سياسة المعونة الغذائية في ولاية راخين في ميانمار

جوليا والاس

صحفية مستقلة تغطي جنوب شرق آسيا

في ولاية راخين في ميانمار: السياسية حتى في الغذاء.

ظلت التوترات الطائفية تغلي لعقود من الزمن على الحدود الغربية لميانمار مع بنجلاديش، مما أدى إلى تفجّر أعمال عنف مميتة في عام 2012، قام فيها غوغاء بوذيون في ولاية راخين بطرد أقلية الروهينجيا المسلمة من منازلهم. والآن ورغم مرور أربع سنوات على هذه الواقعة، لا يزال قرابة 120,000 شخص نازحين وتواجه الحكومة صعوبات في مساعدتهم على العودة إلى ديارهم في ظل استمرار أعمال العنف. 

وعندما استحدثت الحكومة برنامج منح نقدية يقدم لكل فرد مبلغ 1,000 دولار لـ22,000 نازح روهينجي لإعادة بناء منازل مسقوفة بالقش، قوبل هذا التحرك بتفاؤل حذر. وأشادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في بيان صحفي في شهر مايو، بالبرنامج واعتبرته يمثل "خطوة أولى نحو إنهاء النزوح".

لقد كان خطوة أولى في أحسن الأحوال لأن معظم المستفيدين من هذا البرنامج يعيشون بالفعل في قراهم الأصلية أو بالقرب منها وليس في مخيمات بائسة للنازحين حول سيتوي، عاصمة الولاية.  

والآن، يواجه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة معضلة: عندما كان الروهينجيا نازحين داخلياً، كانوا يحصلون على حصص غذائية، لكنهم بعدما أصبحوا يقيمون حالياً في منازلهم، خفّض برنامج الأغذية العالمي حصص الإعاشة لأنه يريد إيقاف المساعدات حتى يجعل مجتمعاتهم أكثر اعتماداً على نفسها. ولكنهم لازالوا يعيشون تحت نظام فصل عنصري يقيد بشدة قدرتهم على العمل.

وهكذا، يعاني الروهينجا من الجوع. ولكن الكثيرين من جيرانهم من عرقية الراخين يعانون الشيء ذاته، وكذلك الروهينجا الذين يعيشون بالجوار ولم ينزحوا أبداً. وبالتالي فإن برنامج الأغذية العالمي قد يتسبب في تأجيج السخط إذا ما واصل إمداد النازحين سابقاً بحصص غذائية.

قيود صارمة

عاش سوم محمد، وهو طبيب محلي يبلغ من العمر 31 عاماً، أربع سنوات في خيمة في قرية إن بار يي في بلدة كياوكتاو بعدما أضرم الغوغاء النار في جميع المنازل تقريباً في قريته في أعمال الشغب التي وقعت عام 2012. وعلى الرغم من أنه عاد الآن إلى منزله، إلا أنه يكافح هو وغيره من الروهينجيا لإيجاد ما يسد رمقهم. 

وتعليقاً على وضعهم، قال محمد: "قد تحتاج الأسرة الواحدة ثلاث علب من الأرز [يومياً]، لكننا لا نستطيع طهي سوى علبة ونصف أو اثنتان...نحن لا نشبع. هناك فرق كبير. نحن نشعر بالضعف".

ولم يعد محمد يتسلم حصة الإعاشة التي كان يحصل عليها في شهر يوليو. قبل ذلك، كان برنامج الأغذية العالمي يقدم لكل نازح حصص شهرية من الأرز والفول والزيت والملح. أما الآن، فلا يحصل إلا أولئك الذين تم تصنيفهم ضمن الفئات الضعيفة بصفة خاصة – كبار السن والمعوقين والأيتام والأمهات العازبات – على تلك الحصص، بينما يحصل الأطفال على فول الصويا كمكمل غذائي. 

والمشكلة هي أنه حتى الأصحاء من الروهينجيا، مثل محمد، لا يجدون عملاً.

وقبل اندلاع أعمال العنف في عام 2012، كان سكان القرية لا يزالون فقراء معدمون، ولكنهم كانوا يمتلكون حرية الحركة والتنقل في جميع أنحاء البلدة للبحث عن عمل يومي كعمال يدويين أو في المزارع. 

وتوضيحاً للقيود المفروضة على حركتهم، قال محمد: "نستطيع الآن الذهاب للصيد في النهر الذي يقع خلف القرية، ولكن لا يمكننا الذهاب إلى الجانب الآخر...لا توجد أي وسيلة أخرى لكسب المال. سنكون سعداء إذا لم تكن هناك قيود، لأننا سنتمكن من العمل".

جوليا والاس/إيرين
صبي من الروهينجيا خارج منزل أُعيد بناؤه حديثاً في قرية "إن بار يي" الجديدة في ولاية راخين في ميانمار

والجدير بالذكر أن القيود المفروضة على الحركة التي أشار إليها محمد قد فُرضت خلال نصف قرن من الحكم العسكري تم خلالها تجريد الروهينجيا من حقوقهم شيئاً فشيئاً بما في ذلك الجنسية.

