لندن، 21 فبراير 2017
لوت لويس سميث

صحفية استقصائية ومتطوعة في "مركز الوحدة" للتضامن مع المهاجرين في اسكتلندا

تكثف وزارة الداخلية في المملكة المتحدة ضغوطها على المهاجرين "غير الشرعيين" وأولئك الذين رُفضت طلبات لجوئهم من أجل إعادتهم إلى بلادهم طوعاً، وهو تكتيك يتم تسويقه على أنه أكثر "إنسانية" وفعالية من حيث التكلفة عن عمليات الإعادة القسرية. ولكن إلى أي مدى يمكن اعتبار عمليات الإعادة هذه "طوعية" فعلياً؟ وكيف أصحبت المنظمات غير الحكومية متواطئة في هذه الاستراتيجية؟

سام وولمان/إيرين
عودة طوعية

المملكة المتحدة هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي لا يوجد بها حد زمني أقصى لاحتجاز المهاجرين. فمنذ رفض طلبه للجوء، يتم احتجاز أمير*، 19 عاماً، من أفغانستان في مركز هارموندسورث لاحتجاز المهاجرين، قرب مطار هيثرو، منذ ثمانية أشهر. ولا يعرف متى سوف يتم الإفراج عنه أو ترحيله.

وفي ظل عدم وجود سبل كافية للحصول على فرص الدعم القانوني أو النفسي في مقرات الاحتجاز، وعدم وجود تاريخ محدد للإفراج عنه، يفكر أمير في العودة "الطوعية" إلى أفغانستان، الدولة التي ازداد فيها الصراع الممتد سوءاً في العام الماضي، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من ديارهم.

وتعليقاً على وضعه، قال أمير لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا أستطيع النوم أو الأكل. ولا يوجد أحد أتحدث معه. أشعر وكأنني سأصاب بالجنون". وأضاف قائلاً: "لا أريد أن أعود إلى أفغانستان، فجميع أفراد أسرتي هناك قد ماتوا. ولكنني أخشى أن أقتل نفسي إذا لم أغادر هذا المكان قريباً".

مع ذلك، فإن الاشخاص الرئيسين الذين تستهدفهم إدارة العودة الطوعية في وزارة الداخلية في المملكة المتحدة، هم أشخاص غير محتجزين يعيشون على منحة الحد الأدنى من الدعم. وبموجب قانون الهجرة لعام 2016، من المقرر أن يتم في شهر أبريل، وقف الدعم– الذي يبلغ 73.90 جنيه استرليني في الأسبوع للأسر و36 جنيه استرليني للفرد البالغ، وكذلك خدمة السكن التي تقدمها الحكومة – للذين رُفضت طلبات لجوئهم الأولى.

وعلى الرغم من أن الرفض الأولي لطلبات اللجوء لا يُعد بأي حال من الأحوال نهاية مطاف الطريق القانوني (فقد نقض قضاة الاستئناف 87 بالمائة من حالات رفض طلبات اللجوء المقدمة من الإريتريين في عام 2015)، إلا أن وزارة الداخلية تشجع الأشخاص الذين يريدون اللجوء، ممن رفضت طلباتهم بشكل أولي، على قبول العودة الطوعية من أجل تجنب الوقوع في الفقر المدقع لأنه بالنسبة للرعايا غير الأوروبيين، يعتبر الفقر المدقع انتهاكاً للشروط التي يمكنهم بموجبها البقاء بشكل قانوني في المملكة المتحدة، ويمكن استخدامه كأساس للترحيل القسري.

"طوعاً"؟

في أواخر عام 2015، اقتطعت وزارة الداخلية 2 مليون جنيه إسترليني تقريباً من تمويل منظمة مساعدة اللاجئين Refugee Action، وهي جمعية خيرية أدارت برنامج مساعدة العودة الطوعية في المملكة المتحدة منذ عام 2011. وادعت المنظمة أنها تقدم "مشورة مجانية محايدة ومستقلة وسرية" بشأن العودة الطوعية.

وابتداء من يناير 2016، بدأت وزارة الداخلية برنامجاً داخلياً للعودة الطوعية. ووصفت منظمة "مساعدة اللاجئين" التغيير بأنه "جزء من استراتيجية أوسع نطاقاً من جانب الحكومة لتعزيز' البيئة المعادية'، وخلق حوافز أقوى للعودة الطوعية".

