أضنة، 15 ديسمبر 2016

 لقد مضى ما يقرب من أربعة أشهر منذ حصول أمينة شاهين وزوجها وأطفالها على أجر مقابل عملهم في قطف الفاكهة والخضروات في مزرعة بمحافظة أضنة الخصبة في جنوب تركيا.

تعتمد شاهين البالغة من العمر 44 عاماً، وهي أم لثمانية أطفال، في معظم الأوقات على القسائم القابلة للاسترداد التي تُمنح لأسرتها بدلاً من النقود، وتقبلها المتاجر المحلية مقابل نحو 80 بالمائة من قيمتها. وعندما تُدفع الرواتب في نهاية المطاف، دائماً ما تكون أقل من المتوقع.

وقالت شاهين: "عندما لا نتقاضى رواتبنا، نلجأ إلى طرق تتميز بقدر كبير من الابتكار في استخدام الطعام القليل المتوفر لدينا... بدلاً من غذاء الرضع، نستخدم الخبز المغموس في الشاي".

مع ذلك، فإنها تعتبر نفسها محظوظة. عندما يقوم أفراد أسرتها بقطف الفاكهة، تظل شاهين في مخيم العمال بالقرب من قرية دوغانكنت، حيث تنظف خيمة الأسرة وتغسل الملابس وتخبز الخبز. تعمل نساء أخريات عديدات من المقيمات في المخيم في الحقول بالإضافة إلى أداء المهام اليومية المتوقعة من الزوجات والأمهات.

فرت شاهين من القتال في بلدة كوباني بشمال سوريا عام 2012. وفي وقت لاحق، قتل مسلحون تابعون لما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية شقيقيها ووالدتها. وتعتمد هي وأسرتها الآن على العمل الزراعي الموسمي لإعالة أنفسهم، مثل معظم الـ150,000 لاجئ سوري المسجلين في أضنة.

وتجدر الإشارة إلى أن العمال المهاجرين ينجذبون إلى السهول الخصبة في المنطقة، حيث تعني زراعة المحاصيل على مدار العام استمرار الطلب على العمالة غير الماهرة. ولكن استغلال السوريين، الذين يشكلون الآن 85 بالمائة من القوى العاملة الزراعية في أضنة، أصبح متفشياً، حيث يعيش المهاجرون في مستوطنات معزولة من الخيام بعيداً عن المدارس والمرافق الصحية. ويعمل ما يقرب من نصف الأطفال السوريين الذين في سن المدرسة هنا في الحقول ويعيشون فيها.

والجدير بالذكر أن أضنة واحدة من أكثر المناطق حراً في تركيا، الأمر الذي يعني أن ضربات الشمس تُعد مشكلة شائعة بين عمال المزارع.

وفي حين أن السوريين مؤهلون للحصول على الرعاية الطبية المجانية، فإنهم لا يستطيعون الحصول على هذه الخدمات إلا في المنطقة التي تم تسجيلهم فيها. وبما أن العمال الموسميين يتنقلون كثيراً سعياً وراء مواسم الحصاد المختلفة، فإنهم قد يضطرون إلى السفر مئات الكيلومترات للحصول على الرعاية الطبية الأساسية.

ويشكو العمال الذين تحدثت إليهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من أن سيارات الإسعاف ترفض التقاطهم من المخيمات في كثير من الأحيان، وبالتالي فإنهم يضطرون لدفع ثمن الانتقال إلى المستشفيات المحلية.

الأجور متأخرة وقليلة

ووفقاً لدراسة جديدة أجرتها ورشة التنمية ومقرها أنقرة، يعمل العمال الزراعيون السوريون في أضنة لمدة 11 ساعة يومياً في المتوسط مقابل 38 ليرة تركية (11 دولاراً)، حوالي ثلثي ما يكسبه الأتراك الذين يقومون بنفس العمل.

