عندما تصبح الأدوية غير فعّالة

الاستجابة العالمية لمعالجة مشكلة مقاومة العقاقير تكتسب زخماً

التقى زعماء العالم الأربعاء الماضي للاتفاق على استجابة عالمية لتفاقم مشكلة مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات، ولكن هل ستصل مثل تلك الإجراءات الجديدة حقاً إلى دول العالم النامي التي هي في أمس الحاجة إليها؟

 

 

بدأت حالات العدوى الشائعة وتلك التي تهدد الحياة مثل الالتهاب الرئوي وفيروس نقص المناعة البشرية والسل والملاريا تصبح بشكل متزايد غير قابلة للعلاج، حيث تطور البكتيريا والفيروسات والطفيليات مناعة ضد الأدوية التي كانت تتميز بالفعالية.

وقد وافقت الدول الأعضاء الـ 193 على اتخاذ إجراءات لعلاج المشكلة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات. وهذه هي المرة الرابعة فقط في تاريخ الأمم المتحدة التي تشهد عقد اجتماع رفيع المستوى لمعالجة أزمة تتعلق بالصحة.

وإذا قاد الالتزام العالمي إلى نُهج جديدة، فسيكون لها أثر مهم بالنسبة للبلدان الفقيرة بشكل خاص، حيث ساهم العبء المرتفع للأمراض المعدية، وانعدام فرص الحصول على اللقاحات والأدوية المنقذة للحياة، وضعف البنية الأساسية الصحية، في تصاعد مستويات مقاومة الميكروبات للعقاقير.

الاستيقاظ على أزمة جديدة

وفي هذا الصدد، حذرت مارغريت تشان، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية من أن المضادات الحيوية كافة يمكن أن تصبح في نهاية المطاف عديمة الفائدة بسبب مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات، التي تطورت جزئياً بسبب سوء استخدام المضادات الحيوية في علاج البشر، والحيوانات في المزارع، وفي قطاع الزراعة. وفي عالم ما بعد المضادات الحيوية، قد تصبح العلل الشائعة مثل التهاب الحلق الذي تسببه البكتيريا أو الجرح الملوث مرضاً قاتلاً. وتشير دراسة أُعدت مؤخراً بتكليف من حكومة المملكة المتحدة إلى أنه بحلول عام 2050، قد يتوفى 10 ملايين شخص سنوياً نتيجة مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات. وفي الوقت الحالي، تشير التقديرات إلى أنه يتوفى قرابة 700,000 شخص سنوياً من جرّاء الإصابة بالعدوى البكتيرية المقاومة للأدوية المتعددة.

وقد تجاوزت المشكلة بالفعل نطاق وزراء الصحة، إذ يركز الاقتصاديون ورؤساء الدول الآن على هذه المسألة. ونقلاً عن التقرير الذي أُعد بتكليف من حكومة المملكة المتحدة، قال كيجي فوكودا، الممثل الخاص لمنظمة الصحة العالمية المعني بمقاومة مضادات الميكروبات، أن الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات يمكن أن تصل إلى 100 تريليون دولار بحلول عام 2050.

والجدير بالذكر أن هذا الموضوع قد حظي باهتمام كبير في الأمم المتحدة مؤخراً. فإلى جانب الاجتماع الرفيع المستوى المذكور آنفاً، عُقدت فاعليات جانبية عدة لمناقشة هذا الموضع. وفي هذا الصدد، أشار فوكودا في مؤتمر صحفي، إلى أن تعهد رؤساء الدول باتخاذ إجراءات يدل على خطورة الأزمة.  

وقال: "إنها تعادل فيروس نقص المناعة البشرية أو تغير المناخ...فإضافة إلى عدم القدرة على علاج الأشخاص المصابين، قد يتداعى أساس الطب الحديث بالكامل". وأثار فوكودا شبح أن يصبح إجراء العمليات المنقذة للحياة خطراً جداً بسبب مخاطر العدوى غير القابلة للعلاج بعد العمليات الجراحية: "نحن نرى هذه المشكلات في شتى أنحاء العالم. نحن نراها بشكل يومي، في الالتهابات غير القابلة للعلاج والمقاومة للأدوية".

