اللاجئات عرضة للاعتداء الجنسي في ملاجئ برلين

يكشف تحقيق أجرته شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) استغرق ستة أشهر عن ملاجئ برلين، أن اللاجئات في ألمانيا يعانين من نقص جسيم في الحماية من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس، ذلك أن الحد الأدنى من المعايير ليست ملزمة قانوناً ونادراً ما يتم إنفاذها أو رصدها. وقالت العشرات من النساء، اللاتي تم استطلاع آرائهن، أنهن تعرضن للتحرش الجنسي، ويفتقرن إلى الدعم، ويعيشن في خوف من الاعتداء عليهن.

في إحدى الليالي في العام الماضي، كانت سالي أبازيد، وهي لاجئة من سوريا تبلغ من العمر 20 عاماً، تحاول يائسة الخروج من الملجأ المكتظ والخانق الذي تقيم فيه في برلين. لذا، عندما سألها أحد حراس الأمن إذا ما كانت تريد مرافقته لتناول الكباب، قبلت دونما تردد، معتقدة أنه "سوف يحميها". ولكن في الطريق إلى المحل، بدأ الرجل بمغازلتها وقال لها، وهو يمسك يدها ويقبلها "قولي للاجيسو [المكتب الإقليمي للصحة والشؤون الاجتماعية] أنك تنوين الانتقال للعيش معي". وظل لأيام بعد ذلك، يطاردها طالباً رقم هاتفها.

لم تكن هذه هي المرة الأولى منذ فرارها من دمشق بمفردها في سن الـ19، والسفر إلى ألمانيا عبر ما يسمى طريق البلقان، فقد تعرضت سالي لمحاولات تقرب -غير مرغوب فيها- من الرجال. وبعد وصولها إلى برلين في صيف عام 2015 وإيوائها في مطار سابق يدعى تمبلهوف، بدأت تعاني من نوبات ذعر متكررة، تركتها عاجزة عن الحركة وغير قادرة على الكلام. وفي هذا الصدد، قالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الذكور من المقيمين وموظفي الأمن كثيراً ما انتهزوا الفرصة لعناقها ولمسها وهم يتظاهرون بتهدئتها.

وصلت سالي إلى ألمانيا في وقت كانت السلطات تواجه مهمة هائلة تتمثل في استيعاب الآلاف من طالبي اللجوء الذين يصلون كل يوم وتوفير الطعام لهم. وفي خضم حالة التسابق المحموم لتحويل المستودعات وقاعات الرياضة إلى ملاجئ طارئة، لم يفكروا كثيراً في ضمان حماية اللاجئات من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس والتحرش.

جرس إنذار

وفي مارس 2016، حذر تقرير لجنة اللاجئين المعنية بالمرأة من أن التسرع في إنشاء مآوي اللاجئين في ألمانيا والسويد يترك النساء والفتيات عرضة "للاغتصاب والاعتداء وغيره من أشكال العنف". وكشف التقرير أن الكثير من مثل تلك الملاجئ يفتقر إلى مناطق نوم منفصلة أو حمامات مخصصة للنساء والأطفال. وأشار أيضاً إلى الافتقار إلى الخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية لدعم النساء اللاتي تعرضن للعنف القائم على نوع الجنس.

وعقب ذلك، في يونيو 2016، أدخلت الحكومة الألمانية المعايير الدنيا لحماية النساء والأطفال في مآوي اللاجئين. تتضمن المبادئ التوجيهية مدونة قواعد سلوك صارمة لموظفي المأوى، فضلاً عن التدريب للتعرف على أشكال العنف ومنعها، وإنشاء هيئات مستقلة لتلقي الشكاوى. وعلى الرغم من أن المعايير قد أدمجت في بعض العقود الجديدة بين السلطات المحلية والقائمين على إدارة المأوى، إلا أنها ليست ملزمة قانوناً. ووجد هذا التحقيق أنها نادراً ما تُنفذ أو تُرصد، ولم تقدم الكثير فيما يتعلق في تعزيز سلامة اللاجئات المقيمات.

