نوع آخر من المساعدات لسوريا؟

بالنظر إلى الوحشية التي تتسم بها الحرب المستمرة في سوريا منذ أربع سنوات، يمكن تفهم تركيز المناقشات حول الصراع على الوفيات الناجمة عن أعمال العنف. ولكن هناك آفة أخرى تدمر الحياة في البلاد، وهي الانهيار الاقتصادي والفقر المدقع - أو ما وصفها تقرير مدعوم من الأمم المتحدة بأنها "كارثة رهيبة بنفس القدر ولكنها صامتة".

وترى بعض منظمات الإغاثة وخبراء السياسة أنه في ظل معاناة أكثر من أربعة من كل خمسة سوريين من الفقر، فإن المساعدات الإنسانية التقليدية ليست كافية، على الرغم من أنها لا تزال ضرورية. ولذلك، فإنهم يدعون إلى إقامة مشاريع كسب العيش وينفذونها - وهي برامج تدعم قدرات الناس على إعالة أنفسهم.

والمجلس الدنماركي للاجئين هو أحد تلك المنظمات. وكما قال بيتر كلانسو، مدير مكتب المجلس الدنماركي للاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا يعقل أن يعتمد سكان بلد بأكمله على المساعدات الإنسانية. لا يوجد أي معنى لذلك".

الفقر المدقع

وفي شمال شرق البلاد، وهي المنطقة التي كانت تعرف باسم سلة غذاء سوريا، انخفض الإنتاج الزراعي بشكل حاد، وتعرض المزارعون للصدمات من جميع الجوانب.

وقد أدى النزوح الناجم عن تغير الخطوط الأمامية إلى فقدان مواسم الحصاد والزراعة بعد أن نزح ما مجموعه 6.6 مليون سوري داخل البلاد بسبب العنف. وقد عاد الناس إلى ديارهم في المناطق التي أخلاها ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية ليجدوا التربة مهملة، وليس بمقدورهم تحمل ثمن البذور.

وتجدر الإشارة إلى أن الدعم الزراعي الذي تقدمه الحكومة قد انخفض، وفي بعض المناطق اختفى تماماً. فقبل نشوب النزاع، كان نظام الرئيس بشار الأسد هو المشتري الرئيسي للقمح والذرة، وهو لا يزال يشتري هذه المنتجات في بعض الأماكن، ولكن على نطاق أصغر بكثير. وقد وجد البحث الذي أجرته إحدى المنظمات غير الحكومية الكبرى العاملة في شمال شرق سوريا، وأطلعت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عليه بشرط عدم الكشف عن هويتها حفاظاً على سلامة موظفيها، أن طوفان المساعدات العينية قد أدى إلى انخفاض الطلب على المنتجات الزراعية.

وهذه ليست المنطقة الأكثر تضرراً من العنف طوال الوقت، ولكن الكثير من سكانها غارقون في الديون ويبيعون كل ممتلكاتهم لإطعام أطفالهم. وأخبرت لجنة الإنقاذ الدولية شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن ما بين 70 و90 بالمائة من الأشخاص الذين استطلعت آراءهم كجزء من تقييم أجرته في شهر يوليو الماضي في شمال سوريا قد اعترفوا بأنهم ينفقون أكثر مما يكسبون كل أسبوع.

نهج جديد

ولا تزال المساعدات الإنسانية التقليدية، مثل الغذاء والمرافق الصحية والدواء، حيوية حيث يحتاج إليها 13.5 مليون سوري، وفقاً لإحصاء أجرته الأمم المتحدة. ولكن بعض السوريين يطلبون شيئاً مختلفاً من المنظمات الإنسانية.

"كان [السوريون] يطلبون الدعم في مجال الزراعة ... يطلبون شيئاً أكثر إنتاجية من مجرد توزيع الطرود الغذائية،" كما أوضح أحد عمال الإغاثة الذي يعمل في شمال شرق سوريا، والذي تحدث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بشرط عدم الكشف عن هويته.

وتحقيقاً لهذه الغاية، تقوم منظمة الأغذية والزراعة بتمويل مشاريع مختلفة داخل سوريا، بما في ذلك الدعم الزراعي، كما تفعل لجنة الإنقاذ الدولية، التي وزعت 2,667 قسيمة هذا الصيف على 863 أسرة لشراء البذور والأسمدة والأدوات اللازمة لزراعة المزارع الصغيرة والحفاظ عليها. وتدير لجنة الإنقاذ الدولية أيضاً برامج تدريب وتلمذة صناعية للشباب، في حين يدعم الصليب الأحمر البريطاني مُصنّعي السجاد، ويساعد المجلس الدنماركي للاجئين غيرهم من أصحاب الأعمال التجارية الصغيرة.

وفي مايو 2014، أعادت صفقة المدينة القديمة في حمص إلى سيطرة النظام مقابل السماح للمتمردين بالخروج الآمن منها. وعاد الكثير من السكان إلى ديارهم ليجدوا أن المكان قد دمرته سنوات من القتال. ويقوم الهلال الأحمر العربي السوري بمساعدتهم على البدء من جديد، على الرغم من أن عدداً قليلاً من المتاجر قد أعادت فتح أبوابها.

ويدير المجلس الدنماركي للاجئين برامج في دمشق وحمص ودرعا ويعطي المنح ويوفر التدريب وتحليل السوق للشركات الصغيرة.

