كارثة قارب مصري تسلط الضوء على اتجاه الهجرة الجديد

هيزل هادون

صحفية مساهمة في إيرين

قبل شروق الشمس بقليل في صباح يوم دافئ من أيام شهر سبتمبر، بدأ رنين الهواتف المحمولة في قرية الجزيرة الخضراء على ساحل البحر المتوسط ​​في مصر يتزايد بشكل ملح.

 

 

وقال وليد الحر، وهو زعيم محلي في مجتمع صيد صغير لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)،: "بدأ أبناؤنا يتصلون بنا من عرض البحر. وقالوا: انقذونا! القارب سوف يغرق".

لقي 204 أشخاص على الأقل مصرعهم في 21 سبتمبر عندما انقلب قارب ينقل حمولة زائدة تبلغ نحو 500 مهاجر ومتجه إلى إيطاليا، على بعد حوالي ثمانية أميال من الجزيرة الخضراء.

وكان من بين الأشخاص الذي سافروا على متن القارب سودانيون وإريتريون وصوماليون، ولكن غالبيتهم كانوا من المصريين، ومن بينهم عدد كبير من السكان المحليين للجزيرة الخضراء. تقع هذه القرية على شاطئ نهر النيل قبالة برج رشيد، وهو المكان المفضل لدى المهربين الذين ينقلون مجموعات من المهاجرين على متن قوارب متهالكة إلى السفن الكبيرة التي تنتظر على بعد عدة أميال قبالة الساحل.

وقال الحر: "اتصلوا بنا، نحن أقاربهم، عندما وصلوا إلى قارب كبير، ولأننا صيادون، فإن أبناءنا يعرفون البحر جيداً. وعندما رؤوا القارب، فهموا أنه سوف يغرق".

وتجدر الإشارة إلى أن الحوادث المميتة التي تشمل غرق قوارب المهاجرين المكتظة ليست بالأمر الجديد؛ فقد حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن عام 2016 سيصبح الأكثر فتكاً على الإطلاق من حيث عبور البحر الأبيض المتوسط.

ولكن مأساة برج رشيد سلطت الضوء على الاتجاه الذي يقلق خبراء الهجرة المحليين: الأعداد المتزايدة من المصريين، لاسيما القصر غير المصحوبين بذويهم، الذين يحاولون قطع الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى أوروبا.

اتجاه متنامي

قبل انتفاضات الربيع العربي في عام 2011، كان المهاجرون المصريون الراغبون في السفر إلى أوروبا، مثل العديد من المهاجرين الأفارقة الآخرين، يسافرون عن طريق المهربين الذين يعملون على الساحل الليبي.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية، قال إيهاب جمعة*، وهو صياد في الثلاثينات من عمره من برج رشيد، أنه سافر إلى ليبيا في منتصف سنوات المراهقة بغرض العمل، أولاً كصياد وفيما بعد كمهرب ينقل الناس إلى إيطاليا.

وأضاف أن "صناعة التهريب المصرية لم تكن مربحة في ذلك الوقت".

ولكن منذ قيام الثورة المصرية في عام 2011، ازدهرت هذه التجارة على سواحل مصر. وفي السنوات الثلاث الماضية على وجه الخصوص، بدأت أعداد متزايدة من المهاجرين واللاجئين الأجانب تغادر من مصر، مفضلين تجنب المخاطر المنتشرة في ليبيا التي مزقتها الحرب.

وقد أصبحت البلدات الصغيرة، مثل برج رشيد، نقاطاً ساخنة لعمليات التهريب. ولا يزال جمعة، مثل كثيرين غيره في البلدة، يتربحون من هذه التجارة. وعلى الرغم من أنه لم يعد يتولى قيادة القوارب، إلا أنه يشارك في عملية "التخزين"، حيث يتم إخفاء المهاجرين في منازل ساحلية آمنة حتى تتوفر أماكن لهم على متن أحد القوارب.

ولا يقتصر الأمر على المهاجرين الأجانب. ففي السنوات الأخيرة، بدأ مواطنون مصريون يرحلون على متن القوارب بأعداد أكبر من أي وقت مضى. ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، سافر ما مجموعه 4,095 مصرياً على متن قوارب إلى إيطاليا في عام 2014، مما جعلهم عاشر أكبر مجموعة وطنية تصل بشكل غير شرعي عن طريق القوارب. وبعد تراجع طفيف في عام 2015، أظهرت إحصاءات المنظمة الدولية للهجرة في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2016 أن الأعداد قد بدأت ترتفع مرة أخرى، حيث وصل ما مجموعه 3,792 مصرياً إلى إيطاليا.

ويشكل المراهقون غير المصحوبين نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين - حوالي 60 بالمائة هذا العام. وعلى عكس الكبار، لا يمكن ترحيلهم بموجب القانون الإيطالي.

وفي هذا الصدد، قال الحر، زعيم المجتمع المحلي، أن العدد المتزايد من المهاجرين الشبان أمر لا مفر منه نظراً لنقص الفرص الاقتصادية في المنطقة.

"الأجور منخفضة جداً. يعمل الشاب هنا في وظيفتين مقابل 2,000 جنيه [مصري] (225 دولاراً) شهرياً، ولكن هذا المبلغ لا يكفي لإطعام أسرة. وإذا كان لديك أخوات تحتاج إلى تزويجهن، ماذا ستفعل؟" كما تساءل.

واتفق جمعة مع الرأي القائل أن تدهور الاقتصاد المصري هو أحد العوامل، موضحاً أن "جميع الأسعار تتزايد - المياه والكهرباء والسجائر. هناك بعض الوظائف في صناعة نخيل التمر، ولكن الأجر لا يكاد يصل إلى 1,000 جنيه (112 دولاراً) شهرياً".

