التحقيق الأمريكي في فساد المعونة عبر الحدود التركية السورية يزداد عمقاً

تعليق تمويل الوكالات الرئيسية بسبب العمولات غير المشروعة والرشوة

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

بن باركر

مدير المشاريع المؤسسية

تليغرام/واتس آب

0044-7484-709472

توصل تحقيق أجرته شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إلى أن التحقيقات التي تجريها هيئة رقابية حكومية أمريكية حول الفساد في تقديم المساعدات عبر الحدود التركية السورية تغوص إلى أعماق أكبر مما كان متوقعاً وتكشف عن تورط عدد أكبر من المنظمات غير الحكومية مما ذُكر في تقارير سابقة.

 

 

ويقوض فساد التعاقد من الباطن والاحتيال في المشتريات جهود إرسال الإغاثة الحيوية عبر الحدود إلى السوريين اليائسين.

وقد أعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية يوم 6 مايو أنها طلبت من بعض المنظمات غير الحكومية التي ترسل المساعدات من تركيا إلى سوريا وقف جزء من عملها. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب تحقيق يجريه مكتب المفتش العام الذي وجد شبكة من الموردين التجاريين وموظفي المنظمات غير الحكومية وغيرهم ممن تواطأ "للانخراط في تزوير المناقصات ومخططات متعددة للرشوة والعمولات غير المشروعة تتعلق بعقود إيصال المساعدات الإنسانية داخل سوريا".

وعلى الرغم من أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ترفض التعليق على حالات محددة، فقد كشفت المقابلات التي أجرتها شبكة الأنباء الإنسانية أن التحقيقات قد أثبتت تورط العديد من المنظمات الرئيسية، بما في ذلك الهيئة الطبية الدولية (IMC) ولجنة الإنقاذ الدولية (IRC) والمنظمة غير الحكومية الأيرلندية (GOAL)، وأن تلك المنظمات عوقبت بتعليق التمويل جزئياً على الأقل.

"عملية معقدة"

ويسمح قرار مجلس الأمن رقم 2165 الصادر في يوليو 2014 صراحة لوكالات الأمم المتحدة بتقديم المساعدات عبر الحدود السورية الدولية. مع ذلك، فإن المنظمات غير الحكومية الدولية تقوم بإيصال المعونات بهذه الطريقة منذ عام 2012 على الأقل.

ويتم تسليم معظم المساعدات إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة داخل سوريا عبر الحدود مع تركيا والأردن، وأحياناً لبنان. ولا تقل قيمة المساعدات الرسمية المقدمة عبر الحدود من الجهات المانحة الرئيسية عن 500 مليون دولار سنوياً.

والجدير بالذكر أن المنظمات غير الحكومية الثلاث التي ثبت تورطها قد نمت بسرعة منذ بداية الأزمة السورية، مدعومة جزئياً بتمويل المساعدات عبر الحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وقد زاد دخل الهيئة الطبية الدولية (الولايات المتحدة) إلى أكثر من الضعف، إلى 232 مليون دولار، بين السنتين الماليتين 2011/2012 و2014/2015. وقفز دخل منظمة GOAL بنسبة 94 بالمائة بين عامي 2013 و2014 فقط (الأرقام الخاصة بعام 2015 ليست متاحة بعد). أما لجنة الإنقاذ الدولية، التي تعتبر أكبر المنظمات الثلاث من حيث الإيرادات، فإنها تدير حالياً تمويلاً سنوياً يربو على 500 مليون دولار.

وتُعتبر سلسلة التوريد المعنية إحدى الأعمال التجارية الكبيرة. وعلى الرغم من أن بيانات المشتريات عن عمليات المنظمات غير الحكومية ليست معلنة، إلا أن السلع والخدمات المشتراة من قبل منظومة الأمم المتحدة في تركيا قد قفزت مع استمرار الحرب في سوريا: اشترت سلعاً بقيمة 339 مليون دولار من تركيا في عام 2014، ارتفاعاً من 196.7 مليون دولار في عام 2013 و90 مليون دولار في 2012.

وتُعد المنظمات غير الحكومية الثلاث من الجهات الفاعلة الكبيرة، ولكنها أيضاً تعتمد في تمويلها بشكل كبير على المصادر الحكومية. وفي حالة تضرر علاقتها مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (ذراع المساعدات الخارجية لحكومة الولايات المتحدة) على نحو لا يمكن إصلاحه، فإن قدرتها على مواصلة العمل في بلدان أخرى قد تتأثر أيضاً.

وفي هذا الشأن، قال مسؤول كبير في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تحدث لشبكة الأنباء الإنسانية شريطة عدم الكشف عن هويته أن التحقيق الذي بدأ في مارس 2015، ركز على المشتريات في تركيا، وقد كشف عن "عملية معقدة قد يصعب إثباتها".

وأضاف المسؤول أن التحقيق بدأ بناءً على تقرير من واحدة من المنظمات غير الحكومية حول مشكلة محتملة في سلسلة التوريد.

