حلب: ما بعد الكارثة

توم ويستكوت

صحافية مستقلة ومساهمة منتظمة في إيرين

حلب، التي كانت أكبر المدن السورية من حيث عدد السكان، أصبحت الآن منطقة كوارث إنسانية. ومع اشتداد حدة القتال في عدة مناطق وعودة القنابل التي تتساقط كالمطر من السماء، يحاول عشرات الآلاف من المدنيين المنسيين في سوريا البقاء على قيد الحياة على الخطوط الأمامية، حيث يضطرون لتفادي الصواريخ والاختباء من القناصة.

 

 

لقد أصبحت حياتهم أكثر صعوبة خلال الـ48 ساعة الماضية نظراً لانهيار وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه في الأسابيع الماضية ولكن لم يتبق منه الآن سوى اسمه. وتقول منظمة أطباء بلا حدود أن إحدى المستشفيات التي تدعمها تعرضت للقصف يوم الأربعاء الماضي، مما أدى إلى مقتل 14 مريضاً وطبيبين على الأقل. كما وردت تقارير تفيد بأن عشرات الناس قد لقوا مصرعهم في المدينة يوم الخميس جراء الهجمات التي شنتها القوات الموالية للحكومة وقوات المعارضة المختلفة على حد سواء. مع ذلك، يقول وسيط الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا أن وقف الأعمال العدائية المستمر منذ شهرين لا يزال "قائماً ولكن بالكاد".

وفي السياق نفسه، قال فالتر غروس، رئيس مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حلب في بيان يوم الخميس الماضي: "أينما تكون، تسمع انفجارات قذائف الهاون والقصف والطائرات التي تحلق فوقك. لا يوجد حي في المدينة لم يتضرر، والناس يعيشون على حافة الهاوية. الجميع هنا يخشون على حياتهم، ولا أحد يعرف ما ستؤول إليه الأمور".

وتجدر الإشارة إلى أن شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قد زارت جزءاً من المدينة تسيطر عليه القوات الموالية للرئيس بشار الأسد قبل تصاعد أعمال العنف في الأونة الأخيرة، ووجدت أن آلاف الناس يعانون بالفعل من نقص المساعدات ويفتقرون إلى الموارد المالية اللازمة لمغادرة المدينة. ولم نتمكن من الوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والتي يتم قصفها بشكل روتيني، حيث أصبح الوضع أكثر سوءاً.

نقص المساعدات

وفي منطقة صلاح الدين السكنية، التي تبعد حوالي كيلومترين اثنين عن المكان الذي تقول منظمة أطباء بلا حدود أن المستشفى تعرض للقصف فيه، كانت أكوام من الأنقاض تعلوها مركبات مهجورة بالية تُستخدم كحواجز لسد الشوارع. وكانت قطع القماش المشمع المقدمة من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين معلقة بعرض الشوارع لحماية المدنيين من القناصة.

وقال جندي من الجيش السوري المتمركز في المنطقة (تسيطر الحكومة على حوالي 50 بالمائة من مساحتها) أن ما يقرب من 70,000 شخص، معظمهم من الأُسر النازحة من مناطق أخرى من حلب، يعيشون في منطقة تبعد أمتاراً قليلة عن المناطق التي يسيطر عليها المتمردون.

وأصبح حتى جمع المساعدات التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي والهلال الأحمر العربي السوري عملاً محفوفاً بالمخاطر.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية، قالت بُشرى طاهر التي تبلغ من العمر 32 عاماً أن "نقطة توزيع المساعدات تقع على خط المواجهة، ويتعين علينا الانتظار في طابور لمدة ثلاث ساعات للحصول على الصناديق".

"قبل شهرين لقي رجل مصرعه رمياً برصاص قناص أثناء وقوفه في الطابور بينما كنا ننتظر. إن الإرهابيين يعرفون متى يصطف الناس للحصول على المساعدات، ويستهدفون الحشد،" كما أضافت.

واشتكت طاهر من أن المؤن شحيحة وليست كافية لتلبية احتياجات أسرتها. وكانت لدى وصولها تفتقر بالفعل إلى بعض أصناف الطعام الأكثر قيمة، مثل الأطعمة المعلبة.

وأضافت قائلة: "لقد نسيت طعم أشياء كثيرة، مثل البيض والجبن".

والجدير بالذكر أن زوج طاهر فقد وظيفته عندما تم تدمير مصنع الحليب الذي كان يعمل به، مما جعل الأسرة تعتمد بشكل كامل على المساعدات. وقد جعلها النظام الغذائي الهزيل غير قادرة على إرضاع ابنتهما البالغة من العمر شهرين، والتي وُلدت في الشقة المفروشة بأثاث قليل التي أصبحت منزل الأسرة منذ عام.

