خلايا احتجاز اللاجئين العملاقة في بحر إيجه

جون بساروبولوس/إيرين

صحفي مستقل مقره في أثينا، ومساهم منتظم في إيرين

يعرف جميع السكان بعضهم البعض في قرية فافيلوي على جزيرة خيوس اليونانية. ولفترة طويلة، كانت هذه الألفة تعني غياب الجريمة والشعور بالأمان. لكن كل ذلك تغير منذ شهر تقريباً عندما لاحظ المزارعون اقتلاع البصل والبطاطا من حقولهم بين عشية وضحاها. وعندما بدأ اقتحام المنازل، بادر القرويون إلى تشكيل دوريات ليلية تتكون كل منها من أربعة رجال.

 

 

"نأخذ معنا قطعة من الخشب أو أنابيب البلاستيك. نحن لا نسعى لإيذائهم، بل نحاول منعهم،" كما قال يانيس سيدراكيس، ميكانيكي القرية في إشارة إلى مئات اللاجئين والمهاجرين المقيمين في خيام على بعد ميل واحد داخل مصنع لصب ألومنيوم كان قد أفلس ويُعرف باسمه المختصر "فيال".

قامت البلدية بشراء فيال العام الماضي لاستخدامه كمأوى للاجئين، وكان من المفترض أن تصبح ساحته الخرسانية الكهفية والمنطقة المجاورة المسيجة التي تضم وحدات سكنية متنقلة بمثابة منشأة مغلقة للنظر في طلبات اللجوء - أو ما يُطلق عليها اسم 'نقطة ساخنة' - عندما دخل الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا حيز التنفيذ في أواخر مارس.

وبعد مرور ستة أشهر، يوجد الآن 3,800 مهاجر ولاجئ في خيوس، أي ثلاثة أضعاف العدد الذي صُممت منشأة فيال لاستقباله. ويتمتعون جميعاً بحرية التنقل في أرجاء الجزيرة.

"في الليلة الأولى [من دوريتنا]، صادفت لصاً. رأيت رجلاً أسود يركض وهو يحمل أكياساً بلاستيكية. صرخت في وجهه، فألقى الأكياس وهرب. لم أطارده. كان قد اقتحم منزلاً وأخذ بعض المشروبات الكحولية ومستحضرات التجميل النسائية ومكواة ونعال وجوارب - أشياء ليست ذات قيمة عالية، لكنه قلب المكان رأساً على عقب، وكان المالك في حالة صدمة،" كما قال سيدراكيس.

وهناك قصص مشابهة في بلدة خيوس، حيث أسفر اكتظاظ فيال عن ولادة مدينتين من الخيام. وقال أدامانتيوس فرانغاكيس، صاحب مقهى قريب من مبنى البلدية: "لقد تعرضنا للسرقة مرة واحدة. أخذوا زجاجة ويسكي وزجاجة كونياك. وأخذوا بيرة من المنزل المجاور".

صفقة مدمرة

لقد غير الاتفاق المبرم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا وجهات النظر حيال الهجرة هنا. عندما كان اللاجئون يمرون عبر الجزر اليونانية في طريقهم إلى منطقة البلقان في صيف عام 2015، كان سكان الجزيرة يقدمون لهم المأكل والملبس والمساعدة. ولكنهم الآن مجموعة سكانية ثابتة ومتزايدة العدد، وقد بدأت الضغوط على الموارد المحلية تظهر بوضوح.

وتجدر الإشارة إلى أنه بموجب هذا الاتفاق، ستقوم تركيا بمنع أكبر عدد ممكن من اللاجئين من مغادرة شواطئها، وتسمح بعودة من يتم ضبطهم في مياهها الإقليمية، وذلك مقابل 6 مليار يورو يقدمها الاتحاد الأوروبي على مدار عامين وتعهد من بروكسل بتخفيف قواعد منح تأشيرة الدخول للمواطنين الأتراك. ووافقت تركيا أيضاً على قبول اللاجئين وطالبي اللجوء الذين تمت إعادتهم من اليونان، على أساس أن تركيا بلد ثالث آمن (مبدأ يعترض عليه الناشطون في مجال حقوق الإنسان). ويبدو أن الصفقة قد حققت التأثير المطلوب؛ فقد وصل عدد الوافدين إلى اليونان حتى الآن هذا العام 166,000، مقارنة بنحو 385,000 في نهاية سبتمبر 2015.

