تركيا تكثّف حملاتها القمعية ضد منظمات الإغاثة الإنسانية

احتجزت السلطات التركية 15 موظفاً من منظمة غير حكومية أمريكية تعمل لإغاثة السوريين، وهذ الخطوة هي الأحدث في سلسلة من التحركات التي ترمي إلى تقييد المنظمات الإنسانية في الدولة. ويعزو المراقبون الحملة التي تشنها السلطات التركية على المنظمات غير الحكومية الأجنبية إلى تنامي النزعة القومية التركية ومخاوف الحكومة من تمكين الأكراد داخل سوريا.

 

 

فقد احتجزت الشرطة 15 موظفاً كانوا يعملون لدي الهيئة الطبية الدولية في مدينة غازي عنتاب الجنوبية الشرقية، التي تقع بالقرب من الحدود السورية، يوم الخميس 20 أبريل. وتم ترحيل أربعة من هؤلاء المحتجزين- وهم رعايا أجانب من بريطانيا والهند واندونيسيا وايرلندا - بعد خمسة أيام، فيما لا يزال الـ11 الآخرون - وهم سوريون - في مركز احتجاز بالقرب من غازي عنتاب، ويواجهون خطر الترحيل إلى سوريا.

وفي حين أشارت السلطات التركية إلى وجود مخالفات في تصاريح العمل باعتبارها سبباً للاحتجاز، قالت ريبيكا غوستافسون، مستشار أول لشؤون الاتصالات للمنظمة غير الحكومية الأمريكية، أن لدى جميع الموظفين تصاريح عمل سارية.

وقالت في بيان لها يوم الأربعاء أن "الهيئة الطبية الدولية تعمل مع الحكومة التركية لتأمين الإفراج عن الموظفين الذين لا زالوا محتجزين، في أقرب وقت ممكن، ونواصل دعم أعضاء فريقنا وأسرهم خلال هذه الفترة العصيبة".

في السياق ذاته، قال موظفون سابقون في الهيئة الطبية الدولية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الأعضاء المحتجزين لديهم تصاريح عمل، ولكن للعمل في مناطق خارج غازي عنتاب.

ويأتي هذا الحادث في أعقاب طرد منظمة ميرسي كور الشهر الماضي، التي كانت تدير إحدى أكبر عمليات الإغاثة في سوريا انطلاقاً من تركيا، واحتجاز 10 موظفين من معونة الكنيسة الدانماركية. كما تم مؤخراً منع منظمات غير حكومية أخرى، بما فيها منظمة إيطالية، من العمل في الدولة. وتقول تقارير إعلامية تركية وعاملون في مجال المساعدات الإنسانية أن ممثلين من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يشاركون في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تخفيف حملة القمع، ولكن التأثير لا يزال غير ملموس.

ويظهر الفحص الذي قامت به شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) للوثائق المقدمة من وزارة الداخلية التركية أن عدداً من المنظمات غير الحكومية الدولية الأخرى قد أُسقطت من القائمة المعتمدة منذ منتصف عام 2015. مع ذلك، قالت منظمات غير حكومية أخرى، اتصلت بشبكة الأنباء الإنسانية أنه لا يزال يُسمح لها بالعمل على الرغم من أنها ليست على قائمة منظمات المجتمع المدني المعتمدة. أما المنظمات التي لا تزال مدرجة على قائمة المنظمات المسموح لها بالعمل في "الأنشطة المباشرة"، بما في ذلك منظمة وولد فيجن وإنقاذ الطفولة، فلديها تراخيص يتطلب تجديدها كل فترة تتراوح ما بين ستة أشهر إلى 12 شهراً.

بيئة عمل أكثر صرامة

وكانت منظمات المعونة التي لا تزال تعمل في تركيا مترددة في التعليق علناً على هذه المسالة خشية إلغاء تراخيصها. ولكن المقابلات غير الرسمية مع شبكة الأنباء الإنسانية تشير إلى تقلص حيز التشغيل للمنظمات غير الحكومية الدولية، التي يوجد العديد منها على طول الحدود الجنوبية للدولة، وتوفر الإغاثة عبر الحدود للمحافظات الشمالية السورية في حلب وإدلب.

والجدير بالذكر أنه على مدى سنوات عدة، تعمل منظمات غير حكومية أجنبية في تركيا بموجب ولايات مرنة تعفيها من بعض المتطلبات البيروقراطية التي كان من شأنها أن تبطئ تقديم المعونات التي يحتاج إليها السوريون بشكل ملح. ولكن التدقيق في عمليات تلك المنظمات قد بدأ منذ التحقيق الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2016 لبحث تورط منظمات غير حكومية في عمليات فساد في إيصال المساعدات عبر الحدود، ومنذ ادعاءات - في وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة - بوجود تواطؤ بين منظمات غير حكومية وميليشيات كردية.

