تاليش، 19 أبريل 2016
توم ويستكوت

صحافية مستقلة ومساهمة منتظمة في إيرين

شهد الصراع المتأجج منذ 25 عاماً بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم ناجورنو قرة باغ المتنازع عليه تصاعداً مأساوياً بداية هذا الشهر. وعلى الرغم من أنه لم يستحوذ على العديد من العناوين الرئيسية، إلا أن أكثر من 100 شخص لقوا مصرعهم في الاشتباكات العنيفة التي وقعت بين الطرفين. 

 

 

والجدير بالذكر أن القوات اﻷذربيجانية قد قامت بقصف المنطقة الحدودية، مما أدى إلى إخلاء قرية تاليش الزراعية الشمالية، وأجبر سكانها على هجر منازلهم.

أصبحت تاليش الآن مدينة أشباح. وقد عاد عدد قليل من السكان السابقين لتفقد الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم وجمع ما يستطيعون حمله منها في سياراتهم والعودة به إلى أسرهم النازحة، وإلا فسيتركونه خلفهم.

ولم يعد البقاء خياراً الآن. فعقب الاشتباكات التي وقعت مؤخراً، أصبحت القرية التي لا تبعد سوى بضع كيلومترات من خط المواجهة، ضمن المنطقة غير المستقرة التي أعلنت القوات المسلحة في إقليم ناجورنو قرة باغ أنها منطقة عسكرية.

ويُعد هذا الوضع بالنسبة لأولئك الذين عاشوا خلال الحرب التي نشبت في فترة التسعينيات وأسفرت عن مصرع 30,000 شخص ونزوح أكثر من مليون، مألوفاً جداً.

وتعليقاً على الوضع الراهن، قال فانيك أرميني البالغ من العمر 60 عاماً لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) وقد اغرورقت عيناه بالدمع: "لقد دُمرت قريتنا في الحرب الأولى [1991-1994]، ومرة أخرى الآن. لا أستطيع تحمل هذا مرة أخرى... تعجز الكلمات عن وصف ما أشعر به. ولا أعرف كيف سأتمكن من رعاية أسرتي".

شبح الماضي يعود من جديد

وأسرة أرميني هي من بين 600 فرد من سكان تاليش الذين فروا من القرية في الساعات الأولى من يوم 2 أبريل. فعندما سقطت قذائف بالقرب منهم، غادروا القرية بسرعة في السيارات القديمة أو الشاحنات العسكرية، حتى أن بعضهم فروا بملابس النوم.

وأضاف أرميني: "سقط أول صاروخ على القرية في الساعة 03:20 صباحاً فأخذت أحفادي فوراً إلى منزل ابني الذي يقع في الجهة المقابلة لمنزلنا لأنه يوجد به طابق سفلي ظناً منا أنه سيكون آمناً... قمنا بتأمين 17 طفلاً في الطابق السفلي. ولكن بعد ذلك بوقت قصير، أصيب منزل ابني، وتسببت الأنقاض الناجمة عن الانفجار في سد المدخل".

وفي الوقت الذي استمر فيه انهمار القذائف على القرية، قضى أفراد الأسرة ساعتين في إزالة الأنقاض حتى تمكنوا من فتح المدخل المؤدي إلى الطابق السفلي، وإخراج الأطفال والفرار بعيداً إلى مكان آمن.

وكانت امرأة تبلغ من العمر 92 عاماً من بين ثلاثة أشخاص متقدمين في السن وضعفاء جداً لدرجة لا تمكنهم من الفرار من منازلهم التي توجد في طرف القرية القريب من خط المواجهة. وقد لقي هؤلاء مصرعهم رمياً بالرصاص وتم العثور على جثثهم مشوهة بشكل فظيع.

ويُشعر اشتعال الصراع القديم مجدداً، عقب مرور قرابة عقدين من الاستقرار النسبي، سكان القرية الهادئة بقلق عميق، الذين لطالما أدركوا خطورة موقعها في قلب الصراع الممتد منذ قرون.

Map of Nagorno-Karabakh
أفازفسكي/ويكيميديا كومنز
رغم أن ناجورنو قرة باغ قد أعلنت استقلالها في عام 1991، إلا أنها لم تحظ باعتراف دولي.

