مدينة باكستانية مضطربة تعاني من مأزق قانوني منذ التفجير الذي أسفر عن مصرع وإصابة 150 محامياً

اكتسب إقليم بلوشستان الباكستاني منذ فترة طويلة سمعة سيئة بسبب حالة الفوضى الأمنية وتجاوز القانون، ولكن هذا لم يكن أبداً أصدق على المستوى العملي مما هو عليه اليوم. فقد لقي أكثر من نصف المحامين في عاصمة الإقليم مصرعهم أو أصيبوا بجروح جراء تفجير وقع في أغسطس الماضي، ولا تزال آلاف القضايا في مأزق قانوني.

ففي 8 أغسطس، انفجرت قنبلة في مستشفى كان المحامون قد تجمعوا بداخله لتشييع زميل لهم كان قد لقي مصرعه رمياً بالرصاص قبل عدة ساعات. ومن بين ما يقرب من 280 محامياً في كويتا، أُصيب حوالي 100 بجروح ولقي 56 مصرعهم، وفقاً لمجلس نقابة المحامين في بلوشستان.

وقد قذف هذا الانفجار بالنظام القانوني في بلوشستان إلى حالة من الفوضى، وأغلقت المحاكم أبوابها لمدة ثلاثة أشهر، ولا يزال المحامون ينظمون إضراباً لمدة يومين كل أسبوع لمطالبة الشرطة بتوفير مزيد من الحماية.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال علي كاكار، وهو محام في محكمة بلوشستان العليا: "كان الـ56 محامياً الذين لقوا مصرعهم ينظرون في ما يقرب من 5,000 قضية، ولا تزال 70 بالمائة منها معطلة".

وقد ترك التفجير هوة قضائية سحيقة في الإقليم الذي كان يعاني من ضعف سيادة القانون بالفعل، كما أن الهجمات العنيفة وانتهاكات حقوق الإنسان شائعة.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك جماعات متمردة تقاتل الدولة من أجل الاستقلال أو الحكم الذاتي منذ عقود، وقد "اختفى" كثير من الناس الذين يُعتقد أنهم داعمون لحركة التمرد، وفقاً للمجموعة الدولية للأزمات.

كما تقاتل فصائل من حركة طالبان الباكستانية، بما في ذلك جماعة الأحرار، التي أعلنت مسؤوليتها عن الانفجار جنباً إلى جنب مع تنظيم الدولة الإسلامية. وأعقب ذلك التفجير هجوم في شهر أكتوبر على أكاديمية للشرطة في كويتا أسفر عن مقتل 60 شخصاً، وتفجير آخر في شهر نوفمبر استهدف ضريحاً صوفياً في منطقة نائية من الإقليم أسفر عن مقتل 52 شخصاً.

مسجون

وقد حذر مراقبو الوضع في بلوشستان من أن انهيار سيادة القانون وتنامي التشدد يمكن أن يؤدي إلى تدويل الصراع عن طريق انضمام السكان من عرقية البلوش في كل من إيران وأفغانستان. ولكن الشعور بالآثار المباشرة للشلل القانوني أقوى كثيراً على المستوى المحلي.

زار مينا هي واحدة من العديد من الناس الذين قضوا ساعات لا تحصى في المحكمة في محاولة لدفع قضيتها قدماً منذ مقتل محاميها.

بعد وفاة زوجها، طالب أقاربه بحضانة أطفالها الثلاثة. وذات ليلة، خطف شقيق زوجها ابنها البالغ من العمر 10 سنوات، فوكلت محامياً على أمل أن تحكم المحكمة لصالحها وتجبر أقارب زوجها الراحل على إعادة الطفل.

وقالت من أمام قاعة المحكمة: "ابني محتجز لدى شقيق زوجي منذ تسعة أشهر، ولكن قضيته لم تنته بعد. لا أستطيع تحمل انفصالي عن ابني". 

وقد قضى آخرون، مثل نسيم خان، وقتاً في السجن بتهم بسيطة نسبياً بسبب عدم وجود محام يدافع عنهم.

