يايلاداغي، 22 فبراير 2016

على الرغم من تقطع السبل بآلاف السوريين على الحدود التركية عقب فرارهم من حلب وعدم تمكنهم من عبور الحدود، وجدت مجموعة صغيرة في محافظة اللاذقية الغربية منفذاً للفرار من الحرب.

 

عبر أكثر من 7,000 شخص الحدود إلى مدينة يايلاداغي التركية من منذ بداية الشهر، كثير منهم، وليس جميعهم- من التركمان. ولكن الصراع لم ينته بعد بالنسبة لسكان هذه المدينة الصغيرة، التي ازداد عدد سكانها بأكثر من الضعف مقارنة بعددهم قبل الحرب البالغ 6,800 نسمة. في هذه المدينة، دوي الانفجارات يُسمع في الشوارع، وتمتلئ الخيام البيضاء على حافة المدينة باللاجئين، وتمثال كمال أتاتورك يزين الدوار، وتضع المحلات التجارية الآن إعلاناتها باللغتين التركية والعربية.

A Syrian man walks in a Turkish town
إيرين
صورة: وصل آلاف السوريين إلى مدينة يايلاداغي خلال الأسابيع الماضية

Woman carries firewood
إيرين
أضحت المدينة الحدودية الهادئة تستضيف الآن اللاجئين العرب والتركمان من سوريا

خيارات قليلة للخروج

وتُعد تركيا نقطة وسيطة رئيسية للسوريين الفارين من الحرب المستعرة منذ خمس سنوات في وطنهم، وقد ازداد الفرار صعوبة في الأشهر القليلة الماضية.

ففي بداية شهر يناير، بدأت تركيا تطلب من السوريين الذين يرغبون في الدخول جواً أو بحراً الحصول على تأشيرات دخول مسبقة. ويأتي هذا في الوقت الذي أكد فيه داوود أوغلو، رئيس الوزراء التركي أن الحدود البرية لا تزال مفتوحة، حيث قال في وقت سابق من هذا الشهر أن تركيا "سوف تلبي احتياجات إخواننا السوريين كالمعتاد. سوف نستقبلهم عند الضرورة".

ولكن الغالبية العظمى من أولئك الفارين من العنف المتزايد في محافظة حلب قد منعوا من العبور، وتقول منظمة العفو الدولية أن من بين أولئك العالقين عند الحدود مدنيين يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة.

أما في الريف الشمالي في اللاذقية، الذي يهيمن عليه التركمان – وهي مجموعة عرقية تركية تعيش في سوريا والعراق وإيران- فإن الوضع مختلف.

فبينما قال جيري سيمبسون، الباحث في شؤون اللاجئين في منظمة هيومن رايتس ووتش لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "جميع المعابر الحدودية الثمانية لا تزال مغلقة [رسمياً]"، فإن هذا لا ينعكس على أرض الواقع بالقرب من مدينة يايلاداغي.

تمكنت القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد، بدعم من الضربات الجوية الروسية، من إحراز مكاسب قوية في المنطقة، حيث سيطرت على بلدة ربيعة، آخر معقل للمعارضة في اللاذقية في أواخر شهر يناير.

وهذا أجبر العديد على الفرار باتجاه مخيم يامادي، الذي يقع على مقربة من الحدود. ولكن القصف امتد بالقرب من المخيم، ومنذ ذلك الوقت يتدفق اللاجئون كالطوفان عبر الحدود. وقد ذكرت وكالة الطوارئ والكوارث التركية AFAD أن أكثر من 3,600 شخص قد فروا إلى تركيا في الفترة بين 29 يناير والأول من فبراير. وقامت الوكالة بتسجيل اللاجئين ونقلهم بالحافلات، بينما قدم الهلال الأحمر التركي ومؤسسة الإغاثة الإنسانية الدولية، وهي منظمة غير حكومية تركية، المساعدات لهم.

Boy on a bike
إيرين
منحت النساء والأطفال أولوية في عبور الحدود

ويقدر سوادين ملا، المدير التنفيذي لمؤسسة "بيار بيك" التركمانية السورية الخيرية، أن 7,600 شخص عبروا الحدود في الأشهر الأربعة الماضية، بما في ذلك 5,000 شخص في ليلة واحدة عندما تعرض مخيم يامادي لضربه جوية- غير أنه لم يتسن لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) التأكد بشكل مستقل من حقيقة الضربة الجوية أو الأعداد المذكورة.

ويعتقد آخرون أن العدد قد يكون أعلى من ذلك، ولكن نقاط التفتيش الحدودية والداخلية قد حالت دون عبور معظم أولئك الذين يرغبون في الفرار من المحافظات الأخرى – مثل حلب – من الانضمام إلى النازحين.

هذه الانفراجة ليست بالضرورة لفتة إنسانية بحتة من الحكومة التركية. ففي الوقت الذي تصاعدت فيه وتيرة عمليات القصف الروسية في المناطق التي يقطنها التركمان، تعرضت الحكومة لانتقادات قاسية من الأحزاب القومية المتطرفة لأنها لم تبذل جهوداً كافية لمساعدة المقاتلين التركمان المناوئين للأسد أو المدنيين، الذين يعتبرون إلى حد كبير معارضين للنظام.

