"مدن الملاذ" تستعد لمقاومة سياسة الترحيل التي يتبعها ترامب

تانيا كاراس

تانيا كاراس حائزة على منحة فولبرايت الأمريكية 2015-2016 في اليونان وتكتب تقارير عن أزمة اللاجئين وسط الأزمة المالية.

لم يتوقف رنين الهواتف في "مشروع القيامة" The Resurrection Project منذ 8 نوفمبر، عندما انتُخب دونالد ج. ترامب رئيساً للولايات المتحدة.

 

 

"الناس يشعرون برعب شديد،" كما قالت إرينديرا ريندون، مديرة المشاريع الوطنية في هذه المنظمة المجتمعية في بلسن، وهو حي ينبض بالحياة ذو أغلبية من أصل لاتيني، في الجانب الغربي من شيكاغو.

ويخشى كثير من سكان الحي من أن الرئيس الجديد - الذي سيتولى مهام منصبه الجمعة - سينفذ وعده الانتخابي بترحيل ما يقرب من 11 مليون مهاجر غير شرعي يعيشون في الولايات المتحدة. ويتذكر كثيرون جيداً المداهمات الجماعية على أماكن العمل التي تم شنها في جميع أنحاء البلاد خلال ولاية الرئيس السابق جورج دبليو بوش الثانية: مداهمات عسكرية للغاية ومنسقة شملت اعتقال عشرات الآلاف من العمال المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم.

وتأهباً لاحتمال شن حملة مماثلة أو أوسع نطاقاً، يستضيف مشروع القيامة حلقات عمل بعنوان "إعرف حقوقك". تبدأ هذه الجلسات بتدريبات التنفس لتخفيف قلق الناس. ثم تبدأ الأسئلة: "ماذا ينبغي علي أن أفعل إذا جاء وكلاء الهجرة الفدراليين إلى بيتي؟ أو إلى مكان عملي؟ هل تجديد تصريح التدابير المؤجلة بشأن الوافدين في مرحلة الطفولة (عفو الرئيس باراك أوباما المؤقت عن الشباب غير الحاملين لوثائق رسمية الذين جاء بهم آباؤهم إلى الولايات المتحدة وهم أطفال) آمن بالنسبة لي؟"

تانيا كاراس/إيرين
إرينديرا ريندون تراجع الأسئلة المتدفقة من السكان المحليين مع غوادالوبي ريموندو، التي تمثل المهاجرين غير الشرعيين في الطعون على قرارات ترحيلهم

"نحن نعمل على افتراض أن ترامب سيفعل ما وعد به، وهو الترحيل الجماعي لما يتراوح بين 2 و3 ملايين شخص على الفور،" كما أفادت ريندون، وهي نفسها مستفيدة من التدابير المؤجلة بشأن الوافدين في مرحلة الطفولة (DACA) وتبلغ من العمر 31 عاماً.

وتجدر الإشارة إلى أن ترامب كان قد تعهد أثناء حملته بإنهاء التدابير المؤجلة بشأن الوافدين في مرحلة الطفولة، التي أقرها أوباما من خلال أمر تنفيذي في عام 2012. وعلى الرغم من أن هذه التدابير ليست مساراً يؤدي إلى الحصول على الجنسية، إلا أنها تمنح أكثر من 740,000 شاب لا يحملون وثائق تأجيلاً مؤقتاً للترحيل.

الدفاع المحلي

وقد تكون المدينة التي يعيش فيها أشخاص مثل ريندون خير منقذ لهم؛ فقد تحولت الآن، أكثر من أي وقت مضى، معركة مساعدة المهاجرين غير الشرعيين وحمايتهم من الترحيل إلى المستوى المحلي. وتتعهد مدن مثل شيكاغو وسان فرانسيسكو وسياتل وفيلادلفيا ونيويورك، جنباً إلى جنب مع مقاطعات وجامعات في جميع أنحاء البلاد، بالحد من تعاونها مع سلطات الهجرة الفيدرالية وتحولها إلى "ملاذات آمنة" للأشخاص الذين يواجهون الترحيل.

وقد هاجم ترامب خلال حملته الانتخابية ما يسمى بـ "مدن الملاذ"، لافتاً إلى حالة حدثت في يوليو 2015 التي شهدت قيام رجل مكسيكي بإطلاق النار على امرأة في سان فرانسيسكو فأرداها قتيلة. وكان الرجل قد أُدين بارتكاب سبع جنايات في السابق وتم ترحيله بالفعل خمس مرات. ولكن قبل إطلاق النار، رفضت الشرطة المحلية اعتقاله نيابة عن دائرة الهجرة والجمارك (ICE) من دون موافقة المحكمة - وهي وسيلة رئيسية يمكن من خلالها لمدن الملاذ تجنب مساعدة المسؤولين الفيدراليين.