كان نسيم يمتلك جزءاً من متجر مجوهرات تعرض للسطو، وسرق اللصوص بضائع قيمتها 7,000 دولار. واتهمه شريكه بالتورط في السرقة، لكنه أنكر هذا الاتهام وتشاجرا. وقال خان أن شريكه تقدم ببلاغ يتهمه بالاعتداء.

"ليست هناك عدالة في قضائنا. لقد قضيت خمسة أشهر في السجن،" كما أفاد.

وقال محاميه الجديد، وسيم خان، أنه في قضية بسيطة مثل هذه، عادة ما توافق المحكمة على خروج المتهم بكفالة بعد بضع جلسات، لكن التفجير عطل قضيته.

وطن بال/إيرين
رجال الشرطة في مكان التفجير الذي وقع في شهر أغسطس بإحدى المستشفيات في كويتا

سد الفجوة

وبحسب تقديرات كاكار، المحامي بالمحكمة العليا، لا يزال نحو 300 شخص كانوا في الظروف العادية سيخرجون بكفالة قابعين في السجون بتهم بسيطة.

وأضاف أن "الانفجار قد أعاد القضاء 70 عاماً إلى الوراء، ولقي محامون لديهم عقود من الخبرة مصرعهم. إن ملء الفراغ الناجم عن وفاتهم قد يستغرق عدة عقود". 

وقال سردار رضا محمد باريتش، المستشار القانوني لرئيس وزراء بلوشستان، أن الحكومة تخطط لتعزيز نظام العدالة المجتمعية التقليدي المعروف باسم المجالس القبلية للمساعدة في ملء الفراغ.

 والجدير بالذكر أن قادة المجتمع يشكلون مجلساً قبلياً ويصدرون أحكاماً بعد سماع الحجج من طرفي النزاع. وإذا وافق الطرفان على الحكم، يمكنهما تقديم بيان المجلس الكتابي إلى قاض في النظام القانوني يستطيع بدوره  أن يجعل الحكم رسمياً.

 وأكد باريتش أن "تعزيز المجالس القبلية سيكون أولويتي في المستقبل".

 من ناحية أخرى، أشارت لجنة التحقيق في تفجير أغسطس التي تشكلت بأمر من المحكمة العليا في باكستان إلى وقوع 2,878 "هجمة إرهابية" في بلوشستان بين عامي 2001 و2016، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف المعدل الوطني.

 وكانت مراجعة اللجنة لتحقيقات الشرطة بعد هذا الهجوم لاذعة. في الواقع، كان استجواب اللجنة هو الشيء الوحيد الذي دفع الشرطة إلى دعوة خبراء في الطب الشرعي للمساعدة في التحقيق. وبناءً على نتيجة اختبار الحمض النووي اللاحق، وكذلك الفحص الدقيق للمقاطع التي التقطتها كاميرات المراقبة والحطام في موقع الانفجار، تمكنت الشرطة من التعرف على الانتحاري وتعقب شركائه المزعومين.

 "حدث كل هذا بعد فترة طويلة من الهجومين وكنتيجة لتدخل اللجنة فقط،" كما أوضح التقرير، الذي صدر في شهر ديسمبر، مضيفاً أن "الشرطة لم تكن قد حققت أي تقدم حتى ذلك الحين". 

وفي 5 ديسمبر، داهمت الشرطة مجمعاً كان الجناة المزعومون يتجمعون به وقتلوا خمسة منهم خلال تبادل لإطلاق النار، كما أُصيب ضابطان بجروح خطيرة. وقال التقرير أن الشرطة ألقت القبض على رجل واحد، ولكن من غير الواضح ما إذا كان قد حوكم منذ ذلك الحين أم لا.

hk/jf/ag-ais/dvh

(الصورة الرئيسية: مشيعون يشعلون الشموع بعد يومين من التفجير الذي استهدف مستشفى في كويتا. الصورة: وطن بال)