المياه الهائجة

البحر الأبيض المتوسط أصبح أكثر فتكاً بالمهاجرين

كريستي سيغفريد وتوم وستكوت

كريستي هي محررة شؤون الهجرة في إيرين. وتوم صحفي مستقل يقيم في ليبيا ويساهم بانتظام في إيرين

"كنت خائفاً جداً في البحر. وكان القارب مكتظاً. كنت بالكاد أتحرك. كنت خائفاً من الموت، ولكنني كنت أكثر خوفاً من الوقوع في قبضة الشرطة الليبية".

 

 

تحدث علي*، البالغ من العمر 21 عاماً وهو من غانا، إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بعد فترة وجيزة من نزوله من سفينة البحث والإنقاذ في كاتانيا على جزيرة صقلية.

وقال علي أن "المتاجرين بالبشر يقولون لك عندما تركب القارب أنك ستصل إلى إيطاليا في غضون ثلاث ساعات،" مضيفاً أنه بحلول صباح اليوم التالي، عندما تم إنقاذهم، كان قاربهم قد تحرك لمسافة 12 ميلاً بحرياً فقط من الساحل الليبي.

نجا علي، ولكن ثلاثة من أصدقائه الذين حاولوا قطع هذه الرحلة قبله لم تُكتب لهم النجاة، وكانوا من بين 2,726 مهاجراً فقدوا حياتهم في عرض البحر الأبيض المتوسط ​​بين شمال أفريقيا وإيطاليا حتى الآن هذا العام، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة.

وعلى مدار العامين الماضيين، تم تكثيف جهود البحث والإنقاذ في وسط البحر الأبيض المتوسط بشكل كبير، ومما لا شك فيه أنها أنقذت أرواحاً لا تعد ولا تحصى. وقد أنقذ خفر السواحل الإيطالي 1,100 مهاجر من 11 سفينة مختلفة يوم الأحد الماضي وحده. مع ذلك، شهد النصف الأول من عام 2016 زيادة بنسبة 67 بالمائة في عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم أو اختفوا أثناء محاولة عبور البحر الأبيض المتوسط، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً للأرقام المذكورة في تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة الأسبوع الماضي.

طريق أكثر فتكاً بكثير

وتحدث الغالبية العظمى من الوفيات في وسط البحر الأبيض المتوسط، حيث فقد واحد من كل 29 مهاجراً حياته خلال محاولة العبور بين شهري يناير ويونيو. هذا بالمقارنة مع واحد من كل 410 استخدموا طريق شرق المتوسط الأقصر بكثير، والذي يربط بين تركيا واليونان.

ولكن طول طريق وسط البحر المتوسط ​​ليس هو السبب الوحيد في شدة خطورته، إذ يقول خبراء أن المهربين يستخدمون استراتيجيات خطيرة على نحو متزايد لتعظيم أرباحهم.

ولا تزال ليبيا هي البوابة الرئيسية لوسط البحر الأبيض المتوسط، ويدعي المسؤولون هناك أن الأزمة المالية الحادة في البلاد تخلق موجة من الوافدين الجدد إلى تجارة تهريب المهاجرين.

وقال مسؤول رفيع من قسم مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) شريطة عدم الكشف عن هويته: "نحن نرى المزيد من الشباب يتورطون في أعمال التهريب كل يوم. لا يوجد عمل، ولا مبالغ نقدية في البنوك، وجميع الشباب يعلمون أنهم يستطيعون الحصول على نقود بسهولة من هذا النوع من العمل".

وأضاف المسؤول أن الناس العاديين الذين يمتلكون مرآباً فارغاً، أو مزرعة، أو منزلاً بالقرب من الساحل بدؤوا يستخدمونها كأماكن لاحتجاز المهاجرين، انتظاراً لظهور ظروف مواتية في البحر.

وأوضح أن "هناك مهربين يعملون حالياً على طول الساحل الغربي من طرابلس إلى زوارة، وبمجرد أن يصبح البحر هادئاً، سيكونون على استعداد لنقل المهاجرين بسرعة من أماكن الاحتجاز إلى البحر".

