تجارة الأفيون تزدهر مجدداً في أفغانستان

وقف حاجي عبد الحكيم إلى جانب كومة تزن 20 كيلوغراماً من الفاصوليا الخضراء، عبارة عن الحصاد الكامل لمحصوله بعدما أقنعته السلطات في ولاية هلمند بالتوقف عن زراعة خشخاش الأفيون في العام الماضي.

 

وقال في مقابلة في منطقة ناد علي في أكتوبر الماضي: "لقد دمرت حياتي كلها". فقد أتلفت الآفات حقله، الذي تبلغ مساحته هكتاراً واحداً، ولن يكفي محصوله الضئيل لإعالة أسرته المكونة من 16 فرداً.

وفي العام الماضي، وصل متوسط إنتاج مزرعة الخشخاش في هلمند إلى 18 كيلوغراماً من الأفيون للهكتار الواحد، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. وفي حين يصل ثمن كيلو الأفيون إلى 200 دولار، تباع نفس الكمية من الفاصوليا الخضراء بدولار واحد فقط.

وقال عبد الحكيم: "بمجرد أن يبدأ موسم الخشخاش، سوف أزرع الخشخاش مرة أخرى".

وبعد ستة أشهر تقريباً، سيزدهر موسم الخشخاش في ولاية هلمند الغربية، وهي المنطقة التي أنتجت العام الماضي ما يقرب من نصف إجمالي محصول الأفيون في أفغانستان بالكامل، وفق تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. وتجدر الإشارة إلى أن أفغانستان تستحوذ على حصة الأسد من إنتاج الأفيون في العالم، حيث يتم تحويل معظم الإنتاج إلى هيروين في تجارة غير مشروعة تثري المسؤولين الحكوميين وحركة طالبان وشبكات تجارة المخدرات على مستوى العالم.

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة استثمرت 8.5 مليار دولار بين عام 2002 ومنتصف عام 2015 في برامج تهدف إلى القضاء على زراعة الأفيون وترغيب المزارعين في زراعة محاصيل مختلفة، وفقاً لمكتب المفتش العام الأمريكي المعني بإعادة إعمار أفغانستان. 

لكن هذا الاستثمار فشل فشلاً ذريعاً بكل المقاييس. فقد ازداد إنتاج الخشخاش باطراد طوال فترة بعثة منظمة حلف شمال الأطلسي، التي بدأت عقب قيام الولايات المتحدة بالإطاحة بحركة طالبان في عام 2001. وأنهت بعثة منظمة حلف شمال الأطلسي عملها في أفغانستان في عام 2014، وهي السنة التي قالت الأمم المتحدة إن إنتاج الأفيون في الدولة سجل رقما قياسياً، حيث شكل 90 بالمائة من "المواد الأفيونية غير المشروعة" في العالم. كما شكلت المواد الأفيونية أضخم صادرات أفغانستان في عام 2014، حيث تشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أنها وصلت إلى 2.8 مليار دولار، أي قرابة 13 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

وعلى الرغم من أن إنتاج الأفيون قد انخفض بنسبة 19 بالمائة في أفغانستان العام الماضي، ولكن ذلك لم يكن نتيجة لجهود الاستئصال، التي قلصت زراعة الخشخاش في ولاية هلمند بـ 2 بالمائة فقط، وفقاً للأمم المتحدة. ذلك أن الفطريات والسوس دمر زراعة الخشخاش في هلمند أكثر مما فعلت برامج القضاء عليه. 

مع ذلك، من المتوقع أن يزدهر الإنتاج مرة أخرى هذا العام، في ظل استعداد مزارعين، مثل عبد الحكيم، لحصاد المحصول في الشهر المقبل. ولا توجد سوى جهود ضئيلة لمنعهم من ذلك.

والآن تخلت الحكومتان الأفغانية والأمريكية تقريباً عن جهود القضاء على مزارع الخشخاش واستبدالها في هلمند، حيث تمكنت حركة طالبان في الشهور الأخيرة من انتزاع السيطرة على مناطق كثيرة من الحكومة. وكلما أحرزت طالبان مكاسب أكبر على الأرض، حققت الحركة أرباحاً أكثر من تجارة الأفيون. 