الفقراء هم الأشد تأثراً

وعلى الرغم أن معظم البحوث المتعلقة بمقاومة العقاقير المضادة للميكروبات تجرى في البلدان الأكثر ثراء، إلا أن الدول الأكثر تأثراً من مقاومة أدوية فيروس نقص المناعة البشرية والسل والملاريا، هي الدول الأكثر فقراً التي تكون فيها هذه الأمراض الأكثر انتشاراً. وفي هذا الإطار، تُقدر الدراسة التي أعدت بتكليف من المملكة المتحدة أن 90 بالمائة من حالات الوفاة الناجمة عن مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات ستكون في الدول النامية، وأن ربع الوفيات جميعها سيكون مرتبطاً بمرض السل. 

ولعل ما يساهم في تفاقم هذه المشكلة هو سهولة الحصول على المضادات الحيوية دون وصفه طبية، وحتى عبر الإنترنت، في كثير من البلدان النامية.

وفي السياق ذاته، قالت منظمة أطباء بلا حدود في بيان لها أنها ترصد عدوى مقاومة للعقاقير من ذلك النوع الذي لا يمكن علاجه إلا بالمستوى الأخير من المضادات الحيوية، في جميع الأماكن التي تعمل فيها "من جرحى الحرب [الذين يتم علاجهم] في الأردن، والأطفال حديثي الولادة في باكستان، والمصابين بالحروق في هايتي، إلى الأشخاص المصابين بالسل المقاوم للأدوية المتعددة في جنوب أفريقيا".

وقال كيث كلوجمن، مدير قسم الالتهاب الرئوي في مؤسسة بيل ومليندا جيتس، أن مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات تشكل مصدر قلق متنامي في البيئات الحضرية الفقيرة، حيث تتلوث المياه بمياه الصرف التي تحتوي على بكتيريا مقاومة للعقاقير ومن ثم تنتشر في جميع أنحاء المنطقة: "نحن نشاهد هذا في أماكن في الهند وأفريقيا".

وقال كلوجمن لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "حالات الوفاة الناجمة عن نقص المضادات الحيوية ما تزال أكثر شيوعاً في أفريقيا عن تلك التي تسببها المضادات الحيوية: "المناطق الريفية بحاجة ماسة لمزيد من العقاقير والمزيد من اللقاحات لحماية الأطفال والبالغين من الأمراض، مما يقلل الحاجة إلى المضادات الحيوية بالأساس". 

الحاجة لتطوير عقاقير جديدة

الأهداف الأساسية لخطة العمل العالمية بشأن مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية في عام 2015 هي: تقليص استخدام المضادات الحيوية للبشر والحيوانات، والحد من العدوى من خلال اتباع تدابير وقائية مثل اللقاحات وتحسين الصرف الصحي والنظافة الصحية الشخصية، وتحسين البحوث والمراقبة لهذه المشكلة، وتثقيف الجمهور والعاملين في المجال الطبي والمزارعين بشأن الاستخدام السليم للمضادات الحيوية، والاستثمار في أدوية وأدوات تشخيص جديدة.

أما الهدف النهائي فيعالج حقيقة أن شركات الأدوية لم تقدم مضاداً حيوياً جديداً للسوق في السنوات الثلاثين الماضية، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى أن الشركات لم تجدها مربحة. علاوة على ذلك، تظهر الدراسة التي أُعدت بتكليف من المملكة المتحدة أن أصحاب رؤوس الأموال استثمروا أقل من خمسة بالمائة في تطوير مضادات للميكروبات في الفترة من عام 2003 إلى 2013. وعندما يتم طرح جيل ثاني أو ثالث من المضادات الحيوية الجديدة في السوق، غالبا ما تكون أعلى من قدرة المستهلكين في كثير من الدول. ولذلك، يهدف الإعلان العالمي إلى تهيئة بيئة مواتية لقطاع المستحضرات الصيدلانية لتطوير عقاقير جديدة، مع دعوة الحكومات لتوفير تمويل عام للبحث والتطوير.

