يا له من فرق أحدثته السنوات الخمس الماضية

رحلة سقوط بلدة ليبية من الثورة إلى تنظيم الدولة الإسلامية

توم ويستكوت

صحافية مستقلة ومساهمة منتظمة في إيرين

في الذكرى الخامسة لانتفاضة ليبيا ضد معمر القذافي، لا يوجد شيء يستحق الاحتفال بالنسبة لسكان بن جواد، الذين كانوا ذات مرة في قلب تمرد عام 2011، أما الآن، فإنهم إما يفرون للنجاة بحياتهم أو يجدون أنفسهم خاضعين للحكم الوحشي الذي يفرضه ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.

 

في العام الماضي، اعتاد سكان هذه البلدة الساحلية الهادئة ببطء على رؤية مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية يزودون شاحناتهم بالوقود في محطة البنزين الوحيدة في البلدة أو يتسوقون لشراء الإمدادات في المتاجر المحلية.

وشاهدوا بقلق متزايد انتشار حكم تنظيم الدولة الإسلامية الذي يبث الرعب على طول الساحل الليبي الأوسط حتى غطى مسافة تقرب من 300 كيلومتر، وشمل ثماني بلدات وقرى، بما في ذلك بلدة سرت الحيوية.

وقد أضعفهم موقع بلدتهم النائي - في منتصف الطريق بين بنغازي ومصراتة - وأصبحوا مستهدفين بسبب قربهم الاستراتيجي من العديد من المنشآت النفطية في ليبيا، وبالتالي عجز سكان بن جواد عن حماية أنفسهم من استيلاء التنظيم المحتوم على بلدتهم في أوائل يناير.

وكانت نادية حامل في الشهر الثامن عندما هربت إلى العاصمة طرابلس مع زوجها بعد وصول تنظيم الدولة الإسلامية بأسبوع واحد. وقالت في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لم أكن أريد أن يولد طفلي في هذه الظروف الرهيبة. كانوا يتركون الناس يرحلون، ولكن لم يُسمح لنا بأخذ أي أمتعة معنا، ولذلك رحلت بلا متاع تقريباً".

نزوح مزدوج

وهذه هي المرة الثانية في 15 شهراً التي يتعرض فيها سكان بن جواد للنزوح القسري. فقد تم إخلاء المدينة بأكملها في ديسمبر 2014 لمدة ثلاثة أشهر، عندما استخدمتها القوات التابعة لحكومة طرابلس كقاعدة لشن هجوم على ميناء السدرة النفطي، الذي يبعد 30 كيلومتراً إلى الشرق والذي كان يسيطر عليه حينئذ القائد السابق لقوات حرس المنشآت النفطية الليبية إبراهيم الجضران، الذي يعمل بشكل مستقل عن كلتي الحكومتين المتناحرتين في ليبيا.

مقالات ذات صلة

داخل مدينة أشباح ليبية

ولكن معظم سكان البلدة (11,000 وفقاً لتعداد عام 2006) عادوا إليها. مع ذلك، فإن النزوح مختلف هذه المرة؛ فقد قطع تنظيم الدولة الإسلامية اتصالات الهاتف والإنترنت في البلدة بعد أيام من استيلائه على السلطة، وبالتالي لا تستطيع نادية أن البقاء على اتصال بعائلتها سوى بشكل متقطع عن طريق الرسائل المرسلة مع السكان المحليين، الذين يقودون سياراتهم لمسافة 640 كيلومتراً إلى العاصمة. كما أنها المكان الوحيد الذي يمكن سحب المال منه لأن تنظيم الدولة الإسلامية قد أغلق بنك البلدة.

وقالت نادية: "إن الوضع شديد الصعوبة بالنسبة لي هنا، في هذه المدينة الكبيرة من دون أصدقاء أو عائلة. وفي كل صباح، أستيقظ وأنا أشعر بالقلق على أقاربي وأهل بلدتي. لا يستطيع معظم الناس هناك الرحيل وليس لديهم خيار سوى البقاء".