كما وجدت الدراسة، التي تم تمويلها من قبل دائرة المساعدات الطارئة في الاتحاد الأوروبي، إيكو، أن العمال السوريين في كثير من الأحيان يضطرون إلى الانتظار لعدة أشهر بعد جمع المحاصيل حتى يحصلوا على أجورهم. وعادة ما يتم الدفع من خلال وسطاء. ويعمل هؤلاء الوسطاء بمثابة وكلاء توظيف، وينظمون أيضاً ترتيبات النقل والمعيشة. وفي مقابل خدماتهم، يحصل الوسطاء، الذين غالباً ما يكونون من الأكراد الذين نزحوا من جنوب شرق تركيا في تسعينيات القرن الماضي، على 10 بالمائة من أجور العمال.

وبالإضافة إلى دفع عمولة للوسطاء، غالباً ما يضطر العمال المهاجرون لدفع إيجار قطع الأراضي التي يشغلونها وفواتير المياه والكهرباء. ففي مخيم شاهين، على سبيل المثال، يبلغ الإيجار السنوي 3,000 ليرة (حوالي 850 دولاراً)، وتُخصم تكاليف المرافق من الأجور الشهرية.

وقالت سنية ديديوغلو، أستاذة السياسة الاجتماعية في جامعة موغلا التي ساهمت في إعداد التقرير، أن معظمهم في نهاية المطاف يعيشون على الكفاف.

وأضافت ديديوغلو أن "قيمة أجورهم ليست مهمة، فهم يعرفون أن هناك فرص عمل في مجال الزراعة. وفي حالة الأسر التي لديها 10 أطفال، ربما يعمل خمسة أطفال ووالديهم لكسب ما يكفي من المال للبقاء على قيد الحياة".

ومنذ عام 2014، تم منح السوريين المسجلين لدى السلطات التركية وضع الحماية المؤقتة، الذي يمنحهم حق الحصول على خدمات صحية مجانية، ولكن ليس الحق في العمل. ومع ذلك، فإن العديدين منهم يعملون في الاقتصاد غير الرسمي مقابل مبالغ تقل كثيراً عن الحد الأدنى للأجور.

وقد تم تقديم تشريع جديد في عام 2016، على الورق على الأقل، يسمح للسوريين بالتقدم بطلب للحصول على تصاريح عمل. ولكن تم إعفاء قطاعي الزراعة وتربية الحيوانات من الحاجة إلى تصاريح. وبالتالي فإن العمال الزراعيين السوريين لا تشملهم قوانين العمل الأساسية ويُتركون تحت رحمة أرباب العمل عديمي الضمير.

وقالت ديديوغلو أنه من غير المرجح أن يتغير هذا الوضع في المستقبل القريب. وأضافت في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية أن "[السوريين] سيظلون هنا لفترة طويلة، وخاصة جيل الشباب".

"يتشبث الناس بالحياة من دون أي دعم، كما هو واضح على سكان الخيام. إنهم يحاولون العثور على وظائف وتغطية نفقاتهم في هذه الظروف المعيشية المروعة، ولم يحصلوا على أي قدر يُذكر من التعليم،" كما أفادت.

دييغو كوبولو/إيرين

أمينة شاهين، التي تبلغ من العمر 44 عاماً، تنظف أرضية خيمة أسرتها في مخيم يضم 600 عامل زراعي في دوغانكنت. وعلى الرغم من هذه الظروف الصعبة، تقول شاهين أنها تفضل الحياة الهادئة في تركيا على الحرب في سوريا.

"لقد مر الناس بظروف كهذه من قبل. نحن لسنا الوحيدين الذين عانوا. طالما أننا على قيد الحياة، فإننا ممتنون لذلك،" كما قالت.

دييغو كوبولو/إيرين

هذا جزء من مستوطنة تضم 3,000 عامل زراعي في توزلا. يعيش جميع العمال الزراعيين الموسميين تقريباً في مخيمات مماثلة، ليس فقط بسبب سهولة التنقل اللازمة لعملهم، ولكن أيضاً لأن العديد من السكان المحليين لا يريدون أحياء دائمة مخصصة للأقليات في بلداتهم.