ويعيش حالياً ما يربو عن 31,000 من طالبي اللجوء واللاجئين في ملاجئ طارئة وملاجئ مجتمعية في برلين، في انتظار الحصول على مساكن أكثر استدامة. ولا توجد سجلات لعدد السكان من الإناث، ولكن في عام 2016 شكلت النساء أكثر من ثلث جميع طلبات اللجوء في ألمانيا.

وعلى مدى فترة ستة أشهر، تحدثت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) مع العشرات من النساء مثل سالي اللاتي أبلغن عن معاناتهن من التحرش الجنسي، واللمس والتقبيل غير المرغوب فيه، ومطاردتهن أثناء إقامتهن في ملاجئ الطوارئ.

وقد وصف العديد من الأخصائيين الاجتماعيين والمتطوعين الذين يعملون في الملاجئ، الذين جرى التواصل معهم عبر الإنترنت، هذه الملاجئ بأنها غير آمنة للنساء. وكتب أحد المتطوعين: "ذات ليلة، تمكّن رجل من الدخول على غرفة سيدة وطلب ممارسة الجنس معها". وأفاد معظم الذين يعملون في المأوى أنهم لم يتلقوا توجيهات بشأن كيفية التعامل مع مثل هذه الحالات، على الرغم من أن التدريب المناسب يفترض أن يُشكل جزءاً من المعايير الدنيا.

الخوف من الذهاب إلى المرحاض

وخلال فترة الليل، يذهب المتطوعون والعاملون الاجتماعيون إلى منازلهم، ويبقى حراس الأمن فقط. ولكن العديد من اللاجئات يعتبرن الحراس تهديداً وليس شكلاً من أشكال الحماية. وحتى في الملاجئ التي تحتوي على غرف منفصلة للنساء، لا تشعر اللاجئات بالأمان لأن العاملين في مجال الأمن ومديري المأوى لديهم المفاتيح الرئيسية التي تتيح لهم الوصول إلى جميع الغرف. والسبب الرسمي لامتلاك هذه المفاتيح هو ضمان السلامة في حال نشوب حريق، ولكن النساء ذكرن أنه يتم استخدم تلك المفاتيح للدخول إلى الغرف حتى عندما لا يكون هناك خطر داهم.

وذكرت جميع النساء التي تحدثت إليهن شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهن يخفن من الذهاب إلى المرحاض ليلاً. وحول هذا الموضوع، قالت زينة البالغة من العمر 49 عاماً والمقيمة في ملجأ تمبلهوف: "كثيراً ما أعاني من آلام شديدة بسبب عدم استخدام المرحاض في الليل. أنا خائفة". وقالت زينة وسالي أنهما تشعران بالخوف من الحراس الذين يحدثون يصدرون أصوات أو إيماءات غير لائقة عندما تمران أمامهم وهما في طريقهما إلى المراحيض. حتى أنه في إحدى المرات، دخل حارس إلى المرحاض خلف سالي.

وقالت نساء أخريات من اللاتي جرت مقابلتهن، مثل مارزي حسيني البالغة من العمر 24 عاماً من أفغانستان، أنهن يعيشن في خوف من المقيمين الذكور في الملجأ نفسه. وذكرت مارزي أنها طلقت زوجها الذي كان يسئ معاملتها بعد وصولها إلى برلين، وأنها تشعر الآن أنها لا تتمتع هي وابنتها بأي حماية في المأوى حيث تقيمان في منطقة تريبتو-كوبنيك. وفي صباح أحد الأيام، دخل رجل أفغاني غرفتها وحاول اغتصابها. وقالت أنها تمكنت من مقاومته غير أنها لم تبلغ عن الحادثة إلى موظفي الشرطة أو المأوى.

