مصر ... طريق الإريتريين الجديد إلى أوروبا

هيزل هادون

صحفية مساهمة في إيرين

مثل الكثير من أحياء القاهرة، تنبعث الحياة في حي أرض اللواء المترامي الأطراف والمنخفض الدخل في المساء مع مغيب الشمس.

 

 

في ليالي الصيف الحارة، يطارد الأطفال القطط في شوارع لا تتسع لمرور السيارات من شدة ضيقها. وتنطلق عربات التوك توك في مسارات متعرجة بين مدخني الشيشة وقراء الصحف الذين تعج بهم الطرقات، فيما تمتلئ المقاهي بالرواد.

ولكن المصريين ليسوا الوحيدين الذين يخرجون بغرض المتعة. تتجمع أعداد كبيرة من الشباب الإريتريين أيضاً على نواصي الشوارع، أو خارج المطعم الإريتري الذي افتتح حديثاً في واحدة من المساكن الأسمنتية، حيث يتبادلون الأخبار بلغتهم التيغرينية.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال فيلمون*، وهو ناشط إريتري: "يوجد الكثير من الإريتريين الجدد الآن في أرض اللواء. لقد تغير كل شيء في نهاية الصيف الماضي. بدأ الكثيرون يصلون الآن لدرجة أن هناك نقصاً في الشقق المعروضة للإيجار والملاك رفعوا الأسعار".

وتجدر الإشارة إلى أن القاهرة كانت منذ فترة طويلة موطناً لمجموعة صغيرة من اللاجئين الإريتريين الفارين من الحرب والاضطهاد والمتاجرين بالبشر، ولكن بعض النشطاء المحليين يقولون أن عدد الوافدين الجدد قد ارتفع خلال العام الماضي.

ففي الماضي، كان معظم الإريتريين الذين جاؤوا إلى مصر يسجلون طلبات لجوء لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وينتظرون عدة سنوات للحصول على فرصة لإعادة التوطين في أوروبا أو الولايات المتحدة.

ولكن هؤلاء الوافدين الجدد لا ينوون البقاء لفترة طويلة، إذ قال فيلمون أن معظمهم جاؤوا إلى مصر بقصد العثور على قارب ينقلهم إلى أوروبا في أقرب وقت ممكن من الموانئ القريبة من الإسكندرية. وأضاف أنهم "جميعاً ينتظرون فقط حتى يخبرهم المهربون أن قاربهم جاهز. لقد تحولت أرض اللواء إلى غرفة انتظار كبيرة".

"مهربون طيبون ومهربون أشرار"

ويعتبر الوافدون الجدد جزءاً من موجة اللاجئين الفارين من إريتريا، والتي بدأت في عام 2014. وقد سجلت المفوضية زيادة حادة في عدد الإريتريين الذين طلبوا اللجوء في الاتحاد الأوروبي في تلك السنة. وفي عام 2015، زادت الأعداد مرة أخرى، مع وصول عدد من الإريتريين إلى إيطاليا عبر البحر الأبيض المتوسط أكثر من أي جماعة وطنية أخرى.

يفر اللاجئون من هذه الدولة القمعية التي اكتسبت سمعة سيئة، حيث تم حظر المعارضة السياسية، وتقلصت حريات التنقل والتعبير والدين، ويُجبر الشباب على أداء الخدمة العسكرية غير محددة المدة، والتي يمكن أن تستمر لعدة عقود.

وقال تكله، وهو مسيحي ينتمي لطائفة العنصرة ويبلغ من العمر 27 عاماً وقادم من أسمرة، أنه هرب لأنه كان يواجه اضطهاداً دينياً.

"يتعين علينا أن نصلي في الخفاء، كما أن خطر السجن، خاصة بالنسبة لمن يقود الصلاة، كبير جداً. ويقبع مئات المنتمين إلى طائفة العنصرة في السجن بسبب معتقداتهم الدينية،" كما أوضح.