أسعار مخفضة

ولطالما كانت تجارة المهاجرين على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في ليبيا قائمة على أساس العرض والطلب، ولكن نظراً لارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية في السوق السوداء إلى أكثر من ضعف سعر الصرف الرسمي، فقد خفض المهربون أسعارهم الآن، مما يجعل الرحلة أقل تكلفة.

وقال أمجد لشبكة الأنباء الإنسانية أن "الرحلة التي كانت تكلف حوالي 1,000 دولار أصبحت الآن تكلف 200 أو 300 دولار، وسمعنا أن بعض المهربين الجدد يقبلون ما لا يزيد عن 100 دولار للشخص الواحد".

"هناك عدد كبير جداً من المهاجرين في انتظار الذهاب لدرجة أن المهربين في كثير من الأحيان يرسلون الآن 5 أو حتى 10 قوارب إلى البحر في كل مرة من نقطة انطلاق واحدة، بينما كانوا يرسلون في السابق قارباً أو اثنين فقط،" كما أفاد.

والجدير بالذكر أن هذه الممارسة التي تنطوي على إرسال عدة قوارب في آن واحد تُعقّد جهود البحث والإنقاذ، وتساهم في ارتفاع عدد القتلى هذا العام، وفقاً لتقرير المنظمة الدولية للهجرة.

وفي يوم الأحد الماضي (21 أغسطس)، كانت سفينة تديرها منظمة أطباء بلا حدود بصدد إنقاذ المهاجرين من قارب خشبي تسربت إليه المياه عندما تلقت نبأ قارب آخر يحمل مهاجرين، هذه المرة قارب مطاطي صغير، يحتاج إلى إنقاذ أيضاً.

"أنقذنا ما مجموعه 551 شخصاً في عملية مشتركة بدلاً من عمليتين. وكان ذلك أكثر صعوبة وجعل الوضع أكثر إلحاحاً،" كما أكد جيكوب غولدبرغ، المنسق الطبي في منظمة أطباء بلا حدود.

الحمولة الزائدة

ولا يقتصر الأمر على إرسال عدد أكبر من القوارب في آن واحد، بل يتم أيضاً تكديس أعداد أكبر من المهاجرين في تلك القوارب.

وفي السياق نفسه، قال بيتر سويتنام، مدير محطة المساعدة البحرية للمهاجرين، وهي منظمة غير حكومية مقرها مالطا وتدير سفينتي بحث وإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط: "لقد ارتفع عددهم من 100 [شخص] إلى 150 أو 160 على القوارب المطاطية ومن حوالي 450-550 على القوارب الخشبية [في السابق] إلى 550-800 الآن".

فرناندو كاليرو/منظمة أطباء بلا حدود
رفع المهربون عدد المهاجرين الذين يكدسونهم في القارب الواحد، مما يجعل الرحلة أكثر خطورة

"الناس لا يرتدون عادة سترات النجاة وغالباً ما يبدأ تفريغ الهواء من القوارب المطاطية عندما يكون هناك عدد كبير جداً من الناس على متنها،" كما أضاف سويتنام.

وقد بدأ المهربون يستخدمون قوارب مطاطية في العام الماضي عندما انخفض المعروض من قوارب الصيد الخشبية.

"في ليبيا، يمكن أن تُقتل في أي لحظة. كل شخص لديه بندقية. كنت فقط أريد الخروج من هناك"

وتقوم عملية صوفيا، التي دشنها الاتحاد الأوروبي في العام الماضي بهدف تعطيل شبكات التهريب، بتدمير القوارب الخشبية بعد عملية الإنقاذ بحيث لا يمكن استرجاعها وإعادة استخدامها من قبل المهربين. لكن المهربين تحولوا ببساطة إلى استخدام القوارب المطاطية الأرخص، والتي يتم استيرادها بطريقة غير مشروعة من تونس، وفقاً لأمجد.

"هذه القوارب مخصصة لعشرة أشخاص كحد أقصى، ولكن المهربين عادة ما يضعون في كل منها ما بين 100 و120 شخصاً. إنهم لا يهتمون بما يحدث لهم في البحر. إنهم لا يفكرون إلا في المال،" كما أضاف.

لهفة المغادرة

وعلى الرغم من المخاطر، فقد ظل الطلب على خدمات المهربين مرتفعاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى كثرة عدد الناس المتلهفين للهروب من الفوضى التي تعم ليبيا.