والجدير بالذكر أنه قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، كانت ناجورنو قرة باغ إحدى المناطق الإدارية التابعة لأذربيجان، على الرغم من أن غالبية سكانها هم من عرقية الأرمن.

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، قاد الصراع بين أذربيجان وأرمينيا إلى قيام إقليم ناجورنو قرة باغ بإعلان الاستقلال في عام 1991 (غير أنه لم يتم الاعتراف باستقلال الإقليم دولياً). وقد استمرت الحرب ثلاث سنوات عقب ذلك. ومنذ عام 1994، ساهم وقف إطلاق النار الهش في منع تفاقم التوترات حتى حدث هذا التصعيد الأخير. 

وعلى الرغم من تبادل الاتهامات بين كلا الجانبين حول الطرف المتسبب في اندلاع الاشتباكات الأخيرة، إلا أن الشيء المؤكد هو أن التوتر قد تصاعد بسرعة. وقد تجاوزت القوات اﻷذربيجانية خطوط التماس المتفق عليها منذ أمد طويل فرد الجيش في ناجورنو قرة باغ بهجمات مضادة قوية. وعلى الرغم من أن موسكو قد سارعت بالتوسط بين الطرفين لوقف إطلاق النار، إلا أن الانتهاكات لا تزال ترتكب من كلا الجانبين. 

أرواح أزهقت

حاملاً بندقيته من نوع كلاشنيكوف على كتفه، قام أبلي إيان، ابن أرميني، بجمع الفُرش التي كانوا ينامون عليها والملابس التي تركوها وراءهم في تاليش وحملها لأسرته التي نزحت إلى بلدة اسكيران التي تقع على بُعد 90 كيلومتراً من تاليش بحثاً عن الأمان.

شق إيان طريقه فوق بقع الدماء التي جفت في الشارع، ودفع البوابة المعدنية، التي مزقتها شظايا القصف، التي تؤدي إلى النصف الأمامي لمنزله الذي دُمر تماماً.

وقال وهو يتسلق الحطام ليصعد الدرج المؤدي إلى غرفة نوم بسيطة حيث توجد صناديق تفاح، يغطيها الغبار المنبعث من الانفجارات، كان قد تم تخزينها لفصل الشتاء: "لقد سقط صاروخان أو ثلاثة هنا". وأضاف، بصوت ينم عن حالة الحزن والمحنة التي يعيشها: "كان أطفالي نائمين هنا عندما سقط الصاروخ الأول".

ويقدر أبلي إيان، مدير مؤسسة الزراعة في تاليش التي دمرت الآن، أن أكثر من 50 بالمائة من القرية تضررت بشدة، بما في ذلك المدرسة المحلية. وقد أحال القصف القاعة التي تستخدم لعقد حفلات الزفاف وغيرها من المناسبات إلى أنقاض، ناهيك عن وجود ذخائر غير منفجرة في العشب في الخارج. 

وفي حين أن بعض حيوانات المزرعة التي نجت تجول بحرية عبر القرية المهجورة، لم تُكتب النجاة لغيرها. وفي حقل قريب، يمكن رؤية خنزير نافق وأثار شظايا على جثته. ويمكن مشاهدة بقايا الحياة التي توقفت فجأة في كل مكان: فهناك ملابس معلقة على حبال الغسيل، وسروال من الجينز استقر بعدما طار على إحدى الأشجار، وأغذية تركت على حالها في المطابخ، وشظايا معدنية حارقة اخترقت بوابات حديدية وآلات زراعية.

يمتلك أرميني 100 فدان من الأراضي الزراعية، يزرعها بالرمان والعنب والقمح، وتمتد على طول خط المواجهة. ولكن للأسف لن يكون هناك حصاد هذا العام. 

يحفر بقوة تمتزج بحالة من الغضب في بستانه لاستخراج زجاجات كوكاكولا بلاستيكية مملوءة بالنبيذ، ويقول: "من بين تقاليدنا أن نقوم بدفن النبيذ في نهاية موسم الحصاد لنشربه في السنة التالية، ولكنني لن أستطيع العودة مرة أخرى، لذا أقوم باستخراجه". ويضيف وهو يلقي بالزجاجات على الأرض في حالة تنم عن اليأس: "كان لديّ طن من النبيذ والفودكا الجاهز للبيع، ولكنه تلف من جراء القصف. لم يتبق أي شيء".