لكن الصفقة أيضاً حولت الجزر اليونانية في شرق بحر إيجه إلى مراكز احتجاز. وتقوم السلطات بإرسل الأشخاص الذين تم إنقاذهم من قبل خفر السواحل اليونانيين إلى جزر ليسفوس وساموس وخيوس وليروس وكوس، حيث يتم احتجازهم هناك لحين إجراء أول مقابلة معهم ضمن إجراءات معالجة طلب اللجوء. واعتماداً على النتيجة، إما يتم منحهم الإذن لإتمام عملية اللجوء على البر أو يتم ترحيلهم إلى تركيا. ولكن حتى الآن، أُعيد 509 شخصاً فقط إلى تركيا بموجب هذا الاتفاق، ويوجد الآن حوالي 14,000 لاجئ في الجزر، حيث يفرضون ضغطاً هائلاً على مرافق بُنيت لكي تأوي نصف هذا العدد. ويصل المزيد كل يوم تقريباً.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال مانوليس فورنوس عمدة خيوس: "لقد حد الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا من تدفقات [اللاجئين]، ولكنه يدمر الاقتصاد والشعور بالأمن، ونتيجة لذلك يدمر الترابط الاجتماعي".

اللجوء إلى الجريمة

وكان الاكتظاظ والإحباط المتزايد بين اللاجئين أحد العوامل التي أثارت أحداث الشغب والحريق الذي نشب الأسبوع الماضي في النقطة الساخنة موريا على جزيرة ليسفوس. وتتصاعد التوترات أيضاً على جزيرة خيوس، حيث وصف فورنوس أهل الجزيرة واللاجئين بأنهم سجناء يتقاسمون نفس السجن. وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية أنه "لا يتم احتجاز [اللاجئين] حقاً. إنها ببساطة الحدود الطبيعية للجزيرة. الماء هو الحاجز. ولكن هذا يشمل أيضاً 50,000 شخص هم سكان خيوس".

ينام ماريوس وعدد آخر من اللاجئين السوريين على أرضية المسرح البلدي الصغير في الجزيرة. وتوجد ستارة مؤقتة من البطانيات المعلقة على حبل لكي تفصل الرجال عن المساحة المخصصة للنساء والأطفال.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية أن "الأوضاع هنا فظيعة"، واعترف طوعاً بأن الناس قد وصلوا إلى درجة من اليأس جعلتهم يتعلمون السرقة. وأضاف قائلاً: "أنا شخص يعرف كيف يفعل أكثر من عشرة أشياء مختلفة ... وأود أن أذهب للعمل في الحقول مقابل 15-20 يورو في اليوم فقط لكي أتمكن من شراء السجائر".

"نحن نعلم أن اللوم لا يقع على سكان خيوس، ولكنه لا يقع علينا أيضاً. هل يريدوننا أن نرحل؟ أعطونا أوراقنا وسوف نرحل اليوم. هل يريدون ترحيلنا؟ رحلّونا ودعونا ننهي هذا الأمر،" كما قال ماريوس.

جون بساروبولوس/إيرين
واحدة من مدينتي الخيام اللتين تأويان اللاجئين في بلدة خيوس

ويُسمح لطالبي اللجوء بالعمل، ولكن اقتصادات الجزر الصغيرة لا توفر فرصاً كافية لآلاف العمال الأجانب، ومعدل البطالة في اليونان يبلغ حالياً 23 بالمائة - وهو الأعلى في أوروبا.

وقد عانى اقتصاد خيوس من نكسات لا علاقة لها بالمهاجرين. فقد تدهورت السياحة، قياساً بأعداد القادمين إلى المطار، من أكثر من 16,000 منذ 8 سنوات إلى ما يزيد قليلاً عن 7,000 في عام 2015. وفي هذا العام أيضاً، دمر حريق مزارع أشجار المستكة في الجزيرة. والجدير بالذكر أن عصارة المستكة والمنتجات المستخلصة منها كانت أهم صادرات خيوس منذ العهد العثماني.