ويعتبر كثير من البوذيين الذين يشكلون الأغلبية في ميانمار المسلمين الروهينجيا بمثابة متطفلين قادمين من بنجلاديش المجاورة، على الرغم من أن لدى بعضهم، أي الروهينجيا، أجداد عاشوا في المنطقة منذ قرون. وتعيش أسر أخرى من الروهينجيا هناك منذ أجيال، كونها تنقلت في المنطقة قبل وبعد قيام البريطانيين بإنشاء حد تعسفي عبر المنطقة عندما غزوا جزءاً مما أصبح يُعرف باسم بورما في عام 1824.

وقد ازدادت هذه القيود صرامة بعد نشوب أعمال العنف في عام 2012.

وفي هذا الصدد، قال بيير بيرون، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا): "من دون حرية التنقل، لا يستطيع المزارعون الذهاب إلى حقولهم، ولا يستطيع الصيادون الذهاب إلى البحر، ولا يستطيع التجار الذهاب إلى السوق، ولا يستطيع الطلاب الذهاب إلى الجامعة، ولا يمكن للمرضى الوصول إلى أقرب مستشفى".

تقييم الجوع

وقد أثار تقليص حصص المعونة الغذائية ضجة بين وكالات المعونة والناشطين، وحذروا من أنها ستؤدي إلى انتشار الجوع في المجتمعات التي لم تصبح جاهزة بعد للدفاع عن نفسها بسبب القيود المفروضة عليها.  

وتعليقاً على ذلك، قالت لورا هيغ، وهي باحثة في منظمة العفو الدولية زارت مؤخراً بعض القرى المتأثرة بخفض حصص المعونة الغذائية، أن إلغاء المعونات الغذائية في الوقت الذي لا تزال فيه القيود مفروضة على الحركة تُعرّض المجتمعات الضعيفة لخطر أكبر: "لقد تحدثنا إلى عدد من الأشخاص في القرى ممن تأثروا بخفض حصص الإعاشة والجميع يشعرون بالقلق حول كيفية إعالة أنفسهم وأسرهم".

وفي حين وردت تقارير غير موثقة عن انتشار الجوع الشديد بين بعض الروهينجيا الذين عادوا إلى منازلهم، إلا أن معظم القرى المتأثرة بخفض حصص الإعاشة نائية ويصعب على وكالات الإغاثة الوصول إليها.

وبالتالي، طلبت لجنة الإنقاذ الدولية والمجلس الدانماركي للاجئين من برنامج الأغذية العالمي تأخير خفض الحصص لمدة ستة أشهر حتى يتسنى إجراء تقييم للأمن الغذائي، ولكن لم يتم حتى الآن إجراء مسح كامل للأمن الغذائي في المناطق المتضررة، مما يثير تساؤلات حول العملية التي استخدمها برنامج الأغذية العالمي في اتخاذ قرار خفض المعونة. وتفيد وثيقة استراتيجية لبرنامج الأغذية العالمي بشأن خفض المواد الغذائية، حصلت عليها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أن هذا القرار استند إلى "تقييم سريع لسبل كسب العيش" تم إجراؤه في شهر يناير.

وأشارت الوثيقة إلى أن حوالي 1,950 نازحاً داخلياً في بلدة باوكتاو يرفضون العودة إلى ديارهم خشية أن يتم وقف المساعدات الغذائية التي يحصلون عليها. 

في السياق ذاته، قال ممثلون عن برنامج الأغذية العالمي في رسائل بالبريد الإلكتروني أن المنظمة مرنة "وعلى استعداد لتقديم المساعدة إذا تم تحديد الاحتياجات". وأضافوا أن ما يصل إلى 12,000 شخص، تم تحديدهم ضمن الفئات الضعيفة، لازالوا  يحصلون على حصص الإعاشة كاملة، وأنه يتم حالياً إجراء دراسة شاملة للأمن الغذائي ومن المقرر الانتهاء منها بحلول نهاية شهر أكتوبر.

في الوقت نفسه، يبذل العائدون الروهينجيا ما في وسعهم لدرء الجوع. وقال سكان قرية با رين في بلدة مراوك يو أنهم يقترضون الأرز من المزارعين المحليين ويطهونه لعمل عصيدة، وفي بعض الأحيان يضيفون له جذوع الخيزران.

تجمعت مجموعة لمناقشة وضعهم في الطابق العلوي الصغير بمنزل أُعيد بناؤه حديثاً. كان المنزل نظيفاً ومتيناً، ولكنه حار بشكل خانق.

وقال أولي أرموك، وهو يستخدم قصاصات من كراتين حصص الإعاشة في التهوية: "لدينا الآن منازل، ولكننا نحتاج إلى المال لشراء الأرز. ليس لدينا المال لذلك".

jw/jf/ks-kab/dvh

(الصورة الرئيسية: نازحات من الروهينجيا نزحن جرّاء أعمال العنف في عام 2012 يقفن خارج منزل أعيد بناؤه حديثاً في قرية إن بار يي. تصوير: جوليا والاس)