مصرع ثلاثة أشخاص في الفلوجة

انتحار أسرة يلقي الضوء على أزمة إنسانية في العراق

ملاحظة من الكاتب

*أشارت نسخة سابقة من هذا المقال خطأً إلى أن الطفلين اللذين ظهرا في الصورة هما طفلا الجاسم ولذلك اقتضى التنويه

كانت جميلة الجاسم يائسة، ولذلك فعلت ما لا يمكن تصوره.

 

في الشهر الماضي، ربطت السيدة البالغة من العمر 26 عاماً نفسها وطفليها الصغيرين بحبل مثبت حول صخرة وألقت بها في أحد أنهار الفلوجة. وقد عُثر على جثثهم بعد فترة وجيزة.

وقد أحدث مصرع الأسرة الصغيرة صدمة في مختلف أرجاء الفلوجة، وهي مدينة يسيطر عليها ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية وتحاصرها قوات الأمن العراقية. ولا يعلم أحد علم اليقين عدد المدنيين الذين لا يزالون داخل المدينة – إذ تشير التقديرات أن عددهم يتراوح بين 30,000 و50,000 شخص، ولكن المؤكد أن الغذاء لا يدخل إليها في الوقت الذي لا يستطيع السكان الخروج منها.

وروى أبو محمد، وهو أحد أقارب الأم الشابة، قصة نزوح الجاسم وطفليها جراء القصف، وإعدام زوجها من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وشعورها بأن خياراتها قد نفدت.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قائلاً: "شعرت الأم بالضياع بعد مقتل زوجها، ولم تعد قادرة على إطعام طفليها".

وفي السياق نفسه، قال سعدون عبيد، رئيس بلدية الفلوجة الذي يعيش في المنفى أن 10 حالات انتحار أخرى على الأقل قد حدثت منذ تشديد قوات الأمن العراقية والميليشيات المتحالفة معها حصارهم للمدينة قبل ثلاثة أشهر.

وقال في حديثه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الموت يهدد أهالي الفلوجة بسبب نقص الغذاء والدواء".

وتشاركه منظمة هيومن رايتس ووتش هذه المخاوف.

"سكان الفلوجة يواجهون الجوع بسبب الحصار الذي تفرضه الحكومة وداعش. على الأطراف المتحاربة ضمان وصول المساعدات إلى المدنيين،" كما حذر نائب مدير قسم الشرق الاوسط جو ستورك في بيان يوم الخميس.

نداء لتقديم المساعدة

وبعد فترة وجيزة من العثور على الجثث، بدأ مقطع فيديو منخفض الجودة ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي العراقية، وتظهر فيه امرأة ترتدي النقاب (غطاء الوجه) الذي لا يبيّن سوى عينيها، وتقف أمام موقد وتشير بحماس إلى ما تبدو وكأنها كاميرا هاتف محمول.

وتصيح: "نحن نموت من الجوع والقهر [في الفلوجة]. أطفالنا يُصابون بالأمراض ويموتون".

وتشير المرأة، التي لم يُنشر اسمها، إلى انتحار الجاسم قائلة: "بعض الناس يفضلون رمي الأطفال في النهر والانتحار لنسيان المعاناة والذل".

وتناشد الدول العربية والغرب أن يقدموا المساعدة، وتشير إلى أنها تفضل إسقاط أسلحة كيماوية على المدينة بدلاً من تركها "تموت ببطء".

A cry for help from Fallujah

جزء من مقطع فيديو نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي التي تزعم أنه من داخل مدينة الفلوجة المحاصرة

وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة لا تستطيع الوصول إلى الفلوجة، وأن السكان يعيشون على المواد الغذائية الباهظة الثمن، وغالباً ما تكون منتهية الصلاحية. وذكر عدة أشخاص أنهم يأكلون التمر الذي يشبه "علف الحيوانات" في مذاقه. وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش أن لديها تقارير عن أشخاص يأكلون حساءً مصنوعاً من العشب.

كما يعد نقص الأدوية مصدر قلق كبير. وعندما تحدث عبيد مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) مؤخراً قال أن أربعة أطفال لقوا حتفهم في الأيام الأخيرة لأنهم يفتقرون إلى العلاج أو الدواء المناسب. وذكر مصدر طبي في الفلوجة، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، نفس عدد الوفيات.

وقال المصدر لشبكة الأنباء الإنسانية: "لدينا أعداد أكبر من حالات الجفاف والطواقم الطبية غير قادرة على التعامل مع هذا الوضع أو نقص الغذاء. إننا نحذر من كارثة إنسانية حقيقية".

من جانبها، أخبرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في العراق، ليزا غراندي، شبكة الأنباء الإنسانية يوم الخميس الماضي أن الأمم المتحدة أيضاً تشعر "بقلق شديد بشأن الوضع في الفلوجة".

وأكدت أن أسعار المواد الغذائية الأساسية قد زادت بشكل كبير وأن الإمدادات لا تدخل إلى المدينة.