وتسعى إدارة العودة الطوعية لإعادة 31,500 شخص على مدى ثلاث سنوات، بميزانية قدرها 18,638,296 جنيه استرليني. وتستهدف بالأساس الأشخاص الذين يقيمون في المملكة المتحدة "بصورة غير مشروعة". وهناك برنامج آخر ذو صلة، يطلق عليه اسم "العودة الطوعية المُيسرة" يقدم ما يصل إلى 2,000 جنيه استرليني لمساعدة العائدين على "إيجاد مكان للعيش، وفرصة عمل أو بدء مشروع تجاري"، ويستهدف على وجه التحديد الناجين من الاتجار بالبشر والأسر والقصر غير المصحوبين بذويهم والأشخاص الذين لا يزالون بانتظار البت في طلبات لجوئهم، والأشخاص الذين استنفدوا إجراءات الاستئناف.

سام وولمان/إيرين
وفي حين أن الأشخاص الذين يختارون العودة الطوعية قد لا يتعاملون مباشرة مع القيود أو الحراس، أو القوة البدنية، إلا أن الانتقال إلى إدارة العودة الطوعية التي تديرها وزارة الداخلية أثار مخاوف حول "الطوعية"، لاسيما عندما تقدم إلى الأشخاص الذين يواجهون احتمال الترحيل القسري والاحتجاز إلى أجل غير مسمى.

وفي هذا السياق، قالت هانا* أن وزارة الداخلية حاولت إرغامها هي وأطفالها الصغار على قبول العودة الطوعية إلى شرق أفريقيا عبر تهديدها بوقف دعم اللجوء الذي تحصل عليها عندما تم رفض طلب لجوئها الأولي.

وقالت هانا أنها بينما كانت في مركز الإبلاغ المحلي التابع لوزارة الداخلية، جاءت إليها موظفة وسألتها إذا كانت تفكر في العودة إلى ديارها "طوعاً" بل وعرضت مساعدتها على حزم أمتعتها واستدعاء سيارة أجرة توصلها إلى المطار. ووفقاً لهانا، شرعت الموظفة في تهديدها وابنها بالترحيل إذا لم تقبل هذه "المساعدة"، وطلبت منها أن تنصرف من أمامها وتفكر في الموضوع.

في المرة التالية التي زارت فيها هانا المركز، أبلغت الموظفين بأنها تجهز طلب لجوء جديد – مدعم برسالة من محاميها – ولا ترغب في التوقيع على وثائق الموافقة على العودة "الطوعية". ونتيجة لذلك طُلب منها السفر أكثر من ساعتين يومياً للحضور إلى المركز "حتى إشعار آخر". وبمجرد ذهابها إلى هناك، قالت هانا أنها تعرضت للإساءة اللفظية والتخويف من الموظفين الذين، بالإضافة إلى التهديد بقطع دعم اللجوء الذي تحصل عليه، أبلغوها بأنه قد يتم القبض عليها إذا لم تمتثل. ولو أنها رضخت للضغط ووقعت على استمارة الموافقة على العودة الطوعية، لفقدت هانا الحق في تقديم طلب لجوء جديد وواجهت العودة القسرية في حال حاولت سحب موافقتها لاحقاً.

مبادرات هيبيسكيس

رفضت وزارة الداخلية التعليق على حالات فردية مثل حالة هانا، لكن التحقيق الذي أجرته شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) وجد أنه عندما تفشل مثل هذه الأساليب، فإن الحكومة تبحث عن منظمات موثوق بها "لإقناع" الأشخاص على مغادرة المملكة المتحدة طواعية. وكما أشار أحد كبار المديرين في عام 2014: "إنها مسألة ثقة، [المنظمات غير الحكومية مثل منظمة مساعدة اللاجئين] يمكن أن تعقد مناقشات لا تستطيع وزارة الداخلية القيام بها مع مجموعات المهاجرين ... في الواقع، نحن نعلم أن هناك مخاوف بشأن التعامل مع الحكومة مباشرة."

وإحدى المنظمات غير الحكومية التي تستفيد من هذه الاستراتيجية هي مبادرات هيبيسكيس Hibiscus Initiatives، وخي جمعية خيرية مسجلة لديها "فرق" عمل تتمركز في مراكز الاحتجاز في يارلز وود وكولنبروك وهارموندسورث. وتدير الجمعية الخيرية مشروع "إعادة التوطين الدولي" – الذي تموله وزارة الداخلية منذ عام 2012 – الذي يقدم "المشورة المستقلة للمحتجزين والمساعدة العملية لتسهيل إعادة توطينهم في بلدانهم الأصلية".

سام وولمان/إيرين
وخلافاً لمنظمة مساعدة اللاجئين التي التزمت الشفافية حول علاقاتها المالية مع وزارة الداخلية، لا تدرج مبادرات هيبيسكيس وزارة الداخلية كأحد مموليها على موقعها على الإنترنت. مع ذلك، تظهر بياناتها المالية أنه خلال السنة المنتهية في مارس 2016، قدمت وزارة الداخلية للجمعية الخيرية مبلغ إجمالي قدره 400,000 جنيه استرليني، ما يمثل 68 بالمائة من "دخلها التعاقدي".