وقد ساهمت المخاوف بشأن الضغوط الأمنية والاقتصادية في إجراء مناقشات ساخنة حول مكان إيواء اللاجئين. وبعد اجتماع عاصف للمجلس البلدي الأسبوع الماضي، اضطر فورنوس لإخلاء المسرح البلدي. وفي نهاية المطاف، قال أنه يخطط أيضاً لإخلاء مدينة الخيام الثانية في البلدة، وإنشاء مخيم كبير في موقع دفن نفايات سابق أُعيد تنسيقه، ولكنه لا يزال يفتقر إلى المياه والكهرباء.

حل المشكلة

قد يعطي نقل اللاجئين بعيداً عن الأنظار بعض سكان الجزيرة القليل من راحة البال، لكنه لن يحل جميع المشاكل التي يخلقها وجودهم. ويستشيط فورنوس غضباً لأن دائرة اللجوء اليونانية لا تنهي إجراءات خروج الأشخاص من جزيرة بمعدل أسرع. وتساءل قائلاً: "إن السلطات في الاتحاد الأوروبي واليونان لا تقوم بواجبها، فمن الذي يقيس مدى فعاليتها؟"

وفي سياق متصل، أعلن المكتب الأوروبي لدعم اللجوء عزمه إرسال 700 أخصائي لفحص حالات اللجوء في اليونان في أعقاب الاتفاق المبرم في شهر مارس، ولكن حتى الآن، وصل 200 أخصائي، من بينهم 126 فقط على الجزر، و20 منهم فقط يجرون مقابلات شخصية.

ويكمن جزء من المشكلة في أن المكتب الأوروبي لدعم اللجوء لا يمكنه أن يلزم دول الاتحاد الأوروبي بالمساهمة بأخصائيين إجتماعيين. "لقد طلبنا المزيد من الموظفين من الدول الأعضاء، لكنهم يتعرضون لضغط في بلادهم نظراً لتراكم الحالات في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والتي تزيد عن 1.1 مليون حالة،" كما أفاد المتحدث باسم المكتب الأوروبي لدعم اللجوء جون بيير شمبري. إن وجود 18 وحدة متنقلة لإجراء المقابلات مكدسة داخل النقطة الساخنة المسماة فيال يبين بوضوح طموح المكتب الأوروبي لدعم اللجوء الذي أصابه الإحباط، حيث لا يُستخدم سوى عدد قليل منها.

من جانبها، قالت كريستيانا كالوجيرو، حاكمة منطقة بحر إيجه الشمالية، أن "الجزر تستقبل في المتوسط 120 وافداً جديداً كل يوم، ولا يمكن الفصل في أكثر من 50 طلب لجوء، في حين يقبع 9,000 طلب آخر في قائمة الانتظار. ولذلك، فإن المسألة الحاسمة هي عدد موظفي دوائر اللجوء".

كان من الممكن أن يزول الضغط المفروض على الجزر. قبل عام واحد، وافق أعضاء الاتحاد الأوروبي على نقل 160,000 طالب لجوء من اليونان وإيطاليا، ولكن لم يتم نقل سوى 4,776 شخصاً حتى الآن من اليونان، وقد وصفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هذا الأداء بأنه تنفيذ "بطيء بشكل غير ضروري" لتعهد "غير كاف بشكل مفجع".

ويعتقد فورنوس أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي التكفير عن خطأه عن طريق تقديم شكل من أشكال المساعدة الإنمائية للجزر الكائنة في شرق بحر إيجه. وأضاف أن "هذا أقل ما يمكنه القيام به لأنني أنفذ سياسته الرامية إلى منع إغراق ألمانيا وإيطاليا والنمسا والمجر وإسبانيا بالمهاجرين. إنني أتوقع أن يساعدني على تطوير الاقتصاد، وأن يثبت أننا لن نكون دائماً مجرد موقع حدودي، ولكن ليست لديه أي رغبة في القيام بذلك".

(الصورة الرئيسية: فتاة سورية تنظر من مدخل خيمة أسرتها في مخيم سودا في بلدة خيوس. جون بساروبولوس/إيرين).

jp/ks/ag-ais/dvh