اللاجئون السودانيون بحاجة إلى الكتب وليس القنابل

بلدة ييدا هي إحدى المحطات الأولى التي يصل إليها الأشخاص الفارون من الصراع في منطقة جنوب كردفان في السودان، والتي تقع على بعد 20 كيلومتراً داخل حدود جنوب السودان.

تأوي هذه البلدة أكثر من 70,000 لاجئ سوداني أقاموا المنازل والمحال التجارية وثبتوا أقدامهم داخل المجتمع المحلي.

ولكن الآن، وفي محاولة لتخفيف الازدحام في ييدا وتقديم خدمات أفضل، تحاول الحكومة والشركاء في المجال الإنساني إقناعهم بالانتقال إلى مخيم رسمي في أجوونغ ثونك، التي تقع إلى الجنوب في ولاية الوحدة.

تم تأسيس هذا المخيم في عام 2013 لإيواء المدنيين الفارين من القتال بين الحكومة ومتمردي الحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال وحركة العدل والمساواة.

ويتسع المخيم لنحو 31,000 شخص - وقد زاد عدد سكانه إلى أكثر من الضعف خلال عام 2015 - ومن المرجح أن يزداد أكثر مع نهاية موسم الأمطار، عندما يصبح السفر عبر الحدود أكثر سهولة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة تطلب من الناس الانتقال منذ عامين، وقد حددت الآن مهلة نهائية لرحيلهم إذ تريد نقل جميع اللاجئين من ييدا بحلول شهر يوليو القادم.

مقاومة الانتقال


ويعمل المخيم في أجوونغ ثونك بكامل طاقته. وأوضح جون دابي، نائب رئيس لجنة شؤون اللاجئين: "سوف نشجعهم على الذهاب إلى هناك تدريجياً".

ولكن استجابة اللاجئين في ييدا لم تكن ايجابية بشكل موحد.

وفي هذا الشأن، قال محمد أحمد إدريف، وهو زعيم محلي من الغربية في جنوب كردفان: "نحن لا نريد الرحيل. إن المكان هنا أرخص وأسهل بالنسبة لنا".

واوضح إدريف، الذي وصل إلى جنوب السودان منذ أكثر من عامين، أن قُرب ييدا من الحدود يعني أنه يستطيع عبور الحدود ذهاباً وإياباً للاطمئنان على قريته كلما سمحت ظروف القتال بذلك.

لكن الجانب السلبي من المعيشة في ييدا هو أن المنظمات الإنسانية لا توفر سوى المساعدات الغذائية الطارئة - وليس المجموعة الكاملة من الخدمات المتوفرة في أجوونغ ثونك - وحتى هذه الحصص الغذائية قد يتم تقليصها كحافز للانتقال.

وتساءل إدريف، الذي يعول أسرة مكونة من ثمانية أفراد، قائلاً: "لماذا لا تجلب المنظمات الإنسانية كل المساعدات إلى ييدا، حيث يقيم معظم اللاجئين؟"

قريبة جداً من الصراع


وتعتبر ييدا مركزاً اقتصادياً مهماً لكل من المجتمع المضيف واللاجئين، فهي تضم الأسواق والمزارع وخدمات النقل ومدارس التعليم الأساسي. ولم يكن إعلان الرئيس السوداني عمر البشير يوم 27 يناير عن فتح الحدود مع جنوب السودان سوى اعتراف بالواقع القائم بالفعل.

من جانبه، قال روكو نوري، المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: "سوف يواصل السودانيون الفارون من الصراع في جبال النوبة التي مزقتها الحرب استخدام الطرق غير النظامية لطلب اللجوء في جنوب السودان، واستخدام معبر يشرف عليه مسؤولو الحكومة السودانية لن يكون خياراً جيداً بالنسبة لهم لأسباب واضحة تتعلق بالحماية".

انظر: النزاعات المنسية - جنوب كردفان النوبة: أسرى الجغرافيا

ولكنهم يفرون إلى منطقة تعاني من نقص الغذاء الناجم عن صراع آخر في جنوب السودان. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن البلاد تواجه مستويات غير مسبوقة من شظف العيش، مع تعرض النازحين بسبب القتال جنوباً في ولاية الوحدة لخطر شديد خلال موسم الجفاف القادم، وهي الفترة من شهر أبريل إلى شهر يوليو.