وقد تفاقمت هذه المشاكل بسقوط حلب على يد قوات الرئيس بشار الأسد، واستبعاد القوات التركية في المعركة من أجل استعادة الرقة من ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. وعقب استبعادهم إلى حد كبير من شمال سوريا، يخشى المسؤولون الأتراك أن تصل المساعدات الأجنبية في نهاية المطاف إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام أو التي يسيطر عليها الأكراد عبر الحدود.

وقال أحد عمال الإغاثة السابقين في تركيا: "كانت لدينا دائماً مشكلات مع تصاريح العمل ... وكانت الدولة دائماً على علم بذلك. ونظراً لأننا كنا نلتزم دائماً بالشفافية بشأن تلك الأمور، وسلاسة العمليات والإسهامات الكبيرة التي تقدمها المنظمات غير الحكومية الدولية في تركيا، فقد كان يُسمح لنا دائماً بالعمل بهذه الطريقة".

ولم يستجب المسؤولون الحكوميون الأتراك لطلبات متكررة للتعليق على الموضوع، ولكن خلال المؤتمر السنوي للمجلس الدولي للوكالات الطوعية في الشهر الماضي، قال بيرك باران، نائب الممثل الدائم في البعثة التركية لدى الأمم المتحدة في جنيف، أن السبب في الاستبعاد هو عدم التزام تلك المنظمات غير الحكومية بالبروتوكول.

وفي هذا الصدد، قال باران "إذا كانت قنوات الاتصال مفتوحة ويُقال لك ما عليك فعله، فإن الأمر بسيط جداً... الحكومة تتوقع منك الالتزام بلوائحها".

من ناحية أخرى، يشكو العديد من العاملين الأجانب في مجال الإغاثة من أن فهم اللوائح التركية قد صار شيئاً صعباً، ذلك أنه عقب محاولة الانقلاب التي جرت في العام الماضي والتطهير اللاحق لأكثر من 100,00 من العاملين في الدولة، أصبحت العديد من الوزارات الحكومية في حالة اضطراب شديد. وقد تراكمت الأعمال الإدارية في ظل وضع بروتوكولات جديدة، فأصبحت رخص تشغيل العديد من المنظمات غير الحكومية عالقة في عمليات مراجعة مطولة.

وتعليقاً على هذا، قال أحد العاملين في الإغاثة: "كل دولة ندخلها، نحاول التخفيف من المخاطر التي تواجهنا. هذه هي الطريقة التي نعمل بها ... ينبغي أن تكون العملية واضحة بشكل قاطع بحيث توجد معايير نتبعها، ولكننا ما زلنا لا نعرف ما هي".

وقال مسؤول آخر في تركيا لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إنهم لا يحتاجون إلى القيام بأي شيء خاص لوقف المنظمات غير الحكومية. إنهم بحاجة فقط إلى استخدام الإجراءات البيروقراطية العادية، وهي [فعّالة] لأننا لا نستطيع أن نقول أي شيء ضدها. لذلك يتم كل ذلك في الغالب بواسطة القانون. حتى في الحالات المؤلمة جداً التي يتم فيها ترحيل الموظفين السوريين".

الآثار غير المباشرة

وقد تسببت عمليات منع المنظمات غير الحكومية من العمل في تركيا في تقليص المساعدات في شمال سوريا على وجه التحديد، وبالنسبة لثلاثة ملايين لاجئ سوري يعيشون داخل تركيا بشكل عام. من جانبها، قالت منظمة ميرسي كور أنها تقوم وحدها بمساعدة ما يصل إلى نصف مليون شخص من المدنيين السوريين كل شهر، مع وجود 100,000 مستفيد إضافي في تركيا. وإذا لم يُسمح للمنظمات غير الحكومية الدولية المحظورة باستئناف تشغيل بعثاتها في تركيا، فإن المنظمات المحلية قد تتمكن من سد الثغرات، رغم القيود المفروضة على العمل في المناطق الكردية. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هناك 58 منظمة غير حكومية دولية وأكثر من 469 منظمة غير حكومية محلية تقدم مساعدات لسوريا انطلاقاً من تركيا، وتصل تلك المساعدات إلى نحو مليون شخص شهرياً.

وفي الوقت الذي شكك فيه عمال الإغاثة الدوليون في قدرة المنظمات غير الحكومية التركية في الاضطلاع بهذه المهمة، قالت سيما جينيل كروزمانوغلو، المدير التنفيذي لمنظمة دعم الحياة، إحدى أكبر منظمات المعونة في تركيا، أن المنظمات المحلية تستطيع توسيع عملياتها. وأضافت أن الدولة التركية نفسها قد تسعى إلى المزيد من المشاركة في جهود الإغاثة.