وصل تكله إلى  مصر في الخريف الماضي، بناءً على إرشادات سلسلة من المهربين عبر الحدود الإريترية إلى شرق السودان، ثم في سيارة جيب إلى الخرطوم، وعبر الصحراء إلى أسوان، وبالقطار إلى القاهرة. وهو الآن في انتظار مكالمة من سمسار محلي، أو وسيط، يلعب دور حلقة الوصل بين المهاجرين في أرض اللواء والمهربين على الساحل.

"إنني أنتظر دوري. ولا أعرف من أين سأرحل. سوف يتصلون بي عندما يعرفون أن الطريق آمنة، وبعد ذلك سوف نذهب إلى الساحل الشمالي لكي ننتظر القارب،" كما أفاد.

ويدرك تكله المخاطر، ولكنه يثق في سمساره: "أنا أعرف السماسرة الجيدين. لقد دفعت 2,000 دولار فقط مقابل رحلتي - على الرغم من أن بعض الأشخاص الآخرين يدفعون أكثر من ذلك بكثير - وأثق في أنه سوف يجد لي قارباً جيداً".

وكما ألمح تكله، فإن هذه الرحلة قد تكون أصعب بكثير بالنسبة لكثيرين غيره.

سافرت رهوة، وهي طفلة نحيفة تبلغ من العمر 16 عاماً، بمفردها من قريتها الصغيرة في المرتفعات الإريترية ولا تزال تعاني من آثار العدوى الطفيلية المستمرة التي انتقلت إليها بسبب شرب المياه القذرة التي قدمها لها المهربون. وتقول سارة، وهي امرأة إريترية أكبر سناً ترعاها، أن رهوة تعرضت لاعتداء جنسي من قبل المهربين خلال الرحلة.

"يعاني 90 بالمائة من النساء اللاتي قدمن عبر هذا الطريق من جراح في قلوبهن. إنه طريق خطير جداً ... ولا نعرف ما إذا كنّا نستطيع أن نثق حتى في الأشخاص الجالسين بجوارنا،" كما أكدت سارة.

من جانبه، يتفق فيلمون مع الرأي القائل بأن الرحلة أصعب بالنسبة للنساء، قائلاً: "هناك مهربون طيبون ومهربون أشرار. إذا كانت المرأة تعرف كيف تختار وإذا كانت مسافرة مع رجل، يمكنها أن تكون آمنة. ولكن السفر بمفردها أمر خطير للغاية".

الطريق المصري يزداد شعبية

وفي حين لا يزال معظم الإريتريين الذين يعبرون البحر المتوسط ​​من شمال أفريقيا إلى إيطاليا يذهبون عن طريق ليبيا، فإن هناك دلائل على أن أعداداً متزايدة منهم تختار الطريق المصري. وكان قارب المهاجرين الذي غرق قبالة سواحل جزيرة كريت في الأسبوع الماضي قد غادر من مصر، بحسب روايات الناجين.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية، قالت ميرون استفانوس، وهي ناشطة في مجال حقوق الإنسان ومديرة المبادرة الإريترية لحقوق اللاجئين التي تتخذ من ستوكهولم مقراً لها، أن زيادة المخاطر في ليبيا تدفع الإريتريين إلى تجربة السفر عن طريق مصر بدلاً من ذلك. في عام 2015، كان هناك العديد من الحوادث التي اختطف فيها مقاتلو ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (ISIS) مجموعة من اللاجئين الإريتريين من المهربين، ثم أطلقوا النار على الأشخاص الذين تأكدوا أنهم مسيحيون أو قطعوا رؤوسهم.

وفي هذا السياق، قالت استفانوس: "الوضع في ليبيا سيء حقاً. إما أن تُخطف من قبل [العصابات] التشادية، أو تُختطف من قبل تنظيم الدولة الإسلامية. مع التشاديين، على الأقل ستدفع فدية وتخرج، ولكن مع تنظيم الدولة الإسلامية، لا يوجد سبيل للخروج ... ولذلك يحاول الكثير من الناس تجنب ذلك".

ومن المرجح أيضاً أن تدفع عمليات الاعتقال والترحيل الأخيرة في العاصمة السودانية، الخرطوم، المزيد من الإريتريين إلى التوجه إلى مصر، وفقاً لفيلمون. "بالتأكيد، سيأتي المزيد من الناس إلى مصر الآن إذا لم تكن السودان آمنة. إذا لم يتمكن اللاجئون من العيش في السودان، سيتعين عليهم الرحيل،" كما أضاف.

وأوضح محمد الكاشف، الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الذي يعمل مع اللاجئين في الإسكندرية، أن الإريتريين ليسوا الوحيدين الذين يختارون الطريق المصري.

وأضاف الكاشف أن "الجنسية الأكثر تواجداً في أماكن الاحتجاز والتي أراها هناك [بعد إلقاء القبض عليهم بتهمة الهجرة غير النظامية] هي الصومالية. وهناك الكثير من السودانيين والإثيوبيين والإريتريين أيضاً. وهناك الكثير من المصريين الذين يحاولون أيضاً الوصول إلى إيطاليا للعمل هناك".

وتشير الأرقام التي قدمها مكتب المنظمة الدولية للهجرة في مصر أيضاً إلى أن شعبية من الطريق المصري آخذة في الازدياد.

ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، وصل أكثر من "1,900 مهاجر غير شرعي" إلى إيطاليا من مصر خلال الفترة من يناير إلى منتصف أبريل، أي أكثر من ضعف الـ655 وافداً المسجلين في الفترة نفسها من العام الماضي.

المخاطر المقبلة

وتعتقل الشرطة المصرية بشكل منتظم جميع المهاجرين الذين تضبطهم أثناء محاولة استخدام طرق التهريب لدخول البلاد أو الخروج منها على حد سواء. ويتم احتجاز معظمهم بموجب أحكام قانون العقوبات الذي يمنع مغادرة البلاد من دون وثائق أو تصاريح رسمية.

ولكن هناك دلائل تشير إلى أن السلطات قد تغير الطريقة التي تتعامل بها مع المهاجرين غير الشرعيين. ويقول بعض المدافعين عن اللاجئين أنه يتم إطلاق سراح المحتجزين بشكل أسرع من ذي قبل، لا سيما إذا كانوا يحملون بطاقة طالب اللجوء التابعة للأمم المتحدة. ومن المقرر أن يناقش البرلمان أيضاً مشروع قانون الهجرة الذي يفرض عقوبات صارمة على المهربين ولكنه لن يُجرّم المهاجرين أنفسهم بعد الآن.

وعلى الرغم من هذا، فإن الرحلة من أرض اللواء محفوفة بالمخاطر، لاسيما بالنسبة للوافدين الجدد مثل تكله، الذي لم يتم حتى الآن تسجيله كطالب لجوء من قبل الأمم المتحدة، وبالتالي فإنه مُعرّض بشكل خاص لخطر الاعتقال.

وفي السياق نفسه، قالت استفانوس أن العام الماضي شهد بعض الحالات التي نُقل فيها إريتريون إلى سجن القناطر بالقاهرة قبل ترحيلهم في نهاية المطاف إلى إريتريا. في الماضي، كان الإريتريون المحتجزون يُعادون إلى إثيوبيا في كثير من الأحيان، ولكن إثيوبيا توقفت عن قبولهم منذ الصيف الماضي، كما أفادت.

وفي تصريح لشكبة الأنباء الإنسانية، قال مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة أنه على دراية باحتجاز عدد من الإريتريين في سجن القناطر، وأنه طلب الوصول إليهم من أجل تقييم طلبات لجوئهم. ولم تستطع المفوضية تحديد ما إذا كانت إعادتهم تتم "بطريقة طوعية".

وبالعودة إلى أرض اللواء، تقبل رهوة مخاطر الرحلة إلى الشمال بهدف الانضمام إلى شقيقتها الأكبر سناً في السويد. وقالت أنها تأمل في اتباع الطريق القانوني، ولكن إذا فشل ذلك، فإنها لا تزال مصممة على مغادرة مصر عن طريق البحر.

وقالت: "الحياة في مصر صعبة. لا أحب الخروج من المنزل. أريد أن أذهب إلى أوروبا لأكون مع شقيقتي".

* تم تغيير أسماء اللاجئين لسلامتهم

hh/ks/ag-ais/dvh