مشاكل "نظامية"

ومنذ مارس 2015، وفقاً لمقابلات شبكة الأنباء الإنسانية وتقرير مكتب المفتش العام نفسه الذي نُشر في شهر مارس من هذا العام، كشف جزء من التحقيق عن "ضعف نظامي من جانب الجهة المنفذة لعمليات الشراء والتخزين والمناولة والنقل وتوزيع الأدوية والمستلزمات الطبية المشتراة للاستخدام في سوريا".

وجاء في تقرير مكتب المفتش العام أيضاً أنه تبين أن بعض الشركات والأفراد "قد انتهكوا قوانين مكافحة الاحتكار الفيدرالية أو التابعة لبعض الولايات عن طريق التواطؤ مع بعضهم البعض من أجل الفوز بعطاء لتوفير إمدادات للنازحين".

علاوة على ذلك، كانت هناك مشاكل مع أحد البائعين الذي حقق مكاسب مالية عن طريق التلاعب في محتويات طرود المساعدات المتجهة إلى سوريا.

ويوضح هذا التقرير والمقابلات التي أجرتها شبكة الأنباء الإنسانية بنفسها مع المسؤولين في الجهات المانحة وموظفي المنظمات غير الحكومية والمحللين، الذين أصروا جميعاً تقريباً على عدم الكشف عن هوياتهم، أن مشاكل الشراء تشمل كلاً من المنظمات غير الحكومية ومورديها الأتراك - تم فرض حظر مؤقت على 14 فرداً وشركة في تركيا من تلقي تمويل من الحكومة الأمريكية.

ومن بين هذه الشركات، روفا للإغاثة (ROVA) وسينكارديس (Senkardes)، وكلاهما تعلنان عن تقديم خدمات وموردين لعمليات الإغاثة على بعض مواقع الإنترنت باللغة الإنجليزية. وقد زودت إحداهما أيضاً واحدة من وكالات الأمم المتحدة ببعض الإمدادات. ويبدو أن شركة أخرى مدرجة على هذه القائمة توفر إمدادات طبية.

ويشير تقرير مكتب المفتش العام إلى إعفاء أحد موظفي الهيئة الطبية الدولية من منصبه في مكتبها في تركيا، ولكن شبكة الأنباء الإنسانية تدرك أن ما لا يقل عن 800 شخص شاركوا في عقود الهيئة الطبية الدولية في تركيا قد تم التخلي عنهم بسبب تعليق الوكالة الأمريكية للتنمية لتمويلها.

وبعد فترة وجيزة من بدء تحقيق مكتب المفتش العام، أشار تقرير صادر في أبريل 2015 إلى خفض التمويل بمقدار 10.5 مليون دولار بسبب "الكشف عن احتيال" في برنامج المساعدة عبر الحدود.

وتجدر الإشارة إلى أن حجم الاحتيال الذي تم الإبلاغ عنه حتى الآن يؤثر فقط على جزء صغير من مئات الملايين من الدولارات التي تم التبرع بها. مع ذلك، إذا تم تعليق تمويل المنظمات المعنية لفترة طويلة، أو حظر تمويلها في المستقبل، فإن هذا سيخلق فجوة كبيرة في عمليات الإغاثة السورية. كما يمكن أن يؤدي إلى فرض عقوبات مماثلة من قبل الجهات المانحة الأخرى ويوقع المنظمات غير الحكومية العاملة في ضائقة مالية كبيرة.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 13.5 مليون سوري بحاجة إلى المساعدة الإنسانية - سواء كانت في صورة غذاء أو رعاية طبية أو مأوى - وفي نهاية المطاف فإن ضحايا الحرب المستمرة منذ خمس سنوات (معظمهم من المدنيين) هم الذين سيعانون نتيجة للكسب غير المشروع في المنظمات الإنسانية.

وتقوم المنظمات غير الحكومية الدولية أيضاً بتمويل برامج تديرها الجمعيات الخيرية المحلية، وبالتالي فإن تأثير تعليق التمويل من المحتمل أن يطال الاستجابة الإنسانية كذلك.

وأخبر المسؤول في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية شبكة الأنباء الإنسانية عن انقطاع في توزيع المساعدات، ولكن الوكالة لا تزال تقدم المساعدة وتبحث عن منظمات جديدة للتدخل وسد هذه الفجوة.

الشفافية والمساءلة؟

في البداية، ترددت العديد من المنظمات غير الحكومية المتورطة في التحدث إلى شبكة الأنباء الإنسانية، مشيرة إلى مخاوف بشأن سلامة موظفيها؛ فالعمليات التي تتم عبر الحدود إلى المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة المختلفة محفوفة بالمخاطر، والجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية لا تفصح عن الكثير من المعلومات عن تلك العمليات، على الرغم من حجمها. وبصفة عامة، يتم الاحتفاظ بسرية مواقع المشاريع ومصادر التمويل لأن المشاركين في العمليات قد يتعرضون لخطر الترهيب والتلاعب وحتى الخطف أو العنف المسلح إذا عرفت أطراف النزاع نوع عمليات المعونة أو مكانها بالتحديد.