وقال محمد البالغ من العمر 46 عاماً، وهو مواطن آخر من بن جواد ويعيش الآن في طرابلس، أن رؤية مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية يحملون رؤوساً مفصولة عن الأجساد عبر بن جواد هو مشهد لا يستطيع نسيانه. وقال في هذا الشأن: "لقد قادوا سياراتهم في الشوارع وأطلقوا أبواق شاحناتهم ووقفوا في الجزء الخلفي منها وهم يحملون ثلاثة رؤوس من فروة الشعر".

"كان الأمر فظيعاً، ولم أرغب في مشاهدته، ولكن كان لابد أن أنظر لأرى ما إذا كنت سأتعرف على وجوه هؤلاء الرجال المساكين. لا أستطيع إزالة هذه الصورة من رأسي،" كما أضاف.

وكان الضحايا من حراس الأمن في قرية مجاورة، وقد نشر تنظيم الدولة الإسلامية في وقت لاحق صوراً لإعدامهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

ووصف محمد هذه الخطوة بأنها تكتيك لتخويف السكان المحليين وإجبارهم على الخضوع. ويبدو أنه نجح. ففي اليوم التالي، فر من البلدة قائلاً أنها مجرد مسألة وقت قبل أن يشرع تنظيم الدولة الإسلامية في قتل أشخاص من بن جواد.

"رأيت الصور. لقد ذبحوا هؤلاء الرجال مثل الغنم. كنت أعمل لدى الحكومة، التي يكرهها تنظيم الدولة الإسلامية. ولذلك، فإذا بقيت ليوم واحد، كان من الممكن أن يصبح رأسي واحداً من تلك الرؤوس،" كما أوضح.

وقال محمد أن زوجته وابنته قد تعرضتا لصدمة نفسية عميقة بسبب العيش تحت حكم تنظيم الدولة الإسلامية لمدة أسبوعين فقط: "في كل ليلة، كنت أستيقظ لأجد زوجتي تبكي أثناء نومها، وكل ما أمكنني القيام به هو طمأنتها أنها آمنة الآن. لا أستطيع أن أقول أي شيء آخر لأنني لا أعرف متى سنتمكن من العودة إلى دارنا".

محاصرون مالياً

ونظراً لإغلاق البنك وتأخر الرواتب ولأن الموانئ النفطية – إحدى الجهات الرئيسية التي توظف المقيمين في المنطقة - بالكاد تعمل منذ عامين، لا يستطيع الكثير من السكان الفرار من تنظيم الدولة الإسلامية. وفي هذا الصدد، قال حسن البالغ من العمر 57 عاماً، وهو من سكان بن جواد ويقوم بزيارة طرابلس في محاولة لسحب المال والعودة به إلى عائلته: "لقد رحل نحو 20 بالمائة من الأسر، ولكن بالنسبة لأولئك منا الذين لا يستطيعون المغادرة، لا يسعنا سوى طاعة القواعد الجديدة التي فرضها تنظيم الدولة الإسلامية. إذا اكتشف تنظيم الدولة الإسلامية أنك تفعل أي شيء ضدهم، سوف تدفع حياتك ثمناً لذلك، ولهذا فإننا نفعل ما يأمروننا به بالضبط".

ووصف بن جواد بأنها مدينة مشلولة وشوارعها مهجورة ولا يوجد بها سوى عدد قليل من المتاجر المفتوحة. ولا يرغب سائقو الشاحنات في تحمل مخاطر تسليم البضائع في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، ولذلك فإن السلع الأساسية قد بدأت تنفد بالفعل. وعلى الرغم من نقص السيولة النقدية، قال حسن أن تنظيم الدولة الإسلامية قد بدأ يتقاضى رسوماً من السكان مقابل استخدام الكهرباء، وهو مصدر طاقة لم يدفع ثمنه سوى عدد قليل من السكان منذ عام 2011.