وتعليقاً على ذلك، قال مارتن خور، المدير التنفيذي لمركز الجنوب، وهي منظمة حكومية دولية تعمل على دعم التعاون بين البلدان النامية: "نحتاج إلى نظام للوصول إلى الدواء عندما يتم تطوير مضادات حيوية جديدة، ويجب أن تُباع هذه الأدوية بأرخص سعر بحيث يصبح شراؤها في مقدور الجميع".

وأضاف خور أنه سيلزم وضع عدد من الشروط المسبقة لإنجاح نموذج التمويل العام. فعلى سبيل المثال، سيحتاج القطاع العام إلى ملكية براءات الاختراع للأدوية التي يتم تطويرها برأس المال العام، بعد ذلك يجب نقل تلك الحقوق إلى شركات عامة لإنتاج أدوية بأسعار معقولة.

هل ينبغي منع العدوى أولاً؟

وأشارت جوديت روس سانجوان، مدير "حملة الوصول" في منظمة أطباء بلا حدود، إلى أن الإعلان الذي انبثق عن اجتماع يوم الأربعاء يُلزم الحكومات بتوفير "ضمانات صحة عامة جديدة" ويشدد على ضرورة أن تركز البحوث الجديدة في مجال مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات على المريض وليس تحقيق الربح. وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إذا تم تنفيذ الالتزام الوارد في الإعلان بشأن فك الارتباط بين [بحوث العقاقير والأرباح]، فقد يُغير قواعد اللعبة". 

وأضافت أنه رغم أهمية الحديث عن ضرورة وجود "إشراف" أفضل وتغيير للسلوكيات بغية تقييد الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية، إلا أنها "كانت استجابة شمالية [من العالم المتقدم] بالأساس".

وأضافت أن "هناك عدم اعتراف بأن العديد من النظم الصحية في جنوب [الكرة الأرضية] تحتاج إلى الدعم. إنها تفتقر إلى التشخيص والأدوات والتدخلات الأخرى الرامية إلى الاستجابة لهذا التحدي"، مشيرةً إلى أن العديد من الدول الفقيرة لا تمتلك حتى القدرة على رصد حجم المشكلة.

وفي عرض تقديمي عن مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات في مؤسسة فورد في نيويورك، انتقد وزير الصحة في جنوب أفريقيا آرون موتسواليدي التكلفة العالية للعقاقير الجديدة لعلاج مرض السل المقاوم للأدوية المتعددة.  

وقال موتسواليدي أن منظمات مثل الأمم المتحدة أو البنك الدولي لا تمنح أولوية كافية لمكافحة مرض السل، على الرغم من كونه السبب الرئيسي في العالم للوفاة من الأمراض المعدية إلى جانب فيروس نقص المناعة البشرية. وأضاف أنه إذا لم يحدث مزيد من التركيز على مكافحة السل، فإن العالم سيخسر معركته ضد مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات.

من جانبه، يرى مارك مندلسون، رئيس قسم الأمراض المعدية وفيروس نقص المناعة البشرية في جامعة كيب تاون، أن مزايا نهج منع العدوى فيما يتعلق بعلاج مشكلة مقاومة العقاقير المضادة للميكروبات تفوق إعطاء الأولوية لتطوير أدوية جديدة: "إذا كانت لدينا مياه نظيفة، سوف نتمكن من تقليص استخدام المضادات الحيوية بمقدار النصف. وإذا توفرت لدينا اللقاحات، فلن نحتاج إلى المضادات الحيوية في المقام الأول".

(الصورة الرئيسية: تون أونغ كياو، مريض بالسل المقاوم للأدوية المتعددة، يخضع لعملية قياس ضغط الدم خلال تلقيه العلاج في عيادة وانجفا لمعالجة السل في تايلاند. شين كيمونس/إيرين)

pg/ks/ag-kab/dvh