وينتمي غالبية المهاجرين الذين ينطلقون من ليبيا إلى منطقة غرب أفريقيا، مثل علي الذي جاء إلى ليبيا بحثاً عن عمل. وخلال العشرة أشهر التي قضاها هناك، قال أنه تحمل التعذيب والسجن والبيع من قبل المتاجرين بالبشر.

"في ليبيا، يمكن أن تُقتل في أي لحظة. كل شخص لديه بندقية. كنت فقط أريد الخروج من هناك،" كما أخبر شبكة الأنباء الإنسانية.

وأكد فلافيو دي جياكومو المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة في إيطاليا، أن العديد من الوافدين الجدد قالوا أنهم لم يكونوا ينوون القدوم إلى أوروبا، لكنهم ذهبوا إلى ليبيا بحثاً عن عمل.

وأضاف في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية: "لقد التقينا بالكثير من المهاجرين من غرب أفريقيا الذين قالوا لنا أنه لم تكن لديهم أي فكرة عن مدى خطورة الوضع في ليبيا. وفي كثير من الأحيان، أولئك الذين ينجحون في الوصول إلى أوروبا لا يخبرون عائلاتهم في الوطن عن معاناتهم في ليبيا. فهم يريدون أن يُنظر إليهم كأشخاص ناجحين، ولكنني قابلت العديد من المهاجرين الذين كانوا مستائين للغاية من أصدقائهم. ويقولون: لماذا لم يخبروني؟"

طرق جديدة

وقد أطلقت المنظمة الدولية للهجرة في الآونة الأخيرة حملة تستخدم المهاجرين الذين قطعوا الرحلة إلى أوروبا لتحذير المهاجرين المحتملين في الوطن من المخاطر التي من المحتمل أن يواجهونها في ليبيا، وكذلك ما قد يواجههم أثناء الرحلة البحرية.

تقارير ذات صلة:

مراكز الاحتجاز الليبية في أزمة

خيارات صعبة أمام المهاجرين في ليبيا​

اغتصاب وضرب واحتجاز طلباً للفدية

ويبدو أن المهاجرين من منطقة القرن الأفريقي، لاسيما الإريتريين، قد بدؤوا بالفعل الابتعاد عن ليبيا وتحاول الآن أعداد متزايدة الإبحار إلى أوروبا عن طريق مصر. وقال دي جياكومو أن الوافدين من مصر يشكلون الآن ما بين 10 و15 بالمائة من جميع الوافدين إلى إيطاليا.

وبالنسبة لأولئك الذين يتمكنون من الإفلات من السلطات المصرية الساهرة، تعتبر الرحلة إلى إيطاليا من الساحل المصري أطول من الرحلة من ليبيا، وتستغرق حوالي 10 أيام.

قال سويتنام من محطة المساعدة البحرية للمهاجرين أن "هذا يوسع منطقة البحث. وسنكون بحاجة إلى علاقة مع السلطات المصرية لكي نتمكن من تنفيذ عمليات الإنقاذ في المياه الإقليمية المصرية".

وتجدر الإشارة إلى أن محطة المساعدة البحرية للمهاجرين ومنظمة أطباء بلا حدود هما من بين عدة منظمات غير حكومية تقوم الآن بتشغيل 13 سفينة بحث وإنقاذ في هذه البقعة من البحر الأبيض المتوسط. وتستفيد عملية صوفيا من خمس سفن من أربعة بلدان مختلفة وكذلك العديد من الطائرات، كما يلعب خفر السواحل الإيطالي دوراً حاسما في التنسيق.

ولكن على الرغم من كل هذا الجهد، فإن حالات الوفاة لا تزال على ما يبدو آخذة في الارتفاع. "هذه المنطقة كبيرة جداً، ولا أظن أننا سنستطيع تغطيتها بالكامل،" كما أشار سويتنام.

(الصورة في الأعلى: سفينة منظمة أطباء بلا حدود، ديغنتي 1، أنقذت 937 شخصاً في خمس عمليات مختلفة خلال يوم واحد في يونيو 2016. فرناندو كاليرو/منظمة أطباء بلا حدود)

(شاركت في التغطية كارولينا مونتينيغرو)

ks-tw-cm/ag-ais/dvh