الاضطرار إلى اللجوء مجدداً

ويبحث المقيمون في تاليش عن أي ملجأ يأويهم. ولكن في ظل إجلاء قريتين أخريين في بداية شهر أبريل، فقد باتت خياراتهم قليلة. وقد شاهدت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عائلة تقيم مع أقارب لها في مدينة شوشي، حيث يمكث 14 شخصاً محشورين في ثلاث غرف في مبنى متهالك. 

وقالت راسميلا ساركيسيان، التي تبلغ من العمر 50 عاماً، وهي تبكي: "لقد دمرت القرية. دمرت تماماً ... والآن، ليس لدينا عمل ولا منزل لا شيء. لا أعرف ماذا أفعل وإلى أين أذهب". وأشارت إلى أطفالها الثلاثة، الأكبر منهم مصاب بشلل في ذراعه بسبب إصابته في اشتباكات وقعت في تاليش في فترة التسعينيات: "الوضع صعب جداً على أطفالي الذين لا يستطيعون الذهاب إلى المدارس حتى الآن. أي مستقبل ينتظرهم؟"

وفي مدينة ستيباناكيرت، عاصمة إقليم ناجورنو قرة باغ، يقيم كارين وأناهيت غافاليان، اللذان يبلغان 52 عاماً، مع ابنتهما الصغرى في شقة من غرفة واحدة مع أحد الأقارب.

ذكر كارين أن أهالي قرية تاليش قد اعتادوا منذ وقت طويل على صوت الاشتباكات ولكن الاشتباكات الأخيرة مختلفة: "استمر الهجوم بلا توقف طيلة الليل والنهار. عدت مرة أخرى لأخذ بعض الأشياء لأننا نعيش هنا من دون أثاث وننام على الأرض...أصيب منزلنا بستة صواريخ، ولم يتبق سوى الجدران وجزء من السقف فقط".

Man and woman on a couch

وذكرت أناهيت، التي عملت مدرسة في مدرسة تاليش لمدة 27 عاماً، أن المباني قد أصيبت أيضاً في الهجوم الذي استمر لمدة أربعة أيام على القرية. وأعربت عن قلقها العميق بشأن تلاميذ المدرسة الذين يبلغ عددهم 103 طلاب، الذين أصيبوا بالصدمة بسبب القتال وتشتتوا الآن في جميع أنحاء الدولة. 

وأضافت أن بعض الطلاب قد اضطروا إلى الفرار إلى أماكن بعيدة تصل إلى أرمينيا المجاورة. وقالت أنها تزور الأطفال النازحين في ستيباناكيرت، وتقدم لهم بعض الدروس الأساسية في المنزل ولكن الصعوبات المالية سوف تجبرها قريباً على إيجاد فرصة عمل في العاصمة.  

وهذه هي المرة الثانية التي تنزح فيها أسرة غافاليان، مثل جميع سكان تاليش، من ديارها.

وقال كارين: "في عام 1992، تم إحراق القرية بأكملها ولم ينج منزل واحد".

"لقد عدنا في عام 1996، ولكننا أستغرقنا عاماً ونصف لإعادة بناء منزلنا". وأضاف أنه لا يتوقع أن تتمكن الأسرة من العودة إلى ديارها في المستقبل القريب، لاسيما وأن كلا الجانبين مجهزين بأسلحة ثقيلة أقوى مما كانا عليه في فترة التسعينيات.  

"في فترة التسعينيات، كانت البنادق الآلية تستخدم في الحرب، ولم تكن تمتلك القوات اﻷذربيجانية مثل هذه الأسلحة المتطورة والحديثة ... أما الحرب هذه المرة، فتستخدم فيها المدفعية".

أجهشت زوجته أناهيت بالبكاء، وقالت أن مدرسة القرية كانت تجهز لتنظيم حدث كبير للاحتفال بالذكرى العشرين لعودة السكان المحليين إلى تاليش في عام 1996، عقب جلاء القوات اﻷذربيجانية عنها. والآن لا يوجد أحد هناك: "نحن لا نريد أي شيء سوى وقف إطلاق النار والسلام".

tw/as/ag-kab/dvh


تم نشر النسخة العربية في 25 أبريل 2016