وعلى الرغم من أن الناس في البلدة يحتاجون إلى الغذاء والإمدادات الطبية، وكذلك الأموال النقدية والبنزين، فقد قال حسن أن إرسال المساعدات لا جدوى منه، لأنها ستسقط حتماً في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي سياق متصل، شكا محمد من أن الحكومتين المتناحرتين في ليبيا لم تتخذا أي إجراء ضد تنظيم الدولة الإسلامية: "لقد مر أكثر من شهر، ولكن لم يفعل أحد أي شيء للمساعدة. إنه وضع مستحيل والشعب الليبي المتضرر من تنظيم الدولة الإسلامية سيرحب بالتدخل الدولي، لأنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحمينا الآن".

"يبدو أن القوات العسكرية التابعة للحكومتين هنا إما غير قادرة أو غير راغبة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وكل دقيقة تمر توفر فرصة لتوسع التنظيم،" كما حذر.

تزايد انعدام الثقة

وهناك شعور متزايد بانعدام الثقة بين الكثير من السكان الذين لا يستطيعون مغادرة بن جواد. ويقول سكان محليون أنه من الواضح أن أشخاصاً داخل البلدة كانوا ينقلون معلومات إلى تنظيم الدولة الإسلامية قبل سيطرته عليها، وبعض السكان الذين اعتقلهم التنظيم - الذي اعتقل أكثر من 150 شخصاً في البلدة - أصبحوا مؤيدين له منذ الإفراج عنهم.

"أثناء وجودهم في الأسر، تلقوا الكثير من التعليم الديني وبعضهم يقولون الآن أن تنظيم الدولة الإسلامية جيد، على الرغم من أنهم كانوا ضده من قبل. نحن مجتمع ريفي، وبعض الناس غير المتعلمين يصبحون عرضة لغسيل الدماغ بغرض تأييد تنظيم الدولة الإسلامية. لقد أصبح من المستحيل أن تعرف بمن تثق،" كما أفاد حسن.

وأضاف أن المتشددين يواصلون اعتقال الناس، ويقبضون على الأفراد المطلوبين عند نقاط التفتيش التي أقيمت داخل البلدة، حيث يتم إيقاف المقيمين بصورة روتينية واستجوابهم، والبحث في هواتفهم عن أي دليل على ممارسة نشاط معاد لتنظيم الدولة الإسلامية.

"يعيش الناس أساساً في حالة مستمرة من الخوف من تنظيم الدولة الإسلامية وحتى من بعضهم البعض الآن".

وقال حسن: "يعيش الناس أساساً في حالة مستمرة من الخوف من تنظيم الدولة الإسلامية وحتى من بعضهم البعض الآن. وقد استولى تنظيم الدولة أيضاً على بعض الممتلكات لاستخدامها لمصلحته الخاصة ولإقامة المقاتلين، ولا أحد يعرف من الذي سيُستهدف في المرة القادمة".

ووصف الأيام الأولى التي قضاها تنظيم الدولة الإسلامية في بن جواد بأنها كانت تتبع الأنماط التي شوهدت في بلدات ليبية أخرى - تآكل بطيء لحقوق الإنسان يتخلله العنف، ومتشددون مسلحون يحملون مكبرات صوت ويقومون بدوريات في الشوارع في أوقات الصلاة. وقد استولوا على المركبات والوقود والمنازل، وفرضوا على النساء اللاتي يعملن في المدارس ومستشفى البلدة تغطية وجوههن بالكامل، وخطر الاعتقال أو الاحتجاز قائم طوال الوقت.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن تنظيم الدولة الإسلامية "يُحكم سيطرته" على ليبيا، لكنه استبعد التدخل العسكري من قبل قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة والتي تحارب الجماعة ذاتها في سوريا والعراق. ولكن أصواتاً مثل محمد ترغب في عكس ذلك على نحو متزايد.

tw/as/ag-ais/dvh