وقد وعد ترامب "بإنهاء مدن الملاذ" في أول 100 يوم له في منصبه عن طريق إلغاء التمويل الفيدرالي المخصص لها. وإذا نفذ تهديده، فإن العديد من المدن، وخاصة أجهزتها المعنية بإنفاذ القانون، قد تفقد عشرات الملايين من الدولارات في شكل منح سنوية من وزارة العدل الفيدرالية. وتعتمد الشرطة المحلية على هذه المنح لتعيين ضباط جدد وتنفيذ برامج خاصة لمتعاطي المخدرات وضحايا العنف المنزلي. وقد تفقد شيكاغو ما يقرب من 29 مليون دولار.

مع ذلك، عززت العديد من المدن منذ الانتخابات القوانين التي تحظر على المسؤولين المحليين سؤال الناس عن وضعهم كمهاجرين. وبادرت مدن أخرى، من بينها شيكاغو، بإصدار بطاقات هوية بلدية تتيح للمقيمين غير الشرعيين الحصول على الخدمات العامة، مثل الرعاية الصحية والتعليم بشكل أكثر سهولة.

كما خصص رؤساء البلديات أموالاً لدفع أتعاب المحامين للدفاع عن الناس خلال إجراءات الترحيل الفيدرالية. والجدير بالذكر أن المهاجرين الذين يواجهون خطر الترحيل في الولايات المتحدة ليس لهم الحق التلقائي في الاستعانة بمحام. وقد أعلنت مدينة شيكاغو، التي تُعد موطناً لنحو 150,000 مقيم غير شرعي، مؤخراً عن إنشاء صندوق للمساعدة القانونية برأس مال قدره 1.3 مليون دولار، في حين تعهدت لوس انجلوس بتقديم 10 ملايين دولار من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وقد ضمنت مدينة نيويورك بالفعل تمثيل المهاجرين المعتقلين من خلال برنامج بقيمة 6 ملايين دولار تم تدشينه في عام 2013.

"أريدكم أن تعرفوا أنكم في مدينة شيكاغو - أطفالكم وأنتم وأُسركم - آمنون وسالمون ومدعومون،" كما قال رئيس البلدية رام إيمانويل عند الإعلان عن صندوق المساعدة القانونية في مدينته الشهر الماضي.

ويتم توجيه جزء من أموال الصندوق إلى مشروع القيامة لتدريب نحو 200 "ملاح مجتمعي" لمساعدة الناس في قضايا الهجرة. وتم تخصيص الـ750,000 دولار المتبقية للمركز الوطني لعدالة المهاجرين، الذي يتخذ من شيكاغو مقراً له بغرض توظيف تسعة موظفين سيمثلون 1,000 حالة على الأقل خلال العام المقبل.

تانيا كاراس/إيرين
يستضيف مشروع القيامة لقاءات بعنوان اعرف حقوقك ويدرب 200 "ملاح مجتمعي" لمساعدة السكان المحليين على التغلب على مخاوفهم المتعلقة بالهجرة

هش قانونياً

ومفهوم مدينة الملاذ ليس جديداً إذ يعود تاريخه إلى عام 1985 في شيكاغو، عندما أصدر رئيس البلدية آنذاك هارولد واشنطن أمراً تنفيذياً ينهي وكالات المدينة عن السؤال عن وضع الهجرة لأي شخص يطلب الحصول على خدمات المدينة.

وتتبع مئات السلطات القضائية الأمريكية، المقاطعات في المقام الأول، سياسات الملاذ، بما في ذلك ولايات بأكملها، مثل كاليفورنيا وكونيتيكت ورود آيلاند. وحتى في الولايات المحافظة، تتمتع هذه القوانين بدعم من وكالات إنفاذ القانون لأنها تحافظ على السلامة والثقة داخل المجتمعات المحلية، فمن غير المرجح أن يتعاون ضحايا الجرائم والشهود الذين قد لا يحملون وثائق مع الشرطة المحلية، إذا كانوا يعتقدون أن هذا سيؤدي إلى ترحيلهم.

ولكن العديد من خبراء الهجرة يحذرون من أن مصطلح "الملاذ" مضلل، ويستحضرون صورة لمدن تخبئ سكانها من العملاء الفيدراليين. لكن هذا ليس صحيحاً لأن وكالة الهجرة والجمارك يمكنها القبض على المهاجرين غير الشرعيين في أي مكان، شريطة أن يكون لديها أمر قضائي.