وتوضيحاً لذلك، قال محمود نورزاي، قائد شرطة هلمند المسؤول عن مكافحة المخدرات: "اليوم، يعود الكثير من المزارعين في ناد علي لزراعة الخشخاش مرة أخرى، والشيء نفسه يحدث في كل المناطق الأخرى في هلمند". 

وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر اتصال هاتفي من لاشكر غاه، عاصمة الولاية: "لا توجد عمليات جارية للقضاء عليه".

تراجع جهود مكافحة الأفيون لصالح الحرب

وبدلاً من ذلك وجهت القوات المسلحة الأفغانية مواردها لجهود مكافحة حركة طالبان في حرب يبدو أنها تزداد سوءاً. وقد حققت الجماعة المتمردة مكاسب مستمرة عبر جميع أنحاء البلاد منذ أن أنهت بعثة منظمة حلف شمال الأطلسي مهمتها في ديسمبر 2014، وسحبت الولايات المتحدة معظم قواتها تقريباً البالغ عددها 140,000 جندي إلى خارج البلاد. 

وفي مقابلة أجريت معه في شهر أكتوبر الماضي، قال باز محمد، نائب رئيس مكافحة المخدرات في الدولة أن شرطة مكافحة المخدرات في أفغانستان اضطرت إلى تحويل 32 طائرة هليكوبتر تابعة لها إلى الجيش. وأضاف أن الجيش قد حلّ كتيبة تضم 850 جندياً، الي كان تم قد تم تخصيصها للقضاء على زراعة الخشخاش، بعد أن أوقفت الولايات المتحدة تمويلها.

Afghan narcotics police destroy a poppy field in Helmand
جيم هايلبرك/إيرين
شرطة مكافحة المخدرات الأفغانية تدمر حقل خشخاش في هلمند في أبريل عام 2015

وحتى مع تعثر جهود القضاء على زراعة الخشخاش، يقول الخبراء أن حركة طالبان تعتمد بشكل متزايد على تجارة الأفيون لتمويل عمليات التمرد. وتجني طالبان الآن الأرباح في كل مرحلة من تجارة المخدرات، بدءً من الزراعة إلى الإنتاج والاتجار، وذلك حسب تقرير قدم في 2 فبراير إلى مجلس الأمن الدولي. 

وشرح ماتان خان، وهو زعيم قبلي من منطقة ناوزاد الخاضعة لسيطرة طالبان، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في شهر أكتوبر الماضي، كيف تستفيد حركة طالبان من الأفيون.

وقال في مقابلة في مدينة لاشكر غاه، حيث سافر للاجتماع بشيوخ من ولايات أخرى لمناقشة القضايا الأمنية: "تفرض حركة طالبان على المزارعين ضرائب لزراعة الأفيون، وتفرض رسوم مرور في نقاط التفتيش التي يمر عبرها المهربون، ثم تقوم بمرافقتهم للحصول على المال عبر المنطقة الحدودية المضطربة بين أفغانستان وباكستان وإيران".

إدمان أموال المخدرات

ليست حركة طالبان فقط هي التي تستفيد من تجارة الأفيون، فالمسؤولون على كل مستويات الحكومة، بحسب التقارير الواردة، يستفيدون منها أيضاً.

وتأكيداً لذلك، قال نورزاي، قائد الشرطة: "في مناطق ناد العلي وجارمسير والمرجه في ولاية هلمند – التي تسيطر عليها الحكومة – يطلب المسؤولون الحكوميون من المزارعين أن يدفعوا لهم 5,000 روبية باكستانية، أي ما يعادل 50 دولاراً تقريباً، عن كل هكتار من حقول الخشخاش".

وفي السياق ذاته، قال رئيس سابق في شرطة مكافحة المخدرات في هلمند لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن سجله الذي يضم اعتقال 72 من تجار المخدرات ومصادرة 28 طناً من المخدرات في هلمند لم يعجب بعض البرلمانيين، ومن ثم قاموا بنقله من موقعه.

وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في أكتوبر الماضي: "كرئيس للشرطة لم أكن خائفاً من تجار المخدرات أو من حركة طالبان، ولكن من السياسيين الذين هددوني". 

وفي حين تم نقل هذا الضابط إلى ولاية وارداك، لا يزال النواب الذين يتاجرون في المخدرات يحتفظون بمناصبهم في العاصمة كابول.

hc/jf/ag-kab/dvh


تم نشر النسخة العربية في 7 مارس 2016