وقالت كروزمانوغلو: "لدينا تقاليد راسخة في الدولة التركية، ولذلك تحرص الحكومة دائماً على القيام بكل شيء بنفسها". وأضافت: "أعتقد أنهم يبحثون عن حلول محلية لحل بعض هذه القضايا".

ولكن قدرة منظمات الإغاثة المحلية قد تأثرت أيضاً بعملية التطهير اللاحقة للانقلاب، التي أدّت إلى إغلاق ما يقرب من 550 منظمة غير حكومية محلية لارتباطها المزعوم بمنظمات ارهابية.

وذكرت وثيقة داخلية، سُربت إلى إذاعة صوت أمريكا الشهر الماضي، من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أن وزاره الداخلية التركية تعتزم إلغاء جميع التسجيلات الحالية للمنظمات غير الحكومية الأجنبية، وسيطلب من تلك المنظمات تقديم طلبات تسجيل جديدة وفقاً لقواعد وأنظمة جديدة. وحذر مسؤولو مكتب أوتشا من أن الحكومة التركية ستستخدم هذه العملية "لاختيار المنظمات التي ترغب في السماح بتواجدها في البلاد".

وتعليقاً على ذلك، قال مراقبون مطلعون على السياسة التركية أن هذه الخطوة ليست غير متوقعة. وقال سونر جاغابتاي، الباحث في معهد واشنطن، الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقراً له، ومؤلف كتاب "السلطان الجديد: اردوغان وأزمة تركيا الحديثة" أنه "فوجئ" بمقدار المرونة التي منحتها السلطات التركية لوكالات المساعدات الأجنبية في السنوات الأولى من الحرب السورية.

وقد دأب المسؤولون الحكوميون على الاشتباه في الكيانات الأجنبية العاملة داخل الحدود التركية. وعقب تدخل تركيا في سوريا، المعروف باسم عملية درع الفرات، التي بدأت في أغسطس الماضي، وتأمين المناطق الحدودية، قد تكون الحملات الأمنية الأخيرة على وكالات الإغاثة مؤشراً على عودة السلطات التركية إلى ممارسة السياسات الأكثر تقييداً التي كانت مستخدمة قبل الحرب.

عوامل كردية

بالإضافة إلى ما سبق ذكره، يشير المحللون إلى أن حملة القمع ضد المنظمات غير الحكومية قد تحفزها مخاوف أنقره بشأن توازن القوى والموارد المتاحة في شمال سوريا، حيث تتلقى القوات الكردية الدعم من الولايات المتحدة لمواجهة العمليات المُعادية التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي يوم الثلاثاء، قصفت القوات التركية قاعدة لوحدات الحماية الشعبية الكردية السورية، وهي مجموعة تدعمها الولايات المتحدة، ما يسلّط الضوء على التحالفات المعقدة التي تؤثر في المشهد الحالي.

وقد يكون النزاع الدائر بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني الانفصالي المحظور، الذي تربطه صلات قوية مع وحدات الحماية الشعبية الكردية السورية، عاملاً مساعداً، على الرغم من أن مسؤولي المعونة، الذين تحدثوا مع شبكة الأنباء الإنسانية نفوا مزاعم التواطؤ مع الميليشيات الكردية. ومن المعروف أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدرجان حزب العمال الكردستاني على لائحة الجماعات الإرهابية.

وقد ازداد توتر المناخ السياسي العام في تركيا خلال السنة الماضية، حيث اتسم بعدم الاستقرار، ومحاولة الانقلاب، والعديد من الهجمات التي شنها متطرفون، والتوتر الشديد الذي صاحب الاستفتاء الذي جرى التنافس عليه بشكل محموم هذا الشهر. ولتعزيز الدعم لمساعيه لتوسيع صلاحياته الرئاسية، وتطلعه لإعادة انتخابه في عام 2019، اعتمد الرئيس رجب طيب اردوغان خطاباً تتنامى فيه النزعة القومية.

وقال جاغابتاي: "إلى أن يتم عقد الانتخابات القادمة، سيواصل اردوغان موقفه المتشدد تجاه حزب الكردستاني، وهو ما يتماشى مع استراتيجية إضعاف الكيان الكردي واستهدافه ليس عسكرياً فقط، بل وسياسياً أيضاً... وهذا يعني منع وصول المنظمات غير الحكومية الدولية ومن ثم إضعاف نسيجها المجتمعي وقدرتها على الصمود".

ووسط هذا كله، سيظل مئات الآلاف من اللاجئين والمدنيين السوريين، الذين يعتمدون على المعونة التي تقدمها المنظمات غير الحكومية الدولية، أكبر الخاسرين.

(الصورة الرئيسية: عائلات تعود إلى وطنها بعد زيارة نقطة توزيع المعونة في حي الشعار في شرق حلب. حميد معروف/المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

dc/ks/bp/ag-kab/dvh