"إن تسمية منطقة محلية أو حرم جامعي بـ"الملاذ "لا يعني أي شيء من الناحية القانونية،" كما يقول ستيفن ييل لوهر، وهو محام متخصص في قضايا الهجرة وأستاذ في كلية الحقوق بجامعة كورنيل. وأضاف "إنها راحة رمزية للطلاب أو السكان توحي بأن الشرطة المحلية لن تخبر مسؤولي الهجرة إذا كان هناك شخص لا يحمل وثائق في الحرم الجامعي، على سبيل المثال".

وقد رفضت بعض المدن والجامعات تسمية "الملاذ"، واختارت بدلاً من ذلك مصطلح "المرحبة".

على الرغم من أن حركة مدن الملاذ قد اكتسبت زخماً منذ انتخاب ترامب، فإن اللوائح والإنفاذ الجزئي يعني أن مستويات الدعم المتاحة للمهاجرين غير الشرعيين تختلف اختلافا كبيراً من ولاية قضائية إلى أخرى.

وريندون تعرف ذلك. فقد أحضرها والداها إلى الولايات المتحدة معهم من أواكساكا في المكسيك عندما كان عمرها أربع سنوات. وهذا يعني أن التدابير المؤجلة بشأن الوافدين في مرحلة الطفولة تنطبق عليها، لكن والديها لا يزالا بلا وثائق رسمية. كما أنهما يعيشان في ضاحية شمال غرب شيكاغو لا تُطبق بها قوانين الملاذ.

"بالنسبة لي، أنا شابة - وأعلم أنني أستطيع القتال للنهاية، ولكن والديّ يبلغان من العمر 60 عاماً ويزدادان هرماً. ماذا سيحدث لهما؟ إنهما يشعران دائماً بالخوف والقلق، ويتعرضان لضغوط كثيرة،" كما أوضحت ريندون.

تراكم القضايا

وعلى الرغم من مثل هذه المخاوف، لا يزال من غير الواضح كيف يمكن لترامب توسيع نطاق عمليات الترحيل. لقد تعهد بإعطاء الأولوية للمجرمين المدانين، ولكن خبراء الهجرة يقولون أن عدد هؤلاء لا يكفي للوصول إلى هدف ترامب المعلن، وهو ترحيل ما بين 2 و3 ملايين شخص.

وقد أشرف أوباما على ترحيل 2.5 مليون مهاجر خلال السنوات الثماني التي قضاها في منصبه - أكثر من أي رئيس آخر. ولكن زيادة الوتيرة الحالية للترحيل بشكل كبير ستعني معالجة تراكم القضايا في محاكم الهجرة. ينبغي على الفرد الذي يواجه الترحيل أن يمثل أمام محكمة هجرة قبل أن يصدر قاض قرار ترحيله، ولكن هناك 520,000 قضية عالقة على الصعيد الوطني، بما في ذلك أكثر من 23,000 قضية في ولاية إلينوي، حيث تقع مدينة شيكاغو. وغالباً ما يتم تحديد مواعيد الجلسات قبل انعقادها بثلاث سنوات.

وفي مدن الملاذ، حيث يمكن للمهاجرين الذين يواجهون احتمال الترحيل الحصول على المساعدة القانونية ومقاومة قرار الترحيل، من المرجح أن يزداد تراكم القضايا.

كما أن ترحيل الناس أمر مكلف أيضاً. وحيث أن تكلفة ترحيل شخص واحد تبلغ في المتوسط 10,000 دولار، سوف يتعين على ترامب أن يطلب من الكونجرس الموافقة على تخصيص ما بين 20 و30 مليار دولار لكي يحقق هدفه، وهذا لا يشمل حتى المليارات التي سوف يحتاج إليها لبناء هذا "الجدار الجميل الكبير".

مع ذلك، فإن وعد ترامب بترحيل هذه الأعداد الكبيرة بسرعة يثير قلق المناصرين.

"عمليات إنفاذ القانون فوضوية، وما حدث في الماضي هو أن الكثير من الأبرياء، مثل أفراد العائلة والجيران، يصبحون عالقين [ويتم ترحيلهم أيضاً]، حتى لو كان الهدف هو شخص واحد فقط،" كما أفادت هايدي أولتمان، مديرة السياسة العامة في المركز الوطني لعدالة المهاجرين.

وأضافت قائلة: "نحن ندعم جميع المهاجرين، بمن فيهم أولئك المنخرطون في نظام العدالة الجنائية. وغالباً ما يكون الترحيل عاقبة غير متناسبة إلى حد كبير مع أفعالهم".

(الصورة الرئيسية: عملاء دائرة الهجرة والجمارك يعتقلون أشخاصاً مشتبه بهم خلال إحدى المداهمات. الصورة مقدمة من وكالة الهجرة والجمارك)

tk/ks/ag-ais/dvh