وعلى الرغم من سياسة الإنكار الرسمية، والبيانات العامة التي لا تحتوي على أسماء المنظمات، فإن العديد من المنظمات غير الحكومية تنشر بعض المواد الترويجية عن عملها في سوريا على مواقعها على شبكة الإنترنت.

في عام 2015، أعلنت الولايات المتحدة عن تقديم 397 مليون دولار لتمويل عمل المنظمات غير الحكومية داخل سوريا، وفقاً لخدمة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة، ولكن لم يتم توفير تفاصيل عن طريقة توزيع ذلك المبلغ بسبب حساسية المعلومات.

وتتلقى مكاتب الهيئة الطبية الدولية ولجنة الإنقاذ الدولية في الولايات المتحدة أكثر من ثلثي تمويلها من الحكومة - وهي نسبة أعلى إلى حد ما من بعض المنظمات غير الحكومية الأخرى ذات الحجم المماثل. وتحصل مكاتب الهيئة الطبية الدولية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مجتمعة على إثنين بالمائة فقط من دخلها من الأفراد، ويتلقى مكتب لجنة الإنقاذ الدولية في الولايات المتحدة 68 بالمائة من تمويله من المنح الحكومية، وفقاً لنماذج الضرائب العامة. وتحصل منظمة GOAL (أيرلندا) على تمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وربما تكون أقل عرضة لانهيار ثقة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية فيها. مع ذلك، فإن 88 بالمائة من تمويلها يأتي من المنح، وليس الأفراد.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية، قال متحدث باسم وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة (DFID)، وهي ثاني أكبر جهة مانحة لسوريا ومساهم رئيسي في بعض المنظمات غير الحكومية نفسها أو الشركات التابعة لها، أنهم "يدركون المخاوف المتعلقة ببرامج المساعدات التي تمولها الولايات المتحدة في سوريا ومستمرون في مراقبة الوضع. وسيكون من غير المناسب التعليق على حالات فردية".

وأضاف المتحدث أن وزارة التنمية الدولية لم تفتح تحقيقاً خاصاً بها في هذه القضية.

وبعد الإعلان الصادر عن مكتب المفتش العام في 6 مايو أن التحقيق قد اضطره إلى تعليق تمويل برامج معينة، أرسلت الهيئة الطبية الدولية تعليقاً إلى شبكة الأنباء الإنسانية عبر البريد الالكتروني بقلم كبير مسؤولي الامتثال بها، ويليام غريفلينك، (الذي كان هو نفسه مسؤولاً كبيراً سابقاً في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية) قال فيه أن المنظمة تتعاون "بنشاط" مع مكتب المفتش العام وقد دشنت تحقيقاً داخلياً خاصاً بها.

وقال البيان الذي أرسله غريفلينك: "نتبع سياسة عدم التسامح مطلقاً مع الاحتيال والفساد، وقد فصلنا الموظفين الذين يشتبه في تورطهم. لقد نفذنا بالفعل ضوابط محسنة لمكافحة الاحتيال والفساد، وسنواصل إجراء التعديلات حسب الحاجة".

في الوقت نفسه، رفضت لجنة الإنقاذ الدولية الإجابة عن أية أسئلة في سياق التحقيق الجاري، وأحالت شبكة الأنباء الإنسانية إلى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

وفي سياق متصل، أعلنت الصحافة الأيرلندية بالفعل عن التعليق الجزئي لتمويل منظمة GOAL، ويؤكد بيان على موقعها على الإنترنت أن مكتب المنظمة في سوريا "يتعاون في التحقيق الجاري من قبل مكتب المفتش العام ... في الولايات المتحدة في مزاعم بشأن مخالفات في سلسلة التوريد لبرامج المساعدات التي ترعاها الولايات المتحدة في سوريا".

من جانبها، قالت منظمة ميرسي كور، وهي منظمة معونة أخرى تشارك في الإغاثة عبر الحدود، لشبكة الأنباء الإنسانية أن إثنتين من المنح الخاصة بها واللتين حصلتا على تمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد تم تعليقهما في ديسمبر الماضي، ولكن أُعيد تنفيذهما بعد وقت قصير من تعاونها مع التحقيق وإثباتها أن "لديها الضوابط وتدابير تخفيف المخاطر المناسبة".

إذا كانت لديك معلومات عن هذه المشكلة، يمكنك الاتصال بشبكة الأنباء الإنسانية، ونحن سوف نحمي خصوصيتك ولن نكشف عن هويتك.

رسائل نصية قصيرة/واتس آب:  +44 7808 791267

برقية: +44 7484 709472

البريد الإلكتروني: [email protected]