وعلى الرغم من الروايات المتعددة حول التعرض للتحرش الجنسي وإساءة المعاملة، إلا أن المكتب الإقليمي لشؤون اللاجئين على ثقة من أنه لا توجد مشكلة كبيرة. وفي هذا الصدد، قال ساشا لانجينباش، المتحدث باسم المكتب الإقليمي لشؤون اللاجئين عبر رسالة بالبريد إلكتروني: "بعد عدد لا يحصى من الأحاديث مع مديري المآوي، أستطيع أن أؤكد لكم أنه لم يتم الإبلاغ عن أي حوادث [عنف جنسي] غير عادية في المآوي الطارئة أو المجتمعية". ويدعم تصوره هذا العدد القليل جداً من تقارير الشرطة. ففي عام 2016 بالكامل، لم تسجل شرطة برلين سوى 10 حالات فقط من "جرائم تنتهك الحرية الجنسية للأشخاص" تتعلق بنساء يعشن في مآوي اللاجئين.

ولكن وفقاً لكلوديا كروز، وهي أخصائية علاج في Zentrum für (مركز دعم البقاء على قيد الحياة)، الذي يقدم المشورة للمهاجرين واللاجئين، فضلاً عن العديد من منظمات المرأة التي تحدثت معها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في هذا التحقيق، تُعد إحصاءات الشرطة إجراءات غير موثوق بها فيما يتعلق بالحجم الحقيقي للمشكلة.

وفي هذا الصدد، قالت كروز: "يمكننا افتراض أن عدداً كبيراً جداً من الهجمات ذات الدافع الجنسي لا يُبلغ عنها"، مضيفة أن العديد من النساء اللاتي تقدم لهن المشورة يتحدثن عن تعرضهن للمس والمضايقات في الملاجئ.

الخوف يقود إلى الاغتصاب

والجدير بالذكر أن الحواجز اللغوية والافتقار إلى المعلومات يمنع الكثير من النساء من التماس العدالة أو العلاج عقب التعرض لاعتداءات جنسية، ذلك أنه من أجل الإبلاغ عن جريمة للشرطة، يتعين أولاً أن تكون المرأة على دراية بحقوقها. ثم يتعين عليها مغادرة المأوى والعثور على مترجم فوري. ونظراً لأن سالي تتحدث الإنجليزية ولا تتحدث الألمانية، فقد واجهت صعوبات في الحصول على الدعم. وتعليقاً على ذلك، قالت "لم أكن أعرف القانون جيداً".

وفي حالتها، أدّت الظروف غير الآمنة والمضايقات المستمرة في مأوى تمبلهوف إلى حالة أكثر خطورة. فخلال محاولتها اليائسة للبحث عن مكان آخر للإقامة، نشدت المساعدة عن طريق مجموعة من السوريين العلمانيين على تطبيق "واتس اب". فكان أن دعاها رجل للذهاب إلى هامبورغ للإقامة مع صديقة له. ولكن عندما وصلت سالي، أخذها إلى منزله واغتصبها.

وعندما أبلغت الشرطة عن تعرضها للاغتصاب، قيل لها أنه لا توجد أدلة كافية تثبت حدوث الجريمة. وبدلاً من تحويلها إلى جماعة دعم أو معالج، أعادوها إلى تمبلهوف.

أليسيا كاسبوم/إيرين
على الرغم من أن سالي قد تركت المأوى، إلا أنها لا تزال تعاني من تجربتها هناك

في السياق ذاته، أنشأت منظمات الناجين من العنف الجنسي والأسري وحدات مساعدة متنقلة تخدم اللاجئين على وجه التحديد، ولكنها محدودة. قدمت إحدى هذه المنظمات، وتدعى لارا، المشورة لقرابة 190 امرأة في الفترة الممتدة من أكتوبر إلى ديسمبر من عام 2016، وقد ذكرت ثلثا النساء أنهن عانين من العنف الجنسي منذ وصولهن إلى ألمانيا، وفقاً لإلناز فاراباكش، إحدى الأخصائيات الاجتماعيات في لارا. يوجد في وحدة أخرى أنشأتها منظمة بيج أو BIG (مبادرة برلين لمناهضة العنف تجاه المرأة) أخصائية اجتماعية واحدة فقط، استطاعت، خلال الفترة الممتدة من نوفمبر على ديسمبر من العام الماضي، التحدث إلى 84 امرأة من اللاجئات اللاتي يعانين من العنف الجنسي في الملاجئ.