وتدعم المفوضية قرار الحكومة بنقل اللاجئين، بحجة أن ييدا قريبة جداً من الحدود والقتال الدائر في الشمال. وفي هذا الصدد، قال نوري أن قربها الجغرافي "يخلق تهديدات لأمن اللاجئين ويقوض مبدأ الطابع المدني للجوء".

وفي السياق نفسه، أوضح دابي أن ييدا تقع داخل "منطقة عسكرية"، مضيفاً "أننا بحاجة لإبعاد اللاجئين عنها".

كما يتواجد مقاتلو حركة العدل والمساواة والحركة الشعبية - قطاع الشمال المتمردتين بشكل دائم في ييدا، ومن المعروف أن بعضهم لهم أقارب في صفوف اللاجئين. وعلى الرغم من أن جنوب كردفان هي جزء من السودان، إلا أنها أيضاً موطن لكثير من المجتمعات الموالية لجنوب السودان. واحتجاجاً على تهميشهم، قاتلوا في صفوف المتمردين الجنوبيين خلال الحرب التي بلغت ذروتها باستقلال جنوب السودان في عام 2011.

احتياجات تعليمية ملحة

هناك أشياء جذابة في أجوونغ ثونك؛ فهو يضم طرقاً داخل المخيم، ومركز رعاية صحية أولية، وثلاث مدارس إبتدائية ومدرسة ثانوية ومختبراً للحاسوب.

سار صدام تيا البالغ من العمر 17 عاماً على قدميه لأكثر من يومين مع ابن عمه حسن البالغ من العمر 10 سنوات لكي يصل إلى جنوب السودان من قريتهما أنغولو. كانت غارة جوية شنتها القوات الحكومية السودانية قد قتلت والدته ودمرت مدرسته، وهو لا يعرف مكان والده.

وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "أريد فقط أن أواصل تعليمي في مخيم اللاجئين وأصبح طبيباً".

انظر: جراح واحد لحرب بأكملها

ويشكل الأطفال القُصّر حوالي 60 بالمائة من اللاجئين السودانيين، وهم يبحثون عن فرصة لاستكمال الدراسة في جنوب السودان. ويتلقى حوالي 11,000 طالب التعليم الأساسي والثانوي في أجوونغ ثونك، بدعم من المنظمات غير الحكومية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وحكومة جنوب السودان.

وتكمن المفارقة في أن أكثر من نصف أطفال جنوب السودان نفسه غير ملتحقين بالمدارس - وهو أعلى معدل في العالم - ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى حربها الأهلية، التي اندلعت في عام 2013. وخلال هذا النزاع، تم تدمير العديد من المدارس أو تحويلها إلى ثكنات وتجنيد الأطفال على نحو متزايد في صفوف القوات الحكومية والمتمردين على حد سواء.

سافرت اليزابيث ألدوكون لمدة ثلاثة أيام من قريتها أمودرين في جنوب كردفان مع ستة أطفال. وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في أجوونغ ثونك: "جئت إلى جنوب السودان لأن زوجي فر إلى الخرطوم، وأنا بحاجة لتوفير مستقبل أفضل لأطفالي".

وتساءلت قائلة: "أليس من الأفضل أن تُحضر المنظمات الإنسانية كل هذه الخدمات إلى قرانا الأصلية [في الشمال]".

وعلى الرغم من كونه واحداً من أفقر البلدان في العالم، إلا أن جنوب السودان يستضيف أكثر من 263,000 لاجئ، معظمهم من البلدان المجاورة، وهي السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 300,000 هذا العام.

ونتيجة للصراع في جنوب السودان، فإن ما يقرب من 2.8 مليون شخص - حوالي 25 بالمائة من السكان - بحاجة ماسة إلى المساعدات الغذائية، بحسب تحذيرات أطلقتها الأمم المتحدة هذا الأسبوع.

agf/oa/ag-ais/dvh

"