وفي هذا الصدد، قال كلانسو من المجلس الدنماركي للاجئين: "في كل حالة الحرب، هناك دائماً أشخاص يعيشون ويحاولون إقامة حياة طبيعية مهما كانت قاسية - والحياة في سوريا قاسية جداً بالتأكيد".

والجدير بالذكر أن دعم سبل العيش وخلق فرص العمل غير قابل للتطبيق في جميع المناطق - وخاصة تلك التي تخضع لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية أو التي لا تزال تشهد معارك. وقد وجدت منظمة التضامن الدولي Solidarities International أنه في حين كانت الحاجة لمثل هذه البرامج في شمال سوريا على أشدها في مدينة حلب، فإن الوضع الأمني في الفترة من مايو 2014 إلى مارس 2015 جعل مشروع النقد مقابل العمل الذي تديره يقتصر على ريف المحافظة فقط.

وأحد فوائد مساعدات كسب العيش هو إمكانية الاستفادة منها على المدى الطويل، وهذا عامل جذب للمواطنين السوريين الذين أصبحوا ينظرون إلى الصراع المستعصي على أنه الوضع الطبيعي الجديد.

تقوم إيفا سفوبودا، الباحثة في معهد التنمية الخارجية، بإجراء أبحاث عن الوضع في سوريا منذ بدء الصراع. وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الناس الذين تحدثنا إليهم في عامي 2011 و2012 أعربوا عن بعض الأمل في وضع حد للنزاع. ولكن الأمر تغير الآن إلى اليأس المطلق".

من جانبها، تعتقد ريم تركماني، الباحثة في كلية لندن للاقتصاد، أن دعم سبل كسب العيش ضروري لإضعاف اقتصاد الحرب. ويبين بحثها أنه في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ينضم أشخاص عديدون إلى الجماعات المسلحة لأنها توفر الفرصة الوحيدة للحصول على راتب. وأكدت أن "هناك تدابير كثيرة يمكن اتخاذها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وهي أكثر جدية وفاعلية من الضربات الجوية".

تأثير محدود؟


وعلى الرغم من الضجيج المستمر حول هذا الأمر في دوائر السياسة، فإن هناك حدوداً لما تستطيع، وتريد، المنظمات الإنسانية القيام به، لتمويل نمو فرص العمل في منطقة حرب.

"الحقيقة هي أن 95 بالمائة من أموالنا تذهب مباشرة إلى الدعم العيني،" كما أفاد منسق الأمن الغذائي بمنظمة منظمة الأغذية والزراعة في سوريا خلال حديثه مع الباحثين من كلية لندن للاقتصاد أثناء إعداد تقرير نُشر العام الماضي. وأضاف أن "تأثير مثل هذه البرامج ليس فورياً، فالاحتياجات الإنسانية هائلة، وإدارة هذه المشاريع أصعب من توفير الغذاء".

من جهته، أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وهو هيئة تنسيق المساعدات الطارئة في الأمم المتحدة، أن 11,687 شخصاً فقط داخل سوريا حصلوا على أي نوع من دعم سبل كسب العيش في سبتمبر 2015، في حين حصل 5,879,737 شخصاً على مساعدات غذائية.

وقالت بيني سيمز، كبيرة المسؤولين الإعلاميين في الصليب الأحمر البريطاني، أن العمل الإنساني يجب أن يظل الأولوية، مضيفة "إننا نقدم بعض الدعم لسبل العيش، ولكن الوضع في سوريا لا يزال يمثل حالة طوارئ. ولا تزال الإغاثة الفورية هي عملنا الرئيسي ... واحتياجات الغذاء والماء والرعاية الصحية لا تزال الأكثر أهمية".

وفي الوقت الذي تعاني فيه نداءات الأمم المتحدة لتقديم المساعدات للأزمة السورية من نقص شديد في التمويل - حيث يبلغ العجز 47 بالمائة - لا يتبقى لمشاريع كسب العيش إلا القليل. وقالت كاثرين ستريفولينو، مستشارة الدعوة والمناصرة في لجنة الإنقاذ الدولية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في رسالة بالبريد الإلكتروني: " بصراحة، هناك كمية محدودة من المساعدات/الموارد المتاحة، وعدد كبير من الاحتياجات الإنسانية المختلفة والمتنافسة".

كما أن المنظمات الإنسانية مقيدة بإمكانية الوصول إلى المحتاجين."لا يمكنك تنفيذ برامج دعم سبل العيش الجيدة بنجاح عندما تتساقط القنابل من السماء أو يتطاير الرصاص،" كما أوضحت ستريفولينو.

وتساءل عامل إغاثة آخر قائلاً: "كيف يمكننا أن نفهم ردود فعل الأسواق وندير برامج سبل العيش بينما نفتقر إلى إمكانية الوصول المباشر إلى المجتمعات المحلية؟"

وحيث أن الحل السياسي بعيد المنال، يقول كثيرون أن استجابة تشمل المساعدات الإنسانية والدعم على المدى الطويل- عند الاقتضاء - هي أمر ضروري.

أما بالنسبة للأشخاص الذين لا يؤثر عليهم العنف بشكل مباشر، فإن "الحياة مستمرة،" كما ذكر أحد عمال الإغاثة الذي التقى مؤخراً برجل ينقل 5,000 دجاجة من حلب لبدء مشروع لبيع الدواجن، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

وأضاف قائلاً: "حتى في سوريا، يحاول الناس التكيف".

cb/as/ag-ais/dvh

"