وعلى الرغم من الطلب المتزايد على هذه الخدمات، لا يوجد سوى دعم قليل لتوسيعها أو حتى الاستمرار في تمويلها لأن التمويل المخصص لمنظمة لارا المتنقلة، الذي تقدمه الحكومة المحلية، سينفد بنهاية عام 2017. كما أن هناك إشكاليات في وصول المنظمات النسائية إلى العديد من المأوى التي تديرها شركات خاصة، تعاقدت معها الحكومة.

ما هو المطلوب؟

على الرغم من أنه من المفترض أن يقوم المكتب الإقليمي لشؤون اللاجئين برصد تطبيق المعايير الدنيا بشكل منتظم، لكن في حالة مركز فريدريزهاين Friedrichshain في شرق برلين الذي تديره شركة خاصة، ظل مدير المأوى يتحرش باللاجئات لمدة ستة أشهر، بل حاول نزع غطاء الرأس عن بعضهن، ولم تتم إقالته. ولم يتحرك المكتب الإقليمي لشؤون اللاجئين للقيام بزيارات مفاجئة إلى الملجأ إلا بعد تلقي العديد من الشكاوى الرسمية من قبل طبيبة ومنظمة تطوعية. بعدها ذلك فقط، استقال مدير المأوى.

من جانبها، ترى المنظمات النسائية، مثل لارا وبيج، أن هناك حاجة لإقامة المزيد من المآوي المخصصة للنساء فقط، ومن الأفضل، وحدات سكنية فردية يمكن للمقيمة فيها التحكم في غلقها. إضافة إلى ذلك، هناك حاجة ملحة لتقديم الدعم النفسي للنساء اللاتي تعرضن بالفعل للاعتداء الجنسي أو التحرش. وقد أظهرت دراسة نشرتها الطبيبة النفسية ميريام شولير، التي تعمل في مستشفى برلينر شارتي، أن واحدة من بين كل 10 لاجئات في ألمانيا تعاني من أفكار انتحارية، في حين أنه لدى أقل من واحدة من بين كل 10 لاجئات، فرصة للتحدث إلى معالج. وعلى الرغم من أن الدراسة لم تربط بين معدلات الاكتئاب المرتفعة وأسباب محددة مثل التحرش الجنسي، إلا أن جميع النساء اللاتي التقت بهن شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) يعانين من الاكتئاب، وفكرت بعضهن في الانتحار أو حاولن ذلك.

وبحلول الوقت الذي تلقت فيه سالي أخيراً العلاج على يد أخصائيين اجتماعيين في منظمة لارا، كانت قد حاولت بالفعل الانتحار ثلاث مرات. وفي الوقت الحالي، تستأجر غرفة في شقة مشتركة تدفع الحكومة تكلفة ايجارها، وتحضر دروساً لتعلم اللغة الألمانية، كما تسعى لإيجاد فرصة للتدرب على العمل الاجتماعي أو الرعاية. وعلى الرغم من أنها بدأت تتعافى ببطء بمساعدة مضادات الاكتئاب والعلاج، إلا أن تجربتها في الملجأ لا تزال تطاردها. وتعليقاً على ذلك، قالت: "الأسوأ بالنسبة لي أن أفكر أن ما حدث كان خطأي".

ساهمت أنينا العصار في هذا التقرير. وحظي هذا التحقيق بدعم من منحة نيتزويرك للأبحاث.

(الصورة الرئيسية: واحدة من ثلاث حظائر ضخمة تستخدم لإيواء اللاجئين في مطار تمبلهوف السابق في برلين. ايفور بريكيت/إيرين)

pm-ds-yp-ia/ks/ag-kab/dvh