ويقول جلال بكير البالغ من العمر 38 عاماً، وهو وسيط بين أصحاب المزارع والعمال الموسميين، أنه يعيش في نفس الخيمة منذ 34 عاماً، مضيفاً "إذا سمح لنا [القرويون] والبلدية، لكنت قد شيدت منزلاً بالطوب، لكنهم لا يسمحون لنا بإقامة أي شيء دائم. إنهم يعتبرون كل شخص غير محلي عدواً لهم".

"إنهم يعتبروننا لصوصاً ومغتصبين، ولكن من دوننا، لن يستطيعوا جمع أي محاصيل".

دييغو كوبولو/إيرين

نساء كرديات يخبزن الخبز التقليدي في دوغانكنت. تتحمل النساء مسؤوليات أكثر من الرجال في مخيمات العمال. بالإضافة إلى كونهن مقدمات الرعاية الأولية للأطفال وكبار السن، وُجد أن 40 بالمائة من النساء اللواتي أُجريت معهم أحاديث بغرض إعداد تقرير ورشة عمل التنمية يعملن بدوام كامل أيضاً.

"نحن الأكثر اضطهاداً بين المضطهدين،" كما تقول سعادة أوستان، التي تبلغ من العمر 42 عاماً، وهي أم لخمسة أطفال.

دييغو كوبولو/إيرين

هيكل يُستخدم لتغطية مرحاض في الهواء الطلق داخل مخيم يضم 300 عامل في بهجكوي. وحيث أن مثل هذه المرافق تجعل النساء عرضة للتحرش والاعتداء الجنسي، تقول كثير من الأسر أنها لا تسمح للشابات باستخدام المراحيض ليلاً من دون مرافق.

ولتوفير حماية إضافية، أصبح الزواج المبكر شائعاً. وقد وُجد أن ما يقرب من 24 بالمائة من الفتيات بين سن 15 و17 عاماً اللاتي أُجريت معهن مقابلات لإعداد تقرير ورشة عمل التنمية كنّ متزوجات.

 دييغو كوبولو/إيرين

وجد التقرير نفسه أن 97 بالمائة من أطفال العاملين في المزارع لا يذهبون إلى المدارس ونصفهم تقريباً يعملون في الحقول. ونتيجة لذلك، قفزت معدلات الأمية. ويقول 60 بالمائة من الأطفال السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عاماً أنهم لا يعرفون القرأة أو الكتابة.

"أريد أن يذهب أطفالي إلى المدرسة، ولكن عندما لا نحصل على رواتبنا، لا أستطيع تحمل نفقات الزي المدرسي واللوازم المدرسية، ونحن في حاجة إليهم للعمل في الحقول بدلاً من ذلك،" كما تقول سعادة أوستان، التي لا ترسل إلا أكبر أطفالها الخمسة إلى المدرسة.

 دييغو كوبولو/إيرين

على الرغم من أن معظم عمال المزارع السوريين كانت لديهم خلفية في مجال الزراعة قبل وصولهم إلى تركيا، فقد وجد الكثيرون منهم عملاً في الحقول لأنهم يفتقرون إلى مهارات اللغة التركية.

وقال عبد الله شيخ ياسين، البالغ من العمر 26 عاماً وهو من مدينة حلب، وهو يجمع البرتقال في بستان جنوب منطقة أضنة، أنه كان يدرس القانون عندما اندلعت الحرب.

"كنت أتحدث الانجليزية قليلاً، لكنني نسيتها لأنني لم أذهب إلى المدرسة منذ أربع سنوات،" كما قال قبل أن يأمره رئيس العمال بالعودة إلى العمل.

 دييغو كوبولو/إيرين

يقول إبراهيم هامي، البالغ من العمر 56 عاماً من كوباني، أنه يمتلك أكثر من 100 فدان من الأراضي في سوريا، حيث كان يزرع الزيتون وعباد الشمس والفستق، من بين محاصيل أخرى.

"هذه هي المرة الأولى في حياتنا التي نعيش فيها داخل خيام مثل هذه. كنا ننام على الأرض حتى أعطانا الناس بعض المراتب .... كانت سوريا بمثابة الجنة بالنسبة لنا. وفي اللحظة التي يمكننا أن نعود إليها، سوف نعود،" كما أكد.

dc/ks/ag-ais/dvh