وفي الوقت الذي تشن فيه تركيا حرباً ضد حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق البلاد، يصعب النظر إلى تركيا على أنها تتجاهل محنة أشقائها التركمان.

انظر: الأزمة الإنسانية الخفية في تركيا

مشهد متغير

حتى ولو كانت هذه الانفراجة تستهدف التركمان، فقد استفاد آخرون منها.

فقد صرح مصدر من المجلس النرويجي للاجئين لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أن ثلثي أولئك الذين استفادوا من فتح الحدود كانوا من العرب السنة مضيفاً أن "تركيا لم تستطع التمييز بين الذين يسمح لهم بالدخول من الذين لا يسمح لهم".

لكن هذا أدى إلى تعقيد الحياة في مدينة يايلاداغي. يمتلك الحج بسام، وهو تركماني عاش في المدينة لعدة سنوات، محلاً صغيراً يقدم الكعك الساخن المعد في المنزل. وتعليقاً على ذلك، قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أن التركمان في سوريا يحتلون مكانة منخفضة في السلم الاجتماعي.

وأضاف أن "العلويين يأتون في المرتبة الأولى"، في إشارة إلى الأقلية الدينية الشيعية المهيمنة سياسياً التي ينتمي إليها بشار الأسد. "وحتى إذا كانت لديهم درجات لا يستطيع التركمان الحصول على الوظائف".

A man and woman making flatbread
إيرين
 يقول الحاج بسام أن ظروفه المالية قد تحسنت في تركيا
Three men
إيرين
على كامراك، تركماني سوري، مع أصدقاء أتراك يقول إنهم "مثل الأخوة"

لكن في تركيا الوضع معكوس، إذ يتمتع التركمان بميزة واضحة كونهم يتحدثون اللغة المحلية. وقال بسام أنه كان من السهل نسبياً على زملائه التركمان السوريين الاستقرار في الحياة في تركيا.

أما بالنسبة للاجئين العرب، فإن الحياة أكثر صعوبة. فمخيم يايلاداغي الرئيسي للاجئين في مدينة يايلاداغي يُعرف باسم "مخيم التركمان". وتقول وكالة الطوارئ التركية إنها أقامت مخيماً جديداً في قرية قريبة تدعى جوفيكسي، ولكن هذا المخيم مخصص أيضاً للتركمان فقط.

A man holds his young daughter
إيرين
حسن عمايا "يحلم بالذهاب إلى مخيم للاجئين".

وقال حسن عمايا، وهو عربي سني فر إلى مدينة يايلاداغي، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إنه "يحلم بالذهاب إلى مخيم اللاجئين". وكان قد أعيد من مخيم يايلاداغي وطلب منه أن يسافر مسافة 300 كيلومتر إلى الشرق ليسكن في مخيم سروج.

بعد أن عمل عمايا في مصنع للسكر في سوريا، يعيش الآن في حظيرة تم تحويلها إلى مسكن مع زوجته وابنته التي يبلغ عمرها عامين، وزوجين آخرين. واضطر عمايا، الذي يدفع 140 ليرة تركية (50 دولاراً) ثمن الإيجار كل شهر، ولا يستطيع إيجاد فرصة عمل في تركيا، إلى العودة إلى سوريا لبيع ممتلكات عائلته.

وفي المرة الأخيرة التي عبرت فيها الأسرة الحدود من سوريا إلى تركيا، اضطروا للانتظار لمدة ستة أيام في حين سُمح للتركمان بالعبور قبلهم، حسبما أفاد.

ظروف صعبة

وفي حين قد يجد التركمان سهولة أكثر في الاندماج في تركيا، فإن الأمر ليس سهلاً لأي شخص آخر.

التقت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) مصادفة بأفراد إحدى الأسر التركمانية الذي كانوا ينتظرون خارج مخيم يايلاداغي بعد أن تمكنوا من عبور الحدود قبل بضعة أيام.

وكانت تلك الأسرة تسكن مع أقربائها ولكنهم أفادوا أنهم لم يعودوا قادرين على إيوائهم.

وقال أحد أفراد الأسرة: "لقد ساعدونا في الوصول إلى تركيا. ثم تركونا في الشارع".

وقال محمود بيطار، أحد العاملين السوريين في المجال الإنساني، الذي تم إخراجه من المنطقة الحدودية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) لقد أصبح العمل خطير جداً بعد غلق طريق الهروب بسبب القتال الدائر بالقرب من الحدود.

وأضاف أن "كافة المناطق المتضررة [في شمال اللاذقية] خالية من السكان على أي حال"، مشيراً إلى أن جميع أولئك الذين شردوا بسبب القتال قد تمكنوا من الوصول إلى تركيا.

A woman cooks in a basement flat
إيرين
 يواجه الأشخاص الذين تمكنوا من الفرار من العنف في الوطن ظروفاً صعبة

ولكن أمينة أبو زينب، وهي جدة عربية سنية تبلغ من العمر 66 عاماً وتقيم في طابق سفلي مظلم وكئيب، لا تزال قلقة على أفراد الأسرة الذين لم يتمكنوا من الفرار.

وفي هذا الصدد، قالت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا يزال لديّ ثلاث بنات في اللاذقية".

as/ag-kab/dvh