وقد كان رد الحكومة على الاتجاه المتزايد للرحيل هو التخطيط لتنفيذ حملة توعية وطنية ووعود بمزيد من التنمية.

وفي خطابه إلى الشعب المصري عقب حادث برج رشيد، أثنى الرئيس عبد الفتاح السيسي على مشاريع الإسكان الجديدة المخصصة لمحدودي الدخل والمشاريع الصناعية والسمكية التي سيتم تنفيذها قريباً.

لكن السكان المحليين يشككون في جدوى جهود الحكومة، ويرى الحر أن "الأجور في هذه المشاريع ليست كافية لإعالة أسرة".

من جانبه، قال جمعة أنه يعتقد أن قصص نجاح السكان المحليين في الوصول إلى أوروبا خلال العام الماضي كان لها تأثير كبير أيضاً على شباب البلدة. وأضاف: "إنهم يسمعونها طوال الوقت: محمد سافر، أحمد سافر، فلان سافر. ومن ثم لا يمكن لأحد أن يقنعهم بعدم الذهاب. يوجد 7,000 شخص في برج رشيد، وكل واحد منهم لديه قريب في أوروبا".

قانون جديد يستهدف المهربين

وقد استجابت السلطات المصرية لتزايد حجم الهجرة غير النظامية باعتراض القوارب على نحو متزايد واعتقال جميع ركابها. وفي حين أن المواطنين المصريين عادة ما يتم الإفراج عنهم بعد استكمال الإجراءات، غالباً ما يتم احتجاز المهاجرين الأجانب لفترات طويلة.

وفي السياق نفسه، أشارت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الشهر الماضي إلى أنه حتى الآن في عام 2016، "تم القبض على أكثر من 4,600 من الرعايا الأجانب، معظمهم من السودانيين الصوماليين والإريتريين والإثيوبيين، واتهامهم بمحاولة مغادرة البلاد بطريقة غير شرعية من الساحل الشمالي، ويشكل هذا العدد زيادة بنسبة 28 بالمائة عن العدد الإجمالي المسجل في عام 2015".

ومن بين الذين أُلقي القبض عليهم، طالبو اللجوء الذين لم يتم البت في طلباتهم، وفقاً للمفوضية. ويواجه أولئك الذين لم يتم تسجيلهم لدى المفوضية خطر الترحيل.

والجدير بالذكر أن هناك دلائل على وجود تحول محتمل في نهج الدولة؛ فقد أعدت الحكومة مشروع قانون جديد يجرم تهريب البشر لأول مرة في القانون المصري، بينما يعامل المهاجرين على أنهم ضحايا. وفي أعقاب حادث برج رشيد، تم إعطاء الأولوية لهذا القانون في البرلمان المصري.

بالإضافة إلى ذلك، تم القبض على تسعة مهربين في الأسبوعين الماضيين بزعم مشاركتهم في المسؤولية عن غرق السفينة، وفقاً لأحد مسؤولي وزارة الداخلية.

من جهته، قال جمعة: "عادة، عندما تلقي الشرطة القبض على مهربين، فإنها تسمح لهم بالرحيل بعد فترة وجيزة. ولكن هذه المرة، بسبب اهتمام وسائل الاعلام، لا نعرف ماذا سيحدث لهم".

ولا يزال التأثير المحتمل للقانون الجديد، الذي يمكن أن يفرض على المهربين غرامات قاسية أو عقوبة السجن لفترات تتراوح بين ستة أشهر ومدى الحياة، غير واضح.

وفي هذا الشأن، قال محمد الكاشف، وهو باحث في شؤون الهجرة لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن القانون الجديد يمثل "خطوة إيجابية"، إلا أن المهاجرين الأجانب قد يظلوا رهن الاعتقال بموجب تشريعات أخرى، إذا كانوا لا يحملون وثائق سفر صالحة.

وأضاف أن "القانون يمنح الدولة المزيد من الأدوات لمنع عمليات التهريب. إنه لأمر جيد أن يجرم أولئك الذين يقومون بـ"تخزين" المهاجرين قبل تهريبهم وأجزاء أخرى من شبكة التهريب. كما أنه يسمح للحكومة بتدمير زوارق المهربين.

"مع ذلك، لا نعرف ما إذا كان سيكون له تأثير على عدد المهاجرين المقبلين على هذه الرحلة،" كما أشار.

من ناحية أخرى، لا يتوقع السكان المحليون في برج رشيد حدوث تغيير يُذكر من دون تنمية اقتصادية.

"قد يعيد المهربون تنظيم الأمور ويبدأون في قبول عدد أقل من الناس - ربما 150 في كل قارب بدلاً من 500، ويتقاضون أسعاراً أعلى،" كما أفاد جمعة.

"ولكن لا شيء سيثني الناس عن الرحيل. إن الأمر لا يتعلق فقط بالمال، ولكن أيضاً بالحياة الكريمة. وحتى لو هددتهم بالقتل، سوف يستمرون في الرحيل،" كما أضاف.

كان يجلس في مقهى ويشير إلى ثلاثة صبية يبلغون من العمر 17 عاماً من الجزيرة الخضراء يسيرون في الشارع: "هذا الشخص، سعد، كان على متن السفينة التي غرقت ونجا؛ وهذا يدعى أحمد، كان شقيقه على متن القارب لكنه نجا؛ وهذا يدعى محمد، توفي شقيقه، وكلهم يقولون أنهم لا يزالون يريدون الذهاب إلى أوروبا، وبالتأكيد سوف يذهبون".

* تم تغيير الاسم

hh/ks/ag-ais/dvh