"إن حي صلاح الدين في حالة سيئة للغاية وخطير جداً بسبب القناصة والصواريخ العشوائية،" كما أوضحت طاهر، مضيفة: "يوم أمس، في هذا الشارع بالتحديد، لقي صبي مصرعه جراء انفجار زجاجة غاز [عبوة ناسفة بدائية الصنع تُطلق من قذيفة هاون]، في فترة ما بعد الظهر. وفي بعض الأحيان، أشعر بخوف شديد على ابني حتى أنني لا أسمح له بالذهاب إلى المدرسة".

غير قادرين على الرحيل

مثل العديد من 6.5 مليون نازح داخل سوريا، يمنع الفقر معظم الأشخاص الذين ما زالوا يعيشون على الخطوط الأمامية في حلب من المغادرة، ويعيشون في أطلال المباني السكنية.

وفي هذا الشأن، قالت سعاد الطباخ التي تبلغ من العمر 70 عاماً: "لقد كان فصل الشتاء صعباً جداً هنا، بلا أبواب ولا نوافذ. كنا نجمع القمامة من الشوارع ونحرقها على نار مكشوفة في محاولة لتدفئة الغرفة".

وأضافت أن بداية فصل الربيع جلبت راحة من البرد، ولكنها عبرت عن حزنها لفقدان منزلها، الذي يقع في جزء من صلاح الدين يخضع لسيطرة المعارضة.

Man with his children

وفي شقة بالطابق العلوي على بعد أمتار من خط المواجهة، شيد هيثم الحاج بحر البالغ من العمر 40 عاماً خزان مياه مؤقت من الأغطية التي توفرها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

إنه يبدو كبركة تجديف، وغير مُغطى، ويستغرق ملؤه بالمياه التي تُضخ إلى أعلى من الشارع عدة ساعات. يبدو هذا عملاً بدائياً ولكن عائلته سعيدة بالترتيبات الجديدة. "كان جميع أطفالي يعانون من مشاكل في المعدة عندما لم يكن لدينا ماء من قبل، لأننا كنا نضطر للاعتماد على الإمدادات الملوثة،" كما أوضح.

وتعيش أسرة الحاج بحر المؤلفة من تسعة أشخاص في شقة من ثلاث حجرات منذ أربع سنوات، أي منذ أن استهدفت قوات المعارضة منزله في منطقة أخرى من صلاح الدين. وقال: "تم تهديدي في بداية حركة التمرد لأنني كنت أعمل لدى الحكومة. لقد سرقوا كل الأثاث، ولذلك اضطررنا للفرار، وقيل لي فيما بعد أنهم دمروا معظم المنزل ولم تبق به سوى غرفة واحدة فقط".

لا يزال الحاج بحر ينجح في الوصول إلى عمله، عبر سلسلة من الحافلات الصغيرة بعد التنقل في الشوارع المجاورة لمنزله التي ينتشر بها القناصة. وأوضح أن "المنطقة آمنة إلى حد كبير عندما تعرف خباياها، ولكن القناصة يغيرون أماكنهم ولذلك يتعين علينا أن نتحرك بحذر شديد".

لا طفولة

ويحاول سكان هذا الجزء من صلاح الدين، معقل الحكومة الذي نجا من أسوأ ما في مجزرة حلب، التكيف مع الظروف الصعبة. فوق ملصقات كبيرة تحمل صورة الأسد، تمتد شبكة معقدة من الكابلات عبر الشوارع. وتنقل هذه الكابلات الكهرباء من مولدات الديزل التي تديرها المقاهي والمتاجر المحلية لإنارة المنازل التي تفتقر إلى الكهرباء منذ عدة سنوات.

ويمكن للأسرة شراء أمبير واحد يوفر 10 ساعات من الضوء الكهربائي والتلفزيون يومياً لمدة أسبوع واحد مقابل 750 ليرة سورية (3.40 دولاراً)، كما أوضح طاهر خواجية البالغ من العمر 35 عاماً، وهو واحد من العديد من النازحين الذين وجدوا طرقاً بسيطة لكسب العيش على حافة الصراع.

Electricity cables in Aleppo

وقد تمكن الميكانيكي وليد جمعة البالغ من العمر 33 عاماً من إنقاذ بعض أدوات من ورشته - التي تم تدميرها بعد ذلك - وبدأ العمل في إصلاح المولدات التي يعتمد عليها سكان صلاح الدين الآن بصورة مكثفة. ولديه متدربان يبلغان من العمر 12 و14 عاماً – وهما من بين العديد من الأطفال الذين أجبرهم الصراع في سوريا على النضج المبكر.

ويعمل طفل آخر يبلغ من العمر 14 عاماً واسمه محمد في مصنع للنسيج منذ مقتل والده وشقيقه الأكبر أثناء الصراع. وقال بكل فخر واعتزاز، وهو يبسط قامته قدر استطاعته: "إنني أعمل لكسب المال اللازم لأسرتي، وطموحي هو أن أتطوع في الجيش السوري للدفاع عن بلدي".

وفي شارع آخر، جلس صبي على درج خارج عيادة اليونيسف وهو يجهش بالبكاء.

tw/as/ag-ais/dvh


تم نشر النسخة العربية في 29 أبريل 2016