجهات المانحة والمتطوعين والجمعيات الخيرية، ولكن لأن لديهم أفضل الفرص لتحقيق قدر من الإدماج، خاصة وأن منظمات المجتمع المدني في العاصمة بدأت تنفذ برامج تسعى لتحقيق هذا الهدف. وقد نظمت ميليسا، وهي منظمة للنساء المهاجرات في أثينا، دورة مكثفة في اللغة اليونانية بالتعاون مع لغويين من جامعة بحر إيجه.

وقالت نادينا كريستوبولو، مؤسسة منظمة ميليسا: "إنها اللغة اليونانية النفعية. لقد نفذنا مجموعات تركيز لاكتشاف المفردات الظرفية المفيدة أكثر من غيرها، مثل الذهاب إلى المستشفى، والتعامل مع الأطفال، ودفع الفواتير ... ونود أن يصبح المهاجرون المخضرمون بمثابة النسيج الذي يربط بين اللاجئين والمجتمع".

وتخطط ميليسا أيضاً لتنظيم رحلات إلى الأسواق والمتاحف، حتى يتمكن اللاجئون من ممارسة اللغة اليونانية التي تعلموها.

وقالت كريستوبولو: "أعتقد أنه من المهم جداً بالنسبة لهؤلاء الناس الخروج من المخيمات وبدء الاختلاط مع المجتمع المحلي ... والحل هو شق طريق تؤدي إلى الأنشطة المدرة للدخل، بحيث يستغلون ما تعلموه، بدلاً من أن يكونوا مجرد متلقين سلبيين".

jp/ks/ag-ais/dvh