من جانبها، قالت وزارة الداخلية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إنه "ليس لديها أي عقود مع مبادرات هيبيسكيس، ووصف متحدث رسمي المنظمة بأنها "جمعية خيرية مسجلة تقدم الدعم والمشورة المستقلة لتسهيل العودة للمحتجزين من غير دول الاتحاد الأوروبي". ولكن وثائق الحكومة تظهر أن وزارة الداخلية قدمت 10 منح، كل منها يزيد عن 25,000 جنيه استرليني للجمعية الخيرية في الفترة من أغسطس 2015 إلى أغسطس 2016، تحت بند "إنفاذ القوانين المتعلقة والهجرة".

والجدير بالذكر أن هذه المنح مستمدة من صندوق اللجوء والهجرة والدمج التابع للاتحاد الأوروبي (AMIF)، الذي يدرج مبادرات هيبيسكيس باعتبارها "سلطات حكومية/ فيدرالية"، ويصف الغرض من المشروع بأنه "يدعم أولوية المملكة المتحدة فيما يتعلق بالعودة عبر المساهمة في تحقيق عودة ناجحة ومتوافقة مع القوانين لـ600 شخص سنوياً".

ويشير تقرير مجلس أمناء المنظمة غير الحكومية، الذي نشر في مارس 2016، أن الفريق لإعادة التوطين  الدولي "تجاوز" هذه "الأهداف الصعبة بفارق كبير جداً".

"معضلة" المنظمات غير الحكومية

وتدعي مبادرات هيبيسكيس أنها قدمت "خدمات إنسانية ورعاية" لـ3.115 شخص في مراكز احتجاز المهاجرين خلال العام الماضي.

سام وولمان/إيرين
أعتقد أنهم مثل الحراس تماماً، كل ما يهمهم هو إرضاء وزارة الداخلية
تسترجع كايلا*، وهي امرأة من زيمبابوي احتجزت في يارلز وود، تجربتها مع الجمعية الخيرية فتقول: "قالوا لي أنني إن لم أعد طواعية فسوف أبقى قيد الاحتجاز ... لا أشعر أنهم يساندونني، أعتقد أنهم مثل الحراس تماماً، كل ما يهمهم هو إرضاء وزارة الداخلية".

وتحدث محتجز آخر، يدعى مارك*، مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر الهاتف من مركز احتجاز كولنبروك حول لقاءاته مع مبادرات هيبيسكيس قائلاً: "ظلوا يحدثونني عن العودة الطوعية والعودة بحرية... ولكنني محتجز، كيف ستكون بحرية؟ لم يستمعوا لي عندما قلت لهم أريد أن أكافح من أجل قضيتي، أن أمكث مع أطفالي هنا في المملكة المتحدة ... لكن كل ما فعلوه هو أن قالوا لي إن من الأفضل لي أن أغادر... إنها ليست نصيحة، إنها تبدو كأمر. "

سام وولمان/إيرين
قالت وزارة الداخلية لشبكة إيرين إنها لم تبرم أي عقود مع مبادرات هيبيسكيس لكن وثائق الحكومة تظهر أن وزارة الداخلية قدمت 10 منح، كل منها يزيد عن 25,000 جنيه استرليني للجمعية الخيرية في الفترة من أغسطس 2015 إلى أغسطسس 2016
ولم ترد مبادرات هيبيسكيس على طلبات عدة تقدمت بها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) للتعليق على الموضع حتى وقت نشر هذا التحقيق.

ولكن فرانسيس ويبر، المحامية السابقة في مجال حقوق الإنسان ونائبة رئيس معهد العلاقات العرقية التي كتبت حول سياسة العودة الطوعية، أشارت إلى أن "المنظمات غير الحكومية مثل مبادرات هيبيسكيس ... تواجه معضلة تتمثل في أن قلقها على سلامة الناس ورفاههم وحقوقهم تتعارض مع، ويجب أن ترضخ، لاستراتيجية الإنفاذ لوزارة الداخلية، التي تعرض 'العودة الطوعية' فقط كبديل للاحتجاز إلى أجل غير مسمى والفقر المدقع والترحيل القسري. وأقصى ما يمكنها القيام به هو جعله أكثر جاذبية وقبولاً".

  • *تم تغيير الأسماء الحقيقية

الرسومات الكاريكاتورية: سام وولمان

lls/ks/ag-kab/dvh