وأضافت أن "الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة ويحتاجون إلى أدوية متخصصة من أجل البقاء على قيد الحياة يواجهون ورطة حقيقية. لدينا تقارير من مبلغين رئيسيين عن أُسر تحاول بالفعل التكيف مع الوضع عن طريق تفويت بعض الوجبات، وفي بعض الحالات لعدة أيام متتالية، ويضطرون لتقليل عدد السعرات الحرارية التي يستهلكونها. ينبغي أن نفترض أن الناس الذين يعانون بالفعل لابد أن يكونوا الآن معرضين لخطر شديد،" كما أفادت.

عقاب جماعي؟

وتشعر إحدى النساء في الفلوجة، التي تحدثت إلى شبكة الأنباء الإنسانية بشرط عدم الكشف عن هويتها، بالقلق على بقاء أسرتها الكبيرة على قيد الحياة.

"لدي ثمانية أطفال، وليس لدي شيء لإطعامهم: لا أرز ولا طحين ولا حتى تمر،" كما أوضحت.

واستخدمت الاسم العربي الشائع لتنظيم الدولة الإسلامية، أثناء إصرارها على أن أسرتها ليست على صلة بالإسلاميين المتشددين: "نحن لسنا داعش ... نحن ضحايا ولا نملك أي سلطة".

ويشير إصرارها على أنها لا تتعاطف مع تنظيم الدولة الإسلامية على الإطلاق إلى مضاعفات حصار الفلوجة. هناك شعور عميق بانعدام الثقة بين سكان الفلوجة السنيين والحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة في العراق.

وفي هذا الشأن قال عبيد: "لقد ناشدنا رئيس الوزراء حيدر العبادي أكثر من مرة لإسقاط المساعدات [على الفلوجة] ولكننا لم نتلق إجابة واضحة".

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية أنه يشعر بأنه يجري تجاهل المدينة عمداً بسبب معارضتها لغزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003.

ففي ذلك الحين، كانت المدينة مرتعاً لنشاط المسلحين، ثم أصبحت فيما بعد أحد معاقل تنظيم القاعدة. وهناك شعور بأن السكان المحليين لم يعارضوا تنظيم الدولة الإسلامية بالكامل عندما استولت الجماعة على السلطة في يناير 2014.

وقد أيدت مجموعة من زعماء القبائل السنية في محافظة الأنبار التي تضم مدينة الفلوجة، مشاعر عبيد في بيان أصدروه يوم 29 مارس.

"إن ما تواجهه الفلوجة من جوع وحصار هو عقاب جماعي تمارسه الحكومة وقواتها الأمنية من الخارج، وتنظيم الدولة الإسلامية من الداخل. يواجه شعب الفلوجة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية والاستهداف المتعمد من قبل الحكومة،" كما ذكر البيان.

لا مخرج

وترتبط النهاية المأساوية للجاسم بشبكة معقدة من الولاءات التي توجد داخل المدينة المحاصرة.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية، قال كل من أبو محمد والعقيد جمال الجميلي، قائد شرطة الطوارئ في الأنبار، أن زوجها أُعدم من قبل تنظيم الدولة الإسلامية لأنه كان ضابط شرطة.

ثم انضم العديد من أقاربها إلى تنظيم الدولة الإسلامية، بما في ذلك شقيق واحد على الأقل، كما أفاد الجميلي.

وأضاف أن "إخوة هذه المرأة انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية وتطاردهم قواتنا الأمنية".

ونظراً لهذه الصلات، فحتى لو كانت الجاسم تريد الفرار من الفلوجة، لما تمكنت من إيجاد سبيل للخروج.

وفي السابق، كانت الرشاوى تكفي لتحقيق هذا الهدف، لكن هذا لم يعد خياراً قائماً لأن السكان يخافون من تنظيم الدولة الإسلامية والميليشيات الشيعية التي تحيط بالمدينة على حد سواء.

وكما وصفت غراندي من الأمم المتحدة الوضع: "لقد كانت هناك صمامات ضغط في كثير من المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وكان من الممكن، في ظل ظروف صعبة للغاية، وإذا كنت محظوظاً جداً، العثور على طريقة للخروج. ولكن هذا أصبح الآن أكثر صعوبة. فالناس محاصرون ولا يوجد سبيل للخروج".

ومع زيادة التقارير الواردة عن اليأس داخل الفلوجة، قالت غراندي أن الحكومة العراقية أكدت أنها "تعتزم فتح ممرات آمنة لمساعدة الناس على ترك المدينة والوصول إلى بر الأمان". ولكن لم يتم تحديد التفاصيل بعد.

وأضافت قائلة: "بناءً على ما نعرفه عن الأوضاع في الفلوجة، يجب أن يحدث هذا في أسرع وقت".

oj/as/ag-ais/dvh


تم نشر النسخة العربية في 10 أبريل 2016