القمة العالمية للعمل الإنساني: الاهتمام بالأشياء الصغيرة

أندرو غالي

رئيس التحرير

عندما نسمع عن "الصفقة الكبرى" و"المائدة المستديرة بشأن التمويل الإنساني"، و"مجموعات الأمن الغذائي العالمي"، قد تبدو الاجتماعات والتعاملات في افتتاح القمة العالمية للعمل الإنساني بعيدة إلى حد كبير عن التحديات اليومية التي تواجه الكثيرين في قطاع المعونة.

 

 

لكن دعونا نذهب بعيداً عن الكلمات والخطابات الرئيسية التي ألقيت القمة ونتعرف على ما يريده أولئك الذين يعرضون منتجاتهم في المساحة المخصصة للعرض في مركز اسطنبول للمؤتمرات؟ ما الذي يعنيه هاشتاج مثل #ReShapeAid و #ShareHumanity بالنسبة لهم؟ وكيف يمكن أن تُحدث تغييرات صغيرة نسبياً في نظام المعونة فارقاً هائلاً في قطاع العمل الإنساني؟

لا تحصل المنظمات غير الحكومية سوى على مشروعات صغيرة مثل "مشاريع اسطنبول الصغيرة".

تنهمك آنا توسون، وإن كان بشيء من الضجر، في ترتيب مجموعة من القطع المنسوجة من الصوف على طاولة. أما النساء اللاتي يقفن خلف الطاولة فهن لاجئات سوريات، جميعهن يسكنّ الآن في سهرميني، أحد أحياء اسطنبول التي تعتبر محطة على الطريق لأولئك الفارين من الحرب، ويبحثون عن حياة جديدة في تركيا أو في طريقهم إلى أوروبا. 

الدخل الذي يتم جمعه من هذه الحرفة الجماعية يعود إلى النساء، ومحور التركيز الرئيسي للمؤسسة الخيرية هو تعليم أطفالهن وإيجاد سبل لإعطاء الشباب والشابات من اللاجئين السوريين دفعة وفرصة للانطلاق من جديد، عن طريق التعليم. 

المشكلة الواضحة بالنسبة لثلاث متطوعات متفرغات لا يتقاضين أجوراً و15 متطوعة غير متفرغة هي المال. الأموال القليلة التي يجمعنها تأتي من خلال التمويل الجماعي، والهبات الخاصة، والفاعليات الصغيرة في المقاهي، وهو ما يكفي لدفع الإيجار والكهرباء فقط.

وبميزانية سنوية قدرها حوالي 25,000 دولار، يقدمن المساعدة لـ200 طفل في الالتحاق بالمدارس. 

وحول هذا المشروع، قالت توسون: "الأطفال السوريون اللاجئون لهم الحق في تعليم مجاني في تركيا بحيث يمكنهم الالتحاق بالمدارس الحكومية التركية، ولكن حتى المصاريف الصغيرة يمكن أن تكون عائقاً بالنسبة لهم، مثل مصاريف الحافلة للوصول إلى المدرسة وشراء الزي الموحد والكتب والغداء". لذا، تدفع المؤسسة الخيرية لإحدى الأسر مبلغاً مالياً شهرياً صغيراً، ما يعادل ما قد يحصل عليه صبي عمره 13 سنة في العمل في مصنع نسيج ستة أيام في الأسبوع، حتى يتمكن من الذهاب إلى المدرسة بدلاً من العمل. 

وأفادت توسون أن نظام المساعدات لا يفيد في المبادرات الشعبية مثل "مشاريع اسطنبول الصغيرة".

"فشروط الحصول على التمويل صعبة للغاية. أي مشروع يجب أن يكون جديداً...نحن لا نريد بدء مشروع جديد. نحن نقوم بالفعل بما ينبغي علينا القيام به، نقوم بعمل له أثر كبير فعلاً: نحن متأكدون من ذلك! إنه شيء مستمر، نحن لا نفعل مثل من يقول 'دعونا نذهب هنا لمدة ثلاثة أشهر وننفذ شيئاً ما ونحقق أهداف مشروعنا وانتهى الأمر'، نحن ننوي الاستمرار في مشروعنا طالما أن المجتمع السوري يحتاج إليه".  

"ومن ثم نحتاج أن يدفع الناس تكاليف البنود غير الجذابة: الإيجار ورواتب للمتطوعين وأعضاء الفريق الأساسي. جميع المنظمات تريد تمويل مشروعات جديدة، وبالتالي نحن مستمرون بجهودنا الخاصة".

ومحاولة كتابة مقترح تمويل بالنسبة لتوسون، وهي غير متخصصة ولديها الكثير من الأعمال الأخرى، يمثل كابوساً. فالجداول الزمنية والأهداف وأدوات القياس المطلوبة غير واقعية بالنسبة لمنظمة غير حكومية كانت تساعد 30 سيدة قبل أربعة أشهر وأصبحت الآن تساعد 70 سيدة. 

وأضافت توسون: "الأشخاص الذين يقدمون التمويل يريدون أن يعرفوا: 'كم عدد المستفيدين، وما هي أعمارهم، ومن أين أتوا، وماذا يفعلون؟'"

لكن هذه المتطلبات مستحيلة بالنسبة لمنظمة "مشاريع اسطنبول الصغيرة"، ذلك أن الأعمار والأرقام تتغير بشكل كبير مع وصول كل موجة جديدة من اللاجئين. فالبعض يواصل الرحلة إلى ألمانيا أو يرغب في المحاولة على الأقل.

"هذا مجتمع متنقل. بعضهم يبقى هنا والبعض الآخر ينتقل إلى أماكن أخرى. يحصل البعض على الحق في العمل والبعض الآخر لا يتمكنون من ذلك. وبالتالي، يجب أن ندعمهم بطريقة مرنة". 

بناء مخيمات للاجئين

تعمل توجسين علي في ستاندارت جروب، وهي شركة تركية خاصة تتمتع بشيء من الازدهار وتتخصص في بناء مخيمات للاجئين في تركيا وعبر الحدود في سوريا. وعلى الرغم من أن العمل في منطقة الحرب يعج بالكثير من الصعوبات، إلا أنك لا تستطيع أن تفعل شيئاً حيال معظمها. بيد أن الأمر الذي يمكن تغييره هو ما يزعج توجسين علي، وهو مدى بطء مشاريع وكالات المعونة. 

وفي هذا الصدد، قالت توجسين لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد شيدنا قرابة 10,000 منزل للاجئين وحوالي 12 مخيماً حتى الآن ... نحن نبني أيضاً عيادات ومدارس ومستشفيات ومساجد وكل ما هو ضروري لراحتهم".

"تكمن المشكلة الرئيسية في العثور على مواقع جيدة وجمعيات خيرية. ما تحتاج إليه واضح جداً، ولكنها تأخذ وقتاً طويلاً في اتخاذ القرارات. فهناك مستويات كثيرة ومختلفة من صناع القرار في المؤسسات الخيرية. وهذا يستغرق وقتاً كبيراً".  

وكالات المعونة تأخذ طابع الشركات

لا تقتصر قاعات العرض في القمة العالمية للعمل الإنساني على مساعدة المحتاجين فقط، فالكثير منها هنا يهدف للبيع – بنيّة حسنة بطبيعة الحال. فقد ساهم انتشار الأزمات في نشوء صناعة معونة إنسانية يقدر حجمها بأكثر من 20 مليار دولار.  

وهناك الكثير، مثل سيمون بوستما، الذي حصل على لقب "مدير مشروع" ولكنه بائع أيضاً، يحاول اقتحام منجم الذهب المحتمل لسوق العمل الإنساني.

تصنع شركة بوستما الهولندية "هوسبيتينير" المستشفيات التي يمكن تركيبها بسرعة، ما يوضح أهمية عامل الوقت.

Hospitainer at WHS
أندرو غالي/إيرين

'قال الناس في الميدان، من منظمة غير حكومية،' نحن بحاجة إلى هذه المستشفى، نحتاج إليها الآن'. قلنا، 'حسنا يمكننا توريدها'، ولكن الإجراءات كانت صارمة بحيث لم نستطع العمل بسرعة". 

الحل المهم الذي يقترحه بوستما هو أن يسمح النظام بإقامة شراكات بحيث تستطيع الشركات بناء ثقة حقيقية ومن ثم تسريع العملية.

"القواعد الحالية صارمة جداً. لا تستطيع المنظمات غير الحكومية عقد شراكة مع شركة خاصة لأن الشركة الخاصة سوف تتمتع حينئذ بميزة. لذا، تريد المنظمات غير الحكومية دائماً أن تكون مستقلة. ولكنني أعتقد أنه يجب أن تكون هناك طريقة مختلفة للتعامل" مع مثل هذه الظروف.

أما بالنسبة لبنيامين دينيف الذي يعمل في مؤسسة ماغي شيلتر، فإنه يركز على توفير حلول دائمة للنازحين قسراً، فيما يتعلق بالسكن والمرافق التعليمية والصحية، ولكنه يرى أيضاً أن سير الوكالات الإنسانية في اتجاه أكثر توجها نحو السوق أمر جيد. 

"أعتقد حقاً أنها تحتاج إلى القيام بمثل هذه الأمور لجعل المجال الإنساني أكثر كفاءة، وأكثر محاكاة لنظام الشركات، بحيث تتبنى جميع هؤلاء الأشخاص الأذكياء وتلك المبادرات الواعدة". 

تظاهر بالاهتمام؟

وفي موقع آخر في قاعة العرض، نجد مايك فوسيت من مؤسسة إمباثي آكشن

قال فويست لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "ربما نكون على الطرف الآخر من الطيف من هذه الأفكار العظيمة والمؤثرة"، قبل أن يشرح كيف أن منظمته غير الحكومية الصغيرة تسعى إلى تحويل الوعي إلى تعاطف وتحرك للمساعدة وذلك من خلال تعريض الجمهور المستهدف لمحاكاة المعاناة الحقيقية للمتضررين من الكوارث. 

"أفكارنا لإصلاح الوضع متواضعة نسبياً. نود أن نحظى بتغطية أكبر. نود زيادة الوعي بما نقوم به. نريد أن يدرك الناس أننا نقوم بشيء مهم يتعلق بالتأثير في الناس لكي يتحركوا".

"إذا كان لي أن أغير أي شيء بالنسبة لنا، فإنني أود أن نفعل المزيد مما نقوم به، نود المزيد من التمويل، نود المزيد من الوعي، والمزيد من التعاطف حتى يتحرك الناس".

ومؤسسة فوسيت ليست هي الوحيدة التي تبيع أنظمة المحاكاة. فهناك أيضاً تواجد كبير لأنظمة التفاعل، بل وحتى الواقع الافتراضي. 

وفي عالم أنهكته الحرب، ربما تظن أن الجميع لديه ما يكفي من القنابل والخسائر والآلام، ولكننا نعيش أيضاً عصر المواطنين الصحفيين وصور السيلفي. فالجميع يريدون أن يصبحوا جزءاً من الخبر، أو يريدون على الأقل أن يجربوا كيفية الإبلاغ عنه. في الجناح الخاص بمنظمة اليونسكو، يمكنك القيام بذلك بالضبط. يمكنك ارتداء زوج من نظارات الواقع الافتراضي، والانغماس 360 درجة في خط المواجهة في سوريا مع راو يصف مهمتك الصحفية وأنت تتنقل بين الأنقاض، وعامة الناس والقنابل.

 

والجدير بالذكر أنه طرأت خلال السنوات الأخيرة زيادة هائلة في استخدام المركبات الجوية غير المأهولة في عرض الأضرار وجمع البيانات في حالات الكوارث والطوارئ. ومن ثم، تشارك الكثير من الشركات المصنعة للطائرات من دون طيار في المعرض أيضاً، حتى أنه توجد شركة تركية، تدعى فيستل، تقول تقارير وسائل الإعلام أنها تختبر نسخة جديدة مسلحة: ليس بالطبع من نوع #ReShapeAid أو إعادة تشكيل المعونة الذي يفكر فيه المنظمون. 

ما هي الخلاصة؟ 

من السهل أن تكون ساخراً وأنت تتجول أمام بعض أجنحة العرض الأكثر انتهازية، ولكن من الصعب أيضاً أن تظل ساخراً لفترة طويلة جداً. فهذه أولاً وأخيراً، قمة إنسانية. لقد جاء معظم الناس هنا لفعل الخير. وجاءت تلك الشركات بالكثير من الابتكارات أيضاً.

وفي هذا السياق، قال جيفري كاتيراجا من منظمة "خريطة الشارع المفتوح" OpenStreetMap الإنسانية أن الآلاف من المتطوعين من جميع أنحاء العالم قد أسهموا في إدخال أكثر من 12 مليون تعديل على الخرائط المجانية، التي تمثل أداة حيوية لمنظمات الإغاثة في الاستجابة للكوارث أو الأزمات السياسية. 

وفي هذا الصدد، قال كاتيراجا: "اسمحوا بتمكين الناس على أرض الواقع"، وحثّ الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الرئيسية على تعزيز القيادات المحلية من خلال التدريب والابتكار: "الأمر يتعلق بكيفية سد الفجوة، وكيفية العمل مع المجتمعات المحلية". 

إنها شكوى عامة هنا، ولكن ايليدة كينيدي من منظمة العمل ضد الجوع تأمل في أن لا يندفع الجميع بسرعة ليجعلوا من الأمم المتحدة كبش فداء.

"أمر تقليدي أن يتم إلقاء اللوم على الأمم المتحدة. أعتقد أن هناك أخطاء كثيرة في الأمم المتحدة ولكنني أعتقد أننا لا نتأمل في أنفسنا بما فيه الكفاية... فالأمم المتحدة ليست هي أهم شيء وليست كل شيء".

وعلى الرغم من أن هناك أسئلة كثيرة، لكن ربما الأهم هو: كيف يمكننا توجيه كل هذا الكم الهائل، ومعظمه جيد، من الأفكار الإنسانية في نظام (أو "نظام إيكولوجي"، بحسب المصطلح السائد حالياً) يعمل لصالح أولئك الأشد احتياجاً